الإثنين 6 يوليه 2026 — القاهرة

ترامب في السعودية| الهروب للأمام ومعضلة فرض التسوية بالحرب

ترامب في السعودية| الهروب للأمام ومعضلة فرض التسوية بالحرب

يزور الرئيس الأميركي دونالد ترامب السعودية في التاسع عشر من الشهر الجاري. التوقيت حساس على كافة المستويات محلياً وإقليمياً وبالطبع عل مستوى العلاقات الثنائية بين واشنطن والرياض؛ فالمنطقة التي تمر بحالة سيولة مستمرة منذ 2011 توشك على أن تدخل مرحلة جديدة عنوانها التسويات المستحيلة، والتي ترتهن في مجملها بخيارات دقيقة تجعلها تسويات ممكنة فاعلة بتوافق عام وهي في هذه الحالة تخلق واقعاً جغرافياً واستراتيجياً جديداً في الشرق الأوسط، أو فرض السابق بالقوة عبر تسعير الحروب المستمرة في مختلف مناطق الصراع في الشرق الأوسط بحرب أكبر قد تبدو باستقراء المشهد العام أنها محتملة أكثر من أي وقت مضى. ولكن بالتدقيق في الخيارات المطروحة وظروف كل الأطراف الفاعلة الذاتية والموضوعية قد يبدو أن خيار الحرب الشاملة المباشر على معقوليته وضرورته سيسبب ضرراً بمصالح الساعين إليها قبل المستهدفين بها، وبالتالي قد يكون الحل العملي هو خلق توازنات جديدة على مستوى المنطقة برعاية أميركية قد يكون من أحد أدواتها استخدام القوة العسكرية بشكل محدود ومحدد، وذلك لأن الحرب المفتوحة بالمعنى الكلاسيكي لا يُضمن لها أن تكون محددة من حيث الزمان والمكان في ظل حالة السيولة الموجودة في المنطقة المستعرة بنيران “حروب” يرجو الجميع إنهائها أو على الأقل احتوائها ولكن لكل طرف رؤيته وشروطه ومصلحته في كيفية إنهائها أو احتوائها أو حتى الاستمرار فيها بمعطيات توافقيه جديدة.

المحطة الأبرز في هذا السياق هي القمة العربية الإسلامية الأميركية التي ستعقد في السعودية بمشاركة قادة دول عربية وإسلامية والرئيس الأميركي دونالد ترامب. القمة المرتقبة التي يصفها الساسة والمراقبين بأنها “تاريخية بكل المقاييس” تأتي في إطار إعادة ترتيب واشنطن في -عهد إدارة ترامب- لسياساتها وأسس علاقاتها بحلفائها في الشرق الأوسط، وذلك وفق أولويات جديدة تتجاوز الأولويات الأميركية التقليدية بمراحلها الثلاث منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، مروراً بسنوات الحرب الباردة، ومرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وحرب الخليج الثانية، وأخيراً تداعيات غزو العراق. لذا فأنه من الضروري التدقيق بشكل عام في الظروف الذاتية والموضوعية للأطراف الرئيسية المعنية بـ”الحدث التاريخي” الوشيك، للوقوف على رؤية أولوية للمرحلة المقبلة من تاريخ المنطقة وإعادة تشكيل أبجديات الصراع بين القوى الدولية والإقليمية فيها.

في الداخل الأميركي وبالتوازي مع زيارة ترامب للمملكة، تنظر ثاني الدعوات القضائية المقامة من مواطنين أميركيين وهيئات أميركية ضد الحكومة السعودية وهيئات ومواطنين سعوديين، بتهم تدور حول التورط والتواطؤ وتسهيل هجمات 11 سبتمبر 2001، وذلك بعد إقرار الكونجرس قانون محاكمة رعاة الإرهاب المعروف إعلامياً بقانون “جاستا“. ويأتي ذلك في ظل الأزمة المستجدة بين إدارة ترامب وبين مختلف المؤسسات العدلية الأميركية مثل مكتب التحقيق الفيدرالي، الذي أقال ترامب رئيسه قبل أيام، وذلك على خلفية فتح المكتب لتحقيقات رسمية بحق ترامب ورموز إدارته حول شبهات أنهم على علاقة بالحكومة الروسية، وتلقي بعضهم أموال بطرق غير شرعية من جهات أجنبية منها الحكومة السعودية، وعلى وجه الخصوص وفي الصدارة المستشار السابق للأمن القومي مايكل فلين، الذي قدم استقالته الشهر الماضي.

