السبت 4 يوليه 2026 — القاهرة

تداعيات حذرة .. فشل الدولة الليبية ومستقبل الحل السياسي للأزمة

تداعيات حذرة .. فشل الدولة الليبية ومستقبل الحل السياسي للأزمة

تعيش ليبيا حالة من التخبط السياسي منذ ثورة فبراير 2011، و رغم إجراء انتخابات برلمانية مرتين، إلا أنه لم يستطع أي فصيل أو قوة سياسية إرساء دعائم نظام سياسي حقيقي، ينجح في تشكيل مؤسسات دولة فاعلة، ما وضع ليبيا حتى الآن في خانة تصنيفات الدول الفاشلة أو الهشة سواء أكان هذا الأمر وفق المعايير الأكاديمية أو يخضع لعمليات تسيس من قبل بعض القوى الخارجية لتحقيق مصالح معينة.

وباعتبار مصر صاحبة جوار مباشر مع ليبيا، وأمنها القومي يتأثر بما يجري هناك، سواء من ناحية انتشار الجماعات الإرهابية التي تتخذ من فراغ الدولة في ليبيا فرصة لتثبيت أقدامها هناك، والإضرار بأمن مصر، أو من ناحية تحويل ليبيا لساحة تصفية الحسابات النفوذ بين الدول الكبرى والإقليمية على الأراضي الليبية، ما يسمح بوجود عسكري أجنبي بجوار مصر ما يمثل تهديدا استراتيجيا لها، خاصة إن لم تكن في حالة توافق مع هذه الدول.

ويواجه الليبيون صعوبة الآن في بناء دولة جديدة، ما يجعلهم يسيرون في دوامة من حالة فشل الدولة التي تسببت ليس في الأضرار بالليبيين فقط والسماح بتحويل بلادهم لساحة تنافس و مساومة بين القوى الخارجية وأراضي خصبة للإرهاب والعصابات، لكن امتد ذلك ليؤثر بشكل أكبر على دول الجوار منها مصر، فقد ساهمت حالة الحدود الرخوة أو السائبة في تهديد الأمن القومي لمصر  نتيجة لعمليات تهريب الأسلحة  وانتقال العناصر الإرهابية بين البلدين.

أولاـ  أسباب ومؤشرات تحول ليبيا إلى دولة فاشلة:

كثرت المفاهيم في أدبيات العلوم السياسية التي تعرضت لمفهوم الدولة ذاتها، ومفهوم الدولة الفاشلة و العناصر الأساسية في هذا المفهوم حديث العهد، إلى جانب توظيف مثل هذه المصطلحات سياسيا لدى العديد من القوى الدولية.

ويعرف عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر  الدولة بأنها “الوحدة القادرة على احتكار العنف وممارسة الضبط على كامل إقليمها”، ويركز  هذا المفهوم على عنصر القوة وشرعية استخدامه، ومن القادر على فرضه الذي يرى أن الدولة تمتلك أداة القهر والعنف وحدها دون منافسة أو منازعة من أحد، وانضواء الجميع تحتها وقدرتها على فرض قوتها على الجميع وتطبيق قوانينها بقوة القهر .

فيما يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو  أن الدولة هي محصلة عملية تركيز مختلف أنماط رأس المال: رأس المال الإكراهي (الجيش والشرطة)، و رأس المال الاقتصادي والثقافي والرمزي”، وبهذا تكون قوة الدولة متفوقة على ما عداها من أشكال اجتماعية و تنظيمات، فهي تجمع كل أنماط السلوك أكثر من غيرها و قادرة على ضبطه والتحكم فيه وتوفيره دون غيرها. 

أما مصطلح الدولة الفاشلة فقد ظهر في أوائل تسعينيات القرن الماضي، عقب انهيار الحكومة الصومالية، فظهرت دراستان أساسيتان حول هذا المفهوم، وكانت الدراسة الأولى لـ “جيرالد هيرمان– ستيفن راتنر”، عام 1993، التي رأت أنّ مفهوم الدولة الفاشلة يمكن أن يُختصر “بتلك الدول التي لا تستطيع أن تلعب دوراً ككيان مستقل”  مثل هايتي، يوغوسلافيا، السودان.

