الأربعاء 1 يوليه 2026 — القاهرة

بعد قرار تسليح الأكراد.. كيف يمتص ترامب «غضب أردوغان»؟

بعد قرار تسليح الأكراد.. كيف يمتص ترامب «غضب أردوغان»؟

"يسقط الأسد".. ليس شعارًا على جدارٍ بل هو المختصر المفيد لتوافق أمريكي تركي بشأن رأس النظام بشار بنظرة عامة لمجمل الحالة السورية، لكنَّ التوافق هذا ليس على كل شيء، فالأزمة هناك تثبت نيرانها يومًا بعد يوم أنَّها بعيدة المدى وأنَّ تداعياتها عابرةٌ للحدود، ولهيبها المندلع منذ 2011 لا يتوقف على الداخل بل يثير خلافات في الخارج..

الحديث هنا عن خلافات أمريكية تركية، تسود قبل زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لواشنطن.

 

الإدارتان الأمريكية والتركية تتفقان على ألا مكان لبشار الأسد في سوريا بعدما قتل وشرّد ملايين من الشعب، قد يكون هذا التوافق باعثًا لحراكٍ سياسي وحتى عسكري على الأرض لوضع حد للأزمة هناك، غير أنَّ الخلاف وقع على حزبٍ تدعمه واشنطن عسكريًّا وتراه أنقرة إرهابيًّا.

 

على وقْع الخلافات سينعقد اللقاء، سيلتقي أردوغان ونظيره دونالد ترامب في البيت الأبيض  غدًا، وهناك سيبحثان كل شيء، وفي المقدمة بلا شك الأزمة التي أثارها ترامب مؤخرًا وهي تتعلق جزئيًّا بالأزمة السورية، حين صدَّق على خطة لتسليح وحدات حماية الشعب الكردية السورية، وهو قرارٌ أغضب أنقرة فهي تعتبر هذه الوحدات امتدادًا لحزب العمال الكردستاني "بي كا كا" الذي تصنِّفه إرهابيًّا.

 

 

قرار ترامب.. أزمة سلاح

 

أردوغان استبق زيارته للولايات المتحدة، فصرَّح بأنَّ قرار ترامب بزيادة تسليح وحدات حماية الشعب يضر بالعلاقات الاستراتيجية بين البلدين، غير أنَّه عاد يؤكِّد أنَّ القضايا مع واشنطن سيتم حلها خلال زيارته المرتقبة.

 

تبرر أنقرة رفضها لهذا القرار بأنَّه يضر أمنها القومي فاعتبرت الخطوة غير مقبولة، وهنا صرَّح رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم: "لا يمكن تقديم السلاح لمنظمة إرهابية (الوحدات الكردية) لأنها تقاتل منظمة إرهابية أخرى" في إشارة إلى تنظيم "الدولة".

 

أيضًا وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أكَّد أنَّ كل سلاح يحصل عليه مقاتلو وحدات حماية الشعب الكردية السورية يعد تهديدًا لبلاده.

 

حاولت واشنطن امتصاص غضب أنقرة، فأعلن البيت الأبيض أنَّ هذا العتاد سيكون محدودًا ومحددًا بمهمة معينة، وسيُقدَّم تدريجيًّا مع تحقيق الأهداف.

 

أيضًا اتصل وزير الدفاع جيمس ماتيس – كما أعلن "البنتاجون" بنظيره التركي فكري إيشق بعيد اتخاذ القرار، وبحثا التطورات في سوريا والعراق ومجريات عملية الرقة المرتقبة، لكن البيان الصادر عن الوزارة لم يرد تفاصيل حول رد الوزير التركي على قرار واشنطن تزويد مقاتلين أكراد في سوريا بالسلاح.

 

 

في هذه الأثناء، تناقلت وسائل إعلام دولية تصريحًا مسؤول أمريكي "لم يكشف عن هويته" بأنَّ العتاد الذي سيقدم للمقاتلين الأكراد سيشمل أسلحة خفيفة وذخيرة ومدافع رشاشة ومركبات مدرعة ومعدات هندسية.

