نشر الفكر التشاؤمى مرفوض، لكن نشر الفكر العشوائى جريمة. محافظ البنك المركزى طارق عامر، وعد المصريين بطفرة عام 2018، ويبشرنا بأن الأزمة النقدية قد انتهت، وأننا سددنا ما علينا من ديون للشركات الأجنبية (750 مليون دولار). نشر الفكر التفاؤلى «مش بطال»، لكن على المسئول الذى يريد دفع الناس إلى الاقتناع بروائح التفاؤل والمستقبل الزاهر الباهر أن يعتمد على أدلة واقعية، ويبتعد كلما استطاع عن الكلام المرسل. نوعان من العبارات تعود الشعب المصرى على الاستماع إليهما طيلة السنوات الماضية؛ الأول عبارات الوعيد، وهى تلك العبارات التى تتوعد المواطن بارتفاعات فى الأسعار وضغوط معيشية إضافية، هذه العبارات مصدّقة دائماً لدى الناس، لأنها ببساطة تصدق فى الواقع، فما إن تتوعد الحكومة المواطن بشىء إلا ويضع يده على جيبه، ويتوقع سحباً جديداً منه، حتى أصبحت الجيوب خالية الوفاض. ويتحدد النوع الثانى من العبارات فى عبارات «الوعد» وهى تلك العبارات التى تعد فيها الحكومة ومسئولوها المواطن بتحسن فى الأحوال، وذلك ما لا يصدقه المواطن، لأن تجربته -عبر السنوات الماضية- أثبتت له أن هذه الوعود مجرد كلام فى الهواء، وبإمكانك أن تشير بإصبعك إلى وعد واحد صدقت فيه الحكومة، وتقديرى أنك لن تجد.
خبرة المواطن مع طارق عامر بالذات خبرة شديدة السوء فيما يتعلق بالوعود. لعلك تذكر وعده بأن سعر الدولار سيصل إلى أربعة جنيهات!، دعك منه فقد أكد الرجل فيما بعد أنه كان «يهزر»، ويداعب روح النكتة عند المصريين، تعال إلى وعده بأن يستقر الدولار عند سعر عادل بعد التعويم لا يزيد على (12 جنيهاً). سعر الدولار ثابت بالفعل خلال الأشهر الأخيرة، لكن عند رقم الـ18 جنيهاً!. كيف نصدق «عامر» وقد خبرناه فى وعود سابقة، أثبت الواقع أنها كانت مجرد كلام فى الهواء، أو نوع من «الهزار» الذى يعبر عن شخصيته «المهزارة». أخشى أن تكون تصريحاته مجرد محاولة لإفادة الرأى العام بأنه موجود، ولم يترك منصبه بعد، فخرج علينا بهذا الكلام اللطيف بهدف «التطرية» على المواطن الذى يعانى درجة من «الخشونة» غير المسبوقة فى معيشته اليومية، خصوصاً مع مقدم الشهر الفضيل، فالمواسم أكثر أيام العام التى تضع المواطن أمام مرآة عوزه، بسبب تعاظم مستويات الإنفاق فيها، كما تعود المصريون. ولست أدرى هل خطر هذا الأمر على ذهن طارق عامر فأعطى لموظفى البنك المركزى مبالغ مناسبة مقابل الإجازات مع قدوم شهر رمضان -وهى مبالغ قد تتجاوز فى أحوال ربع المليون جنيه- أم لا؟!.
الإغراق بالوعود سمة من سمات الأنظمة السياسية المأزومة، فهى تكشف عن محاولة للقفز على الواقع وتأمل الحلول فى المستقبل، والحكومات التى تلجأ إلى هذا النوع من الأداء مجرد حكومات تستهدف التغطية على عجزها عن مواجهة أزمات الواقع فتأخذ المستمع إليها نحو المستقبل. وتملك الأنظمة المأزومة فى مواجهة من يعترض على هذا الكلام اتهامين أخلاقيين؛ أولهما الاتهام بنشر الفكر الإحباطى، وثانيهما الانشداد إلى الواقع وعدم التفكير فى المستقبل. أما قمة الأزمة فتتبلور فى الظن بأن المواطن ينطلى عليه هذا الكلام، وبإمكانه أن يعاود تصديق «المحافظ» من جديد دون أن يتحسس ضربة فأس الأسعار فوق دماغه ودماغ اللى خلفهم!.