أما الدراسة الثانية فهي لـ “وليام زارتمان” عن الدولة المنهارة في عام 1995، وأشار إلى أنها “تلك الدول التي لم تعد قادرة على القيام بوظائفها الأساسية”، مثل الكونغو في ستينيات القرن العشرين، وتشاد وغانا و أوغندا في أواخر ثمانينيات القرن نفسه، والصومال مع بداية تسعينيات القرن العشرين.

ومن ضمن تعريفات الدولة الفاشلة، أنها الدولة التي تفقد السيطرة على وسائل العنف الخارج عن الإطار القانوني، وبالتالي تعجز عن تحقيق السلام والاستقرار لشعبها، وفرض السيطرة على أراضيها، ولهذا لن تقدر على ضمان النمو الاقتصادي أو أي توزيع عادل للسلع الاجتماعية، وغالبا ما تتميز بانعدام المساواة الاقتصادية والمنافسة العنيفة على الموارد.

ويعرف القانوني الدولي الدولة الفاشلة بأنها الدولة التي تفتقد حكومة شرعية وتشهد حالة من العنف المركز و صدر قرار من مجلس الأمن التدخل فيها لأمور إنسانية.

وكأي مفهوم سياسي تعددت التعريفات المختلفة لمفهم الدولة الفاشلة، لكن توجد سمات أساسية يمكن إطلاقها على الدولة التي تتصف بالفشل، منها:

  • وجود تحديات في الداخل تهدد بقاء الدولة أو النظام السياسي القائم.

  • انتشار حالة العنف السياسي الشامل أو وجود صراع عسكري مسلح لا يمكن للحكومة الموجودة السيطرة عليه.

  • عجز مؤسسات الدولة على أداء وظائف الحكم وتأمين الأحد الأدنى من الخدمات الأساسية للشعب .

  • التشكيك في قدرة النظام الحاكم على تمثيل الدولة في علاقاتها الخارجية.

وبالنظر  إلى الوضع في ليبيا حيث غياب حكومة موحدة وجهاز أمني واحد “جيش وشرطة”  قادر على احتكار العنف، إلى جانب انتشار حالة العنف المسلح، فقد صنفت ليبيا وفق التقرير السنوي عن الدول الفاشلة/ الهشة لعام 2016، الصادر عن صندوق السلام التابع للأمم المتحدة بالتعاون مع مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، في قائمة الخمس دول الأكثر  فشلا مع السنغال و اليمن و سوريا و مالي، خلال عقد من الزمان في الفترة من 2006 حتى 2016.

ويلاحظ استخدام “فورين بوليسي” مصطلح الدول الهشة بدلا من “الدولة الفاشلة” في تقريرها منذ عام 2014، بعد أن كان يحمل اسم “الدول الفاشلة” منذ إصداره في عام 2005، كما يصنف التقرير 178 دولة في العالم، من خلال تحليل عدد من المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية (12 مؤشراً)، إضافة إلى مؤشرات فرعية (100 مؤشر).

ويعتمد المؤشر على قياس مؤشرات اجتماعية مثل مستوى العنصرية و العنف الطائفي و الديني و الأمن الغذائي و توافر المياه، و حركة النازحين و المهاجرين و المخاطر الأمنية، ووضع حقوق الإنسان، و مؤشرات اقتصادية تتضمن دخل الفرد و العجز الاقتصادي و القوة الشرائية و الدين الحكومي و إجمالي الناتج المحلي و البطالة و التضخم، و الفساد و درجة المشاركة السياسية و مستوى الديمقراطية و العنف الداخلي و انتشار الأسلحة و الصراع على السلطة.

وفي تقرير 2016 تراجع تصنيف ليبيا في التقرير السنوي الخاص بمؤشر “الهشاشة العالمي” لتكون بين أكثر دول العالم تدهوراً خلال العقد الماضي، وجاءت ليبيا في المرتبة رقم 25 في القائمة، لتكون بين الدول ذات التصنيف «الحرج» وفي مستوى «الإنذار»، بواقع 96.4 نقطة، نتيجة لوجود الأزمات السياسية والاقتصادية، إلى جانب استمرار الصراع المسلح وقضايا أخرى.