 

لكن أكراد سوريا من جانبهم، أكَّدوا أنَّ القرار من شأنه تسريع عجلة القضاء على تنظيم "الدولة"، واعتبروا أنَّ القرار الأمريكي ما هو إلا إعلان عن طبيعة الدعم لهم، وأشاروا إلى أنَّ واشنطن كانت تدعم المليشيات الكردية المسلحة في شمال سوريا، ولكن كان هذا الدعم غير معلن، أمَّا الآن فإن هذا الدعم معلن، ما يعطي شرعية لوجود ميليشياتهم المسلحة.

 

السياسة الأمريكية الداعمة للأكراد تراها أنقرة خطرًا على أمنها القومي، فأمريكا ومنذ سنوات عديدة وهي تتعاون مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وميليشياته وحدات حماية الشعب وتمدها بالسلاح لمحاربة تنظيم "الدولة"، وقد بدأ ذلك في أواخر 2014 وما صاحب عملية تحرير مدينة عين العرب كوباني من حملة إعلامية أمريكية كبيرة.

 

الإدارة التركية بدورها تؤكِّد من خلال عملياتها على الأرض أنَّها لا يمكن أن تتساهل إزاء ما تراه خطرًا على أمنها القومي، فقبل أيام مثلًا وجَّهت ضربات لمقرات حزب العمال الكردستاني في العراق وسوريا، فهي ربما حاولت من خلال هذا الأمر أن تبعث برسالة إلى الدول المعنية أنَّها حازمةٌ بمنع تهديد حدودها من العراق أو من سوريا مهما كلفها ذلك ولو كان الثمن هو التصادم مع واشنطن.

 

غير معلوم إلى أن يمكن أن يصل الخلاف بين واشنطن وأنقرة وهما عضوان كبيران في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وبات التساؤل قائمًا هل الإدارة الأمريكية جاهزة للتضحية بتركيا مقابل الحفاظ على الوحدات الكردية في العراق وتحديدًا سوريا، كما على أنقرة أن تفصح عن موقفها إذا كانت جاهزةً هي الأخرى لترك ما تقول إنَّها تهديدات على أمنها القومي مقابل "الود" الأمريكي.

 

 

تهديد ورد.. ماذا بعد؟

 

غير أنَّ الصدام ربما أخذ منحى آخرًا بما نقلته صحيفة "فورين بوليسي" الأمريكية عن المستشار التركي إلنور تشيفيك الذي قال: "الجيش التركي، في حال استمرار التعاون بين القوات الخاصة الأمريكية والأكراد، لن يأخذ مستقبلًا في الاعتبار وجود عربات مصفحة أمريكية هناك، ويمكن أن يحدث من خلال المصادفة البحتة أن تصيب القوات الأمريكية بضعة صواريخ تركية".

 

تهديدٌ مقنع لا يُعرف إن كان بإمكان أنقرة تنفيذه أم لا، فهي إن كانت في ذلك تسعى لحماية أمنها فهي في ذات الوقت تدري جيدًا عواقب هذا الأمر عليها، لا سيَّما في ظل الوضع المقعد في المنقطة، فأمريكا قد ترد على ذلك مثلًا بتكثيف دعمها للوحدات الكردية، وهنا يزداد التهديد تهديدًا، وتلقى أنقرة نفسها بين خيارين أحلاهما مر، فإمَّا أن تقتنع بتعهد أمريكي بألا يطالها تهديدٌ من الأكراد وهو وعد غير مضمون، أو أن تصعِّد، وما سيُقابل التصعيد إلى بتصعيد.

 

غير أنَّ التهديد التركي ردَّت عليه واشنطن، فقال قائد القوات الأمريكية في العراق وسوريا الكولونيل جون دوريان إنَّ مهمة بلاده شمالي سوريا ليست دعم حزب العمال الكردستاني أو حتى إدانة تصرفات تركيا وقصفها للمليشيات الكردية، لكنَّ المهمة في كردستان سوريا – كما صرَّح - هي طمأنة الحلفاء في المنطقة، وأيضًا محاولة منع تزايد العنف بين القوات التركية وقوات وحدات حماية الشعب الكردي.