سعودياً تستعر أزمة الحكم الداخلي بالتغيرات الجديدة التي أقرها الملك سلمان ونجله قبل أسبوعين، كمرحلة شبه  نهائية لحسم العرش لصالح ولي ولي العهد محمد بن سلمان، أمام بن عمه ووزير الداخلية ولي العهد، محمد بن نايف، فالقرارات الملكية الأخيرة قوضت ما تبقى من سلطة للأخير على مستويات سياسية وأمنية خبرها طيلة السنوات الماضية بحكم منصب وزير الداخلية وبحكم المهام التقليدية لمنصب ولي العهد؛ فأنقض بن سلمان مؤخراً على أهم وأخر مرتكزين قوة عند بن نايف: الأول علاقته بالولايات المتحدة التي ترجع لبداية الألفية الجديدة والتي تبلورت وتجذرت بشقيها الأمني والسياسي بعد 2001 لدرجة أن ولي العهد صار يعرف بـ”رجل أميركا المفضل في آل سعود”، فأنشأ بن سلمان “مركز الأمن الوطني” وتبعه للديوان الملكي، وهو ما يعني عملياً تجريد الداخلية وبن نايف بالتبعية من ميزة التنسيق والتعاون مع واشنطن فيما يخص قضايا الإرهاب سواء لوجيستياً أو معلوماتياً، وهو الأمر المماثل على الناحية الدبلوماسية، حيث عين محمد بن سلمان شقيقه الأمير خالد بن سلمان (28عام) سفيراً للمملكة في الولايات المتحدة، لقطع الطريق على بن نايف في إقامة أي تواصل مع الإدارة الأميركية الجديدة عبر القنوات الشرعية، وكذلك ضمان بن سلمان أن واشنطن بعد هذه الإجراءات وبعد زيارته الأخيرة لها لن تتعامل إلا مع “الملك الفعلي” للسعودية.

على مستوى ثنائي فإن العلاقات بين واشنطن والرياض شهدت على مدار الفترة القصيرة الماضية مراجعة وإعادة تأسيس على ما استقرت عليه العلاقة بين الدولتين منذ اتفاق «كوينسي» ، إعادة التقييم هذه بدأت أميركاً في عهد  أوباما ووصلت إلى ذروتها في العاميين الأخيرين من ولايته، والتي شهدت تأزم غير مسبوق بين السعودية والولايات المتحدة، كان من المتوقع أن تتفاقم بعد مجيء ترامب إلى سدة الحكم خاصة وأنه إبان حملته الانتخابية هاجم المملكة وسياساتها والسياسة الحاكمة للعلاقات الأميركية معها. وهو ما امتدت حتى زيارة بن سلمان الهامة الشهر الماضي لواشنطن، والتي أسست بمعنى ما لعهد جديد في العلاقات الأميركية السعودية، قائم على أسس الأولويات المتقاطعة وتأقلم الرياض معها بدل من سياسة الرعاية الأميركية لحلفائها ومن بينهم السعودية في دول الخليج لضمان تدفق النفط، وهو الأمر الذي يُستهل -بترجمته الاقتصادية- ببرامج استثمار وصفقات تسليح بقيمة 100 مليار دولار بين واشنطن والرياض.