و وصف التقرير الوضع في ليبيا بأنه في أعلى درجات التدهور، (درجات من صفر إلى عشر نقاط)، وهي (8.0) في مؤشر المهاجرين والنازحين، و(8.3) في مؤشر العنف والاقتتال الداخلي بين المجموعات، والتنمية الاقتصادية (5.8) ووضع حقوق الإنسان (9.3)، وشرعية الدولة (9.5) والفقر والتدهور الاقتصادي (8)، وانقسام النخب والساسة (9.4)، والتدخل الخارجي (9.7)، والخدمات العامة (7.2)، والأجهزة الأمنية (9.6). وتراجع ترتيب ليبيا مقارنة بالتصنيف ذاته لعام 2015 حيث سجلت 95.3 نقطة.

وبالتالي فإنه وفقا للتعريفات الأكاديمية والمؤشرات الدولية رغم ما قد يشوبها من تسييس إلا أنها، تؤصل للواقع الليبي بدرجة كبيرة، فما ذكرته مؤشرات تقرير الهشاشة العالمي، ينطبق بشكل واضح على الوضع الحالي في ليبيا الذي لم يتغير كثير منذ إطلاق التقرير حتى الآن.

ثانياـ تداعيات فشل الدولة الليبية على نشوء الحدود الرخوة:

تسببت حالة فشل الدولة التي تعيشها ليبيا، في عدم قدرتها على التحكم  في حدودها وبسط سيطرتها على كافة أراضيها، ما أوجد حالة من انسيابية الحدود وجعلها رخوة، و كان لذلك تداعيات على المستويين الداخلي والخارجي.

فعلى مستوى الداخل استطاعت الجماعات الإرهابية إنشاء حاضنة لها على الأراضي الليبية واستقطاب العديد من أصحاب الفكر المتطرف إليها مثل تنظيم “داعش” و”الجماعة الليبية المقاتلة”، ما جعل ليبيا مرشحة لأن تكون الأراضي البديلة لدولة داعش في سوريا و العراق التي على وشك الاندثار.

واستطاعت حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا بدعم أمريكي في إنهاء إحدى أماكن تجمع تنظيم داعش الإرهابي في سرت خلال عملية البنيان المرصوص، التي أعلن في ديسمبر الماضي نجاحها في تحقيق أهدافها بعد قتال استمر لمدة 8 أشهر، لكن ما زالت العديد من الجماعات والعناصر موجودة على الأراضي الليبية خاصة في الجنوب.

و ما يثير الخلاف أكثر بين الليبيين هو عدم الاتفاق على مفهوم الإرهاب و الجماعات المنضوية تحته، فالمشير خليفة حفتر يعتبر بعض الجماعات إرهابية مثل “ثوار بني غازي” ويقوم بمحاربتها رغم دعمها من قبل حكومة الإنقاذ التي كانت يوما ما ممثلة للشعب، إلى جانب السماح لقوى خارجية باستغلال هذا الأمر مثل قطر و تركيا اللتين تدعمان حكومة الإنقاذ، فيما تدعم مصر والإمارات الحكومة المؤقتة رغم اعترافهما بحكومة الوفاق صاحبة الشرعية الدولية.

وبالنسبة إلى مستوى الخارج  ساهمت الحدود الرخوة أو السائبة “soft borders” في ليبيا على الإضرار بأمن دول الجوار خاصة مصر و تونس و الجزائر، بدءا من سهولة انتقال العناصر الإرهابية من و إلى ليبيا، إلى جانب عمليات انتقال الأسلحة و المواد المخدرة.

ويقابل الحدود اللينة، الحدود الصلبة  Hard Border، وهي الخط الفاصل بين حدود دولتين مختلفتين اقتصاديا وسياسيا وثقافيا وديموغرافيا، حيث تبدأ سيادة دولة وتنتهي سيادة أخرى، وهذه الحدود قد تكون وسيلة تعاون أو صراع بين الدول وبعضها البعض، وهنا تستطيع الدولة في ضبط حدودها والتحكم فيها.