 

كل هذا التوتر تعاملت معه واشنطن عسكريًّا أيضًا، فأرسلت دوريات متنقلة في مناطق قريبة من الحدود مع تركيا التي قالت إنَّها رصدت مرورها عبر مدينة القامشلي شمالي سوريا، وذلك قرب منطقة أغارت عليها تركيا في 25 أبريل الماضي، وأسقطت 18 قتيلًا من القوات الكردية، كما أظهرت لقطات مصورة على الإنترنت سكانًا أكرادًا يهتفون للعربات التي ترفع العلم الأمريكي وهي تمر أمامهم، الأمر الذي دفع القوات التركية إلى التمركز في منطقة قريبة من الحدود مع سوريا.

 

أردوغان يلوِّح

 

أيام قليلة بعد هذا الحراك على الأرض حتى لوَّح أردوغان للدور الأمريكي في هذا المنطقة، فخرج يصرِّح: "لم نكتفِ بمكافحة الإرهابيين داخليًّا، بل طالتهم عملياتنا خارج الحدود من خلال قصف YPG .. أترون كيف يهاجموننا بقذائف الهاون من هناك -شمال سوريا- وتحت  غطاء مَن؟".

 

تساؤل أردوغان ربما حمل إشارة اتهام إلى واشنطن التي تدعم هذه الميليشيات، لكنَّه لم يكتفِ بهذا التساؤل، بل أمضى حديثه بلغة تهديد ووعيد فأخذ يقول: "نحول تلك المناطق إلى مقابر لهم، ولن نتوقف.. لقد قلنا إن الفتح قريب، وآمنا دائمًا بأن الفتح من الله وسنسير في طريقنا إيمانًا منا بذلك.. الذين يؤمنون بقرب الفتح يؤمنون بشيء آخر ألا وهو أن الله هو وحده المعين".

 

 

في صحيفة "جارديان" البريطانية، كتب الكاتب الكردي رانجي علاء الدين يقول إنَّ تسليح واشنطن وحدات حماية الشعب السورية يبدو خيارًا سهلًا، لكنه سيتسبب في مسؤوليات ثقيلة على أمريكا.

 

الكاتب أشار إلى أنَّ هذا القرار سيتسبب في تغيير كبير في علاقة أمريكا بأكراد سوريا، وربما في الطريقة التي ستتعامل بها الحكومات الغربية مع المجموعات المسلحة في المنطقة.

 

علاء الدين اعتبر أنَّ القلق التركي لا يمكن تجاهله، وبخاصةً أنَّها القوة الثالثة في حلف الناتو، ولا يمكن الاستغناء عنها في النظام العالمي "الليبرالي"، وكقوة في المنطقة يمكن أن توقف طموحات الهيمنة الإيرانية والروسية، وأنَّ عزلها يمكن أن تكون له أضرار أكثر بكثير من فوائده على المنطقة والمجتمع الدولي.

 

جولن.. انقلاب وتسليم

 

لا تقتصر الخلافات الأمريكية التركية عند هكذا نقطة، فبعيدًا عن سوريا تحديدًا فإنَّ محاولة الانقلاب التي شهدتها أنقرة في يوليو من العام الماضي ستكون حاضرةً في النقاش بين الرجلين، فالإدارة التركية تحمِّل الداعية فتح الله جولن المقيم بالولايات المتحدة مسؤولية الانقلاب الفاشل وتطالب واشنطن بتسليمه، بينما لم تستجب "الأخيرة" إلى هذا الطلب، على الأقل حتى الآن.

 

تسليم جولن ليس نقطة الخلاف الوحيدة، بل إنَّ واشنطن متهمة – في نظر أنقرة - بدعم محاولة الانقلاب، وتحديدًا هنا الحديث عن بعض الجنرالات الأمريكيين العاملين في قاعدة إنجيرلك في تركيا أو في قواعد حلف الناتو في أوروبا، وهو ما نفته واشنطن.

 

الإدارة الأمريكية تتسلم من الجانب التركي ما يقول "الأخير" إنَّها أدلة تثبت تورُّط جولن في محاولة الانقلاب، إلا أنَّ واشنطن لم تسلمه إلى الآن، رغم اتفاقية "إعادة المجرمين" المبرمة بين الجانبين عام 1979، حيث بموجب تلك الاتفاقية تنظم الأحكام المتعلقة بتسليم المجرمين والتعاون المتبادل في الجرائم الجنائية، وقد دخلت حيز التنفيذ في الأول من يناير     1981.