إقليمياً، تَمور المنطقة بنيران الحرب الباردة بين محاورها، التي يُعاد تشكيل أحدها تحت مظلة أميركية يحملها ترامب، وفق أولويات أميركية تقلص التباين بين حلفاء واشنطن وتحقق حد أدنى معقول لكل منهم في تحقيق أولوياته لمرحلة ما بعد “داعش”، فالسعودية على سبيل المثال على الرغم من “جاستا” والموقف الأميركي تجاه مستجدات الأوضاع السياسية في اليمن وسوريا والعرق ترى أن أي أجراء أميركي ضد إيران يتوافق مع أولوياتها  القصوى، وبالتالي يمكن أن تنحى الخلافات جانباً نظير أن يتم تحقيق المراد الذي تلح عليه الرياض من أكثر من 10 سنوات وهو “قطع رأس الأفعى” العبارة المشهورة للملك السابق، عبدالله بن عبد العزيز عشية حرب تموز2006 التي أنتصر فيها حزب الله على إسرائيل، التي تشهد علاقاتها بالسعودية تحالف على مستويات سياسية وعسكرية ودبلوماسية واقتصادية في السنوات الأخيرة، وتسعى المملكة بأن تنهي أخر التفاصيل الخلافية الظاهرية بينها وبين الكيان الصهيوني، لتعميم السلام والتطبيع على مستوى عربي وإسلامي، وذلك عبر تصفية القضية الفلسطينية بتسوية جوهرها الأساسي مبادرة السلام السعودية 2002، أو حتى ما هو أدنى من ذلك، حيث لم تعد تسوية القضية الفلسطينية شرطاً أساسياً لتعميم التطبيع مع إسرائيل بشكل علني، ولذلك وأمام العنت الإسرائيلي المتمثل في مبدأ يهودية الدولة وإسقاط حل الدولتين، فإن تخفيض سقف التسوية عربياً وصل إلى مطالبة إسرائيل بتحسين شروط الاحتلال –بصفة أن أراضي 67 واقعه تحت سلطة احتلال بقرارات الأمم المتحدة- عبر تخفيف الحصار عن غزة وإيقاف النشاط الاستيطاني بالضفة، وذلك بدافع أن تعميم وعلانية العلاقات بين دول عربية/خليجية مثل السعودية وإسرائيل أضحى ضرورة وجودية لاستمرار كل منهما كقوى إقليمية وبقاءها كدول بشكل عام. وفي هذا السياق ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية انه اقتراح خليجي مستجد يأتي على هامش  زيارة ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد إلى واشنطن قبل يومين، وهي الزيارة التي اعتبرت الصحيفة أنها أتت كلمسات أخيرة للقمة العربية الإسلامية الأميركية الوشيكة في السعودية.

سياسات الهروب للأمام ترجح دوماً عمل عسكري، ولكن إقران هذا العمل بتسوية سياسية يعني ضرورة وجود ضمانة بأن الحرب التي تندلع تنتهي بإقرار واقع تلتزم به معظم الأطراف المعنية بحدود دنيا ضرورية للتوافق، وهنا تكمن النقطة المفصلية والمعضلة المتمثلة في سؤال: كيف ستنهي إدارة ترامب الحروب والصراعات –القديم منها والمستجد- في الشرق الأوسط دون التورط في حرب أكبر ستكون تداعياتها -حال اندلاعها- سلبية على مستويا داخلية وإقليمية ودولية على الأطراف التي تلوح بها؟ وكيف يمكن فرض تسوية شاملة على النمط الترامبي لكافة صراعات الشرق الأوسط ضمانة تحققها الوحيدة واستمرارها هو فرضها بالقوة العسكرية؟ وذلك مع الأخذ في الاعتبار رد الفعل على كافة المستويات سيتجاوز ما حدث في المنطقة بعد غزو العراق 2003 وحتى إعلان دولة “داعش” 2015. وما بين التاريخين من حروب وانتفاضات وثورات وانقلابات بطول المنطقة وعرضها يستلزم حالياً تسوية تداعياتها حرباً جديدة في دائرة عبثية قد يكون سببها المعقول الوحيد هو تصدير الأزمات الداخلية في الدول الفاعلة فيها -الولايات المتحدة والسعودية وإسرائيل- للخارج ومزيداً من مبيعات الأسلحة.

مصدر الخبر
البديل

أخبار متعلقة