ويرجع ظهور الحدود السائبة إلى عدة أسباب، منها تصدع الدولة الوطنية المركزية وظهور الولاءات التحتية، ففي ليبيا ظهرت الانتماءات القبلية بعد ثورة فبراير2011، وسط مطالب بالسيطرة على أقاليهم وخروجهم من تحت عباءة الدولة الوطنية، مثل مطالب إقليم برقة بالانفصال عن الدولة الليبية.

كذلك يتسبب التحول من الصراع على خطوط الحدود إلى الصراع على “مناطق الحدود”، في انسيابية جغرافية الدولة حيث يسعى كل طرف في الداخل إلى السيطرة على مناطق معينة من أجل تحقيق أهداف خاصة به، والتحكم فيمن يدخل أو يخرج من المناطق الخاضعة له دون إيلاء الاعتبار لأمن الدولة ككل.

وإلى جانب ذلك تتسب الإدارة المزدوجة لأمن المناطق الحدودية في جعل حدود الدولة رخوة وقابلة للاختراق، فوجود أكثر من قوة أو إدارة تتولى أمن الحدود يؤدي لعدم التنسيق، فمثلا توجد أكثر من قوة سياسية في ليبيا تخضع مناطق حدودية لسيطرتها، حيث تسيطر حكومة الإنقاذ غير المعترف بها دوليا على مناطق واسعة شمال البلاد، خاصة على البحر المتوسط ما يسهل عمليات التهريب، كذلك حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج تسيطر على بعض المناطق، ومثلها الحكومة المؤقتة برئاسة عبد الله الثني تسيطر على مناطق شرق البلاد.

ومن أهم الأسباب التي ظهرت في ليبيا و أدت إلى سيولة الحدود تبلور نمط الاقتصادات الحدودية، فقد تزايدت شبكات “اقتصادات الحدود”، عبر عمليات التهريب الواسعة و نشوء تجاورة موازية غير شرعية، ويتضح ذلك في ليبا بوجود عصابات كاملة لتهريب اللاجئين إلى أوروبا عبر  السواحل الليبية، إلى جانب عمليات تهريب البضائع والسلاح من قبل الميلشيات والعصابات التي تسيطر على مناطق ومنافذ كاملة.

ويكون لحالة الحدود السائبة تأثير سلبي على دول الجوار، ونظرا لامتلاك ليبيا أكثر من حدود مشتركة مع عدة دول فإنها تسبب لها تهديدات أمنية و استراتيجية، فطول الحدود بين مصر وليبيا فقط يتعدى ألف كيلومتر، بخلاف حدودها مع تونس و الجزائر و السودان و تشاد والنيجر، ما يسهل ليس فقط عمليات التهريب و التجارة غير الشرعية و إنما انتقال العناصر الإرهابية من و إلى داخل هذه الدول.

ومن أهم الآثار السلبية على مصر نتيجة لحالة هشاشة الدولة في ليبيا:

  • انتشار ظاهرة الجريمة المنظمة، لتهريب السلاح و المخدرات و اللاجئين.

  • دعم الاتصال بين الجماعات الإرهابية، وإيواء العناصر الإرهابية.

  • جعل ليبيا ساحة للتدخلات الدولية و الإقليمية ما يؤثر بشكل مباشر على الأمن القومي المصري.

  • احتمالية تشكيل نظام سياسي جديد لا يتفق و المصالح المصرية.

  • استغلال الدول الكبرى ليبيا كورقة ضغط على مصر للحصول على تنازلات منها في قضايا معينة.

ثالثاـ مسارات البناء و مستقبل التسوية السياسية في ليبيا:

ما زالت الأزمة الليبية تراوح مكانها، في ظل عدم اتفاق جميع اللاعبين في ليبيا سواء في الداخل أو الخارج على التوصل لاتفاق سياسي مرضي للجميع، يراعي توازنات القوى الموجودة فعليا، ويوحد تعريف الإرهاب أولا و الجماعات المنضوية تحته من أجل محاربته والحفاظ على وحدة الأراضي الليبية.