 

المحور السني

 

ترتبط زيارة أردوغان كذلك للولايات المتحدة بجولة ترامب في المنطقة بعد أيام، فالرئيس الأمريكي سيبدأ أولى جولاته بالسعودية، وهناك ستعقد قمة عربية إسلامية أمريكية، دعي إليها الرئيس التركي، وهنا الحديث عن تشكيل محور سني يستهدف في المقام الأول وقف التمدُّد الشيعي في المنطقة.

 

هنا يلفت النظر أيضًا زيارة أردوغان للكويت قبل أسبوع، والتي أعقبت زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بيومٍ واحد، والآن يتوجه الرئيس التركي إلى واشنطن، ما يعني أنَّ ترتيبات تجرى لشيء جديد في الشرق الأوسط، وهو شرقٌ تتداخل خطوطه وتتشعب أزماته.

 

 

نقاط على الحروف

 

خبير العلاقات الدولية سعيد اللاوندي شدَّد على أهمية زيارة أردوغان للولايات المتحدة لا سيَّما أنَّه لم يزر واشنطن منذ فترة طويلة، فضلًا عن الخلافات التي جمعت بين أمريكا من ناحية وإيران وتركيا من ناحية أخرى بسبب الجولان ومحاولة الانقلاب.

 

وقال – لـ"مصر العربية": "الآن المياه بدأت تعود إلى مجاريها بين الدولتين، سيَّما أنَّهما عضوان في حلف الناتو وبالتالي فالمصالح بينهما قائمة وبقوة وهو ما يحرص عليه الجانبان".

 

أردوغان – كما يرى اللاوندي – مهتمٌ بحفظ المصالح الخاصة ببلاده من العلاقات مع الولايات المتحدة، معتبرًا أنَّ هذه الزيارة ستجعل الرئيس التركي قريبًا من الإدارة الأمريكية.

 

اللاوندي توقع أن تساهم هذه الزيارة في وضع النقاط على الحروف، حيث سيتم بحث القضايا الأساسية الخاصة بالشرق الأوسط، لا سيَّما الوضع في سوريا والموقف التركي في هذا الجانب، لا سيَّما أنَّ تركيا تعتبر رمانة ميزان للكثير من الدول فيما يتعلق بالأوضاع في المنطقة.

 

قضية الأكراد أكَّد اللاوندي أنَّها ستكون حاضرةً وبقوة في المناقشات بين ترامب وأردوغان، معتبرًا في هذا الصدد أنَّ واشنطن لا يمكنها أن تضحي بأنقرة مقابل دعمها للميليشيات الكردية.

 

وأضاف: "واشنطن كانت تسير دائمًا مع الأكراد ضد تركيا لكنَّ بعدما صرَّح أردوغان بأنَّ هذا يتنافى تمامًا مع التنسيق التركي الأمريكي فأرى أنَّ هناك تراجعًا ومحاولات لرأب الصدع سريعًا".

 

التوافق التركي الأمريكي فيما يخص سوريا يقول اللاوندي إنَّه يتعلق برحيل الأسد من السلطة، وهو ما فسَّره بأنَّه قد يجعل واشنطن تستخدم أنقرة كآلة في القتال ضد النظام السوري.

 

اللاوندي ربط بين زيارة أردوغان والقمة العربية الإسلامية الأمريكية في السعودية خلال أيام، والتي دُعي إليها الرئيسان التركي والأمريكي، مشيرًا هنا إلى هذه الأجواء تبحث الخلافات في الشرق الأوسط والتمدُّد الإيراني في المنطقة، لا سيَّما أنَّ تركيا دولة شرق أوسطية كبرى.

 

أيضًا، تحدَّث خبير العلاقات الدولية عن محاولات للصلح بين القاهرة وأنقرة، مستشهدًا بزيارة أردوغان للكويت عقب زيارة السيسي قبل أسبوع فقط وكذا زيارته الرئيس التركي لواشنطن التي تأتي بعد أسابيع فقط من زيارة الرئيس المصري، مشدِّدًا في هذا الإطار على أنَّ السيسي لا يرفض أن تكون علاقاته بكافة الدول ومنها تركيا "جيدة" بشرط ألا تتدخّل "الأخيرة" في الشأن المصري.

مصدر الخبر
مصر العربية

أخبار متعلقة