وتقود دول الجوار الإقليمي لليبيا جهودا كبيرة في هذا الشأن، إلى جانب الأمم المتحدة، وهناك تركيز حاليا على تعديل اتفاق الصخيرات السياسي الذي تعارضه أطراف عدة سواء في داخل ليبيا أو خارجها، وبالفعل نجحت حتى الآن الجهود الدبلوماسية في تفعيل هذه الخطوة، فقد أبدت حكومة الوفاق والمنبثقة عن اتفاق الصخيرات موافقتها على تعديل الاتفاق، و أعلن عبدالرحمن السويحلي رئيس المجلس الرئاسي للوفاق في 9 مايو الجاري تشكيل لجنة لبحث تعديل الاتفاق مكونة من 12 فرد، بعد إعلان مجلس النواب (طبرق) لجنته في أبريل الماضي والمكونة من 23 فرد.

وكشف عضو في “المجلس الأعلى للدولة الليبي”، يوم 17 مايو الجاري أن لجنتي الحوار السياسي المختارتين من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، ستجتمعان قبل شهر رمضان لبحث إمكانية تعديل بعض نقاط اتفاق الصخيرات السياسي، من بينها تغيير المجلس الرئاسي الحالي و اختيار مجلس آخر يتكون من رئيس ونائبين، وإمكانية تقسيم صلاحيات السلطة التشريعية بين مجلس النواب والمجلس الأعلى، لكن تظل عقبة المادة الثامنة من الاتفاق تمثل إشكالية كبرى وهي المتعلّقة بمنصب حفتر في مؤسسة الجيش، وعدد أعضاء المجلس الرئاسي.

كما استضافت الإمارات يوم 2 مايو الجاري، كل من خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي، وفائز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني، من أجل التقريب بين الطرفين بعد أن رفض حفتر لقاء السراج من قبل في القاهرة، ورغم عدم تأكيد الطرفين لنتائج محددة لهذا الاجتماع إلا أنه مؤشر إيجابي على إمكانية، توحيد الجانبين في وجه الطرف الثالث وهي حكومة الانقاذ المناوئة للإمارات.

فالإمارات تسعى لإضفاء الشرعية الدولية بالتعاون مع مصر على حليفهما حفتر، في مقابل سعيهما لإقصاء حكومة الانقاذ المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين وتيارات إسلامية أخرى، وإذا نجحت مصر والإمارات في إدماج حفتر والحكومة المؤقتة في حكومة الوفاق فإن هذا سيكسبهم شرعية دولية وبالتالي التمهيد لإخراج حكومة الانقاذ من توازنات القوى في ليبيا واستبعاد أي دور مؤثر لها فيتشكل ملامح الدولة الليبية التي لم تتكون بعد.

وباعتبار دول الجوار المتضرر الأكبر مما يجري في ليبيا، اجتمع وزراء خارجية دول جوار ليبيا (مصر و تونس و الجزائر و السودان و النيجر و تشاد)، يوم 8 مايو 2015، في الجزائر وأكدوا على ضرورة احترام اتفاق الصخيرات رافضين لأي تدخل عسكري خارجي في ليبيا، وشددوا على ضرورة الحفاظ على المؤسسات الشرعية للدولة و احترام سلطة القانون.

ورحّب أيضا الاجتماع الوزاري بتوصل أغلبية الأطراف الليبية إلى تحديد التعديلات المراد إدخالها على الاتفاق السياسي، وطالبوا المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق بتشكيل حكومة تمثل كل القوى السياسية الليبية و ضرورة انعقاد مجلس النواب لمنح الثقة لهذه الحكومة المقترحة، والأهم منذ ذلك أكدت دول الجوار على أن تدخل لمكافحة الإرهاب في ليبيا يجب أن يتم بناء على طلب من حكومة الوفاق.

 وهذا يغلق الباب على أي محاولات للاستعانة بقوى خارجية، فقد التقى المشير حفتر من قبل، في يناير الماضي مسؤولين روس على متن حاملة الطائرات الروسية “أدميرال كوزنيتسوف” في البحر المتوسط وأثير وقتها مخاوف من تدخل روسيا بطلب من حفتر، ما لن يسمح به الغرب ما يحول ليبيا لسوريا أخرى يتكالب عليها الجميع.

وفي إطار التنسيق المصري الإماراتي في ليبيا، التقى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يوم 13 مايو الجاري، المشير حفتر في القاهرة، من أجل التقريب في وجهات النظر بينه وبين حكومة الوفاق، فمصر بمعاونة الإمارات نجحت من قبل في تسويق حفتر دوليا بعد كان مستبعد من الساحة ما أظهره اتفاق الصخيرات، الذي استبعد حفتر  من أي ترتيبات سياسية، وبالتالي نجاح مصر في فرض حفتر على الساحة  يعد إنجاز في حد ذاته وتسعى الآن لعدم إهدار هذا الجهد، بوضعه في الترتيبات الجارية الآن.

وتحاول جميع الأطراف الآن التوصل إلى تسوية للأزمة الليبية، لكنها لن تكون شاملة بسبب التعقيدات الداخلية و الخارجي، وإنما في إطار تسويات الحد الأدنى، كالتالي.

1ـ تسوية الحد الأدنى:

توضح التعقيدات الحالية خاصة على المشهد الداخلي الليبي أن، التسوية هي المسار المحتمل أن يتم وليس الوصول لحل جذري لما يجري الآن.

 فتسوية الصراع تعني التوصل إلى اتفاق بشأن بعض القضايا المحددة من خلال الوسائل السلمية السياسية مثل المفاوضات و الوساطة، أو القانونية مثل التحكيم و القضاء بين أطراف الصراع، أو الوسائل العسكرية دون معالجة الأسباب العميقة له، أما حل الصراع يعني حل كل القضايا العميقة (أصول الصراع) و إقامة علاقات متجانسة إلى حد كبير بين أطرافه.

وبالنظر إلى الوضع دخال ليبيا الآن، فهي دولة هشة أو فاشلة بحاجة إلى إعادة بناء من جديد، و ليست دولة يحكمها نظام أو فكر سياسي معين يمكن أن يحقق موائمات وتنازلات، إلى جانب ارتباط كل طرف من الداخل بداعم خارجي له مصالح وأجندات مختلفة ما يجعل هناك حاجة لضرورة تنازل جميع الأطراف، وهذا صعب.

فمن الممكن أن يوحد الجميع الآن خطر واحد وهو الإرهاب ـ غير متفق على تعريفه بين هذه الأطراف بالأساس ـ لكن إن اتفق الجميع على محاربة الجماعات الإرهابية و القضاء عليها فسيعودون للتنازع مرة أخرى وكذلك الأطراف الداخلية.

ويمكن الآن من خلال المبادرات الدولية و الإقليمية الوصول لتنازلات محدودة لتحقيق حد أدنى من التوافق على الأقل لمنع نشوب صراعات و حرب أهلية، وليس بناء دولة فاشلة من جديد، فكل طرف يريد تشكيل هذه الدولة لتتفق مع مصالحه و فكره.

2 ـ الحل الشامل:

تعاني ليبيا من حالة صراع مدمر منذ 2011، ومن الصعب الوصول لحل جذري لما تمر به الآن، فحل الصراع يعني حل كل القضايا العميقة، وهذا مستبعد في ظل عدم توافق الداخل والخارج.

فعلى مستوى الداخل ما زالت الحكومة المؤقتة، تخوض صراعا عسكريا في الغرب و الشمال مع حكومة الإنقاذ بل و الوفاق في الجنوب، وتصنف الجماعات العسكرية المنضوية تحتها في خانة الإرهاب، كذلك ما زالت حكومة الإنقاذ تسيطر على العاصمة و أعلنت انقلابا في أكتوبر 2016، على حكومة الوفاق و استولت على مقار المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق وبعض الوزرات، لأنها تخشى من الاستبعاد من التسويات السياسية التي تتم الآن ولا أحد يستدعيها في ذلك.

وعلى مستوى الخارج، ما زال كل طرف له مصالح متناقضة، وهذا لن يؤدي لنجاح أي حل جذري للصراع إن لم تكن تسوية مؤقتة تمنع نشوب أي صراع مجددا، فروسيا تريد الدخول على خط الأزمة واستغلالها كورقة ضغط على أوروبا بدعم حفتر، فيما تدعم قطر وتركيا الإخوان والموالون لها في ليبيا، أما مصر والإمارات فيدعمان حفتر بقوة، فيما يريد الغرب فرض حكومة الوفاق على الجميع التي لم تحظى بتوافق داخلي.

وختاما يمكن القول أن أقصى ما تسعى إليه التسويات والمفاوضات حاليا هو منع اندلاع صراع عسكري مسلح في الداخل، يقضي على مصالح الجميع ويصب في خانة الجماعات الإرهابية التي ستستغل انشغال الجميع عنها لتمدد كما فعلت من قبل و سيطرت على أهم المدن الساحلية ما كان يمثل موقعا استراتيجيا لتنظيم إرهابي يسهل له تهريب السلاح وجلب المقاتلين وتصدريهم.

ومن المرجح أن تستمر حالة الدولة الهشة أو الفاشلة في ليبيا لفترة طويلة، فالصراع العسكري وتنازع القوى، واستمرار التدخل الخارجي و غيرها من عناصر الدولة الفاشلة ما  زالت موجودة، وهذا يدفع بالطبع لاستمرار حالة سيولة الحدود و التي ستؤثر على دول الجوار الليبي خاصة مصر، ما يتطلب تعزيز أمن الحدود والتركيز على المعدات والتكنولوجيا والأسلحة المختصة بتقوية هذا الجانب، إلى جانب الإسراع في حل الأزمة سلميا.

المصادر:

1ـ مالك عوني، إعادة انتاج الفشل: لماذا تديم مشاريع إعادة البناء “سراب الدولة” في الشرق الأوسط، مجلة السياسة الدولية، عدد(208)، أبريل 2017. .

2ـ دلال محمود السيد، متلازمة التدهور بحثا عن مقاربة نظرية لفشل الدولة في الشرق الأوسط، مجلة السياسة الدولية، عدد(208)، أبريل 2017. ).

3ـ إياد العنبر، واسحق يعقوب محمد، مستقبل العراق دراسة في العلاقة بين مؤشرات الدولة الفاشلة ومتغيرات انهيار الدولة، حولية المنتدى المجلد الأول العدد: 19، سنة 2014.

4ـ ليبيا في المرتبة 25 بين أكثر دول العالم هشاشة، بوابة الوسط الليبية، 22/8/2016، الرابط.

5ـ اتفاق حفتر والسراج على تشكيل مجلس رئاسة الدولة في ليبيا، العربية  نت، 3/5/2017، الرابط.

6ـ استئناف المفاوضات لتعديل اتفاق الصخيرات، العرب اللندنية، 17/5/2017، الرابط.

7ـ البنيان المرصوص تنهي معارك سرت وتطرد تنظيم الدولة، الجزيرة نت، 8/12/2016، الرابط.

8ـ حفتر والسراج يتفقان على حل “النقاط الخلافية”، روسيا اليوم، 2/5/2017، الرابط.

9ـ رئيس مجلس الدولة الليبي يشكل لجنة لتعديل اتفاق الصخيرات، جريدة الدستور، 9/5/2017، الرابط.

10ـ السيسي يبحث مع حفتر رفع حظر تسليح الجيش الليبي، العربية نت، 13/5/2017، الرابط.

11ـ محمد عز العرب، المشاكل المستعصية لضبط الحدود بالشرق الأوسط، دورية اتجاهات الأحداث، مركز المستقبل، العدد الأول، أغسطس 2014، الرابط.

12ـ البنيان المرصوص تنهي معارك سرت وتطرد تنظيم الدولة، الجزيرة نت، 8/12/2016، الرابط.

مصدر الخبر
البديل

أخبار متعلقة