وفقا للدستور المصري، من المفترض أن تبدأ إجراءات انتخابات الرئاسة القادمة في مطلع فبراير المقبل، أي يتبقى 9 أشهر فقط عليها، و على الرغم من قرب موعد بدء الإجراءات إلا أننا لم نشاهد حتى هذه اللحظة تدشين أي حملة انتخابية جدّية.
رغم هذا ارتفعت وتيرة الحراك السياسي في مصر خلال الشهر الماضي بشكل مطرد، لتطرح التساؤلات حول مستوى التنافس في الانتخابات المقبلة، و طبيعة الضمانات الانتخابية المتاحة، وهل نحن بصدد إعادة إنتاج سيناريو الانتخابات الماضية المنخفض التنافسية سواء في البرلمان أو في الرئاسة؟ أم أن هناك سيناريو أخر سيحدث في الانتخابات القادمة؟
و يجب الإشارة إلى أن التاريخ المصري شهد 3 انتخابات رئاسية، الأولى في عام 2005، و أجريت وسط مناخ من الإصلاحات السياسية التي شرعت في تنفيذها السلطة، وكانت نتائج هذه الانتخابات محسومة سلفا، إلا أنها شهدت قدرا من التنافس لا بأس به، إذ سمحت الدولة للمرشحين البالغ عددهم تسعة مرشحين بخلاف الرئيس الأسبق مبارك بالتجول في المحافظات و عقد المؤتمرات الانتخابية و توجيه الانتقاد إلى سياسات النظام. وأنتجت هذه الانتخابات بعض قيادات المعارضة الجدد مثل أيمن نور، و جاءت النتيجة بفوز مبارك بنسبة 88% من الأصوات.
أما الانتخابات الثانية في عام 2012 كانت أكثر المحطات تنافسية و مشاركة شعبية، إذا شهدت هذه الانتخابات ترشح 12 مرشحا للرئاسة، وصل اثنان منهم للإعادة و حسمت النتيجة بفوز الرئيس الأسبق محمد مرسي بنسبة 51.73% من إجمالي الأصوات بحسب النتيجة الرسمية.
أما أقل الانتخابات تنافسية كانت في 2014، و هي الانتخابات التي كان يُعرف نتائجها مسبقا على غرار انتخابات 2005، وشهدت ترشح اثنين فقط للرئاسة، و حسمت لصالح الرئيس الحالي بنسبة 96.9% من إجمالي المصوتين.
وعلى الرغم من التضييق على المجال السياسي وتراجع فعالية القوى السياسية خلال الفترة السابقة، إلا أننا نجادل بأن الانتخابات القادمة ستشهد قدراً من التنافس و ربما تشهد مفاجأت في ظل انخفاض شعبية الرئيس الحالي، وتعدد البدائل المتاحة لشغل مقعده.
نستنتج هذا من وجود ثمة حالة من التعطش إذا جاز التعبير لدى القوى السياسية للعودة للعمل السياسي الجاد، كما يمهد المناخ العام الأرضية اللازمة لإجراء انتخابات تنافسية، لا سيما في ظل الخلافات التي تجمع الرئيس ببعض مؤسسات الدولة و القوى التقليدية، مثل مؤسسة القضاء و الأزهر الشريف و روابط العاملين بالدولة، و الفئة الأخيرة من أكثر الفئات المرجحة في الانتخابات الرئاسية، و لا نشير هنا إلى نتيجة الانتخابات قدر ما نشير إلى مستوى المشاركة الشعبية.
كما أن العلاقة بين الرئيس و القوى الاجتماعية ليست في حال أفضل من علاقته بمؤسسات الدولة، ما يدل عليه احتجاجات النقابات المهنية و العمالية المتتابعة، ناهيك عن تداعيات القرارات الاقتصادية التي اتخذها الرئيس في نوفمبر 2016.
و وصل القلق إلى الرئيس أيضا، ما ظهر في تصريحاته المتعلقة بعدم استمراره في الرئاسة إذا لم يريده الشعب المصري، كما سارعت بعض الأحزاب الموالية إلى إعلان دعمها للرئيس السيسي في الانتخابات القادمة، رغم أنه لم يعلن ترشحه بشكل صريح حتى الأن.
من جانب أخر بدأت تتواتر أخبار المرشحين المحتملين للرئاسة ضد السيسي تباعا، أولى هذه الأخبار جاءت على لسان أحد قيادات حزب الحركة الوطنية القريب من أحمد شفيق، و تمت الإشارة فيها إلى اتخاذ الأخير قرار الترشح في الانتخابات الرئاسية القادمة، كما خرجت بعض التصريحات الشبيهة عن احتمالية ترشح رؤساء الأركان السابقين حمدي وهيبة و سامي عنان، والأخير تراجع عن ترشحه أمام السيسي في الانتخابات الماضية في اللحظات الأخيرة.
ليس هذا فقط، تشهد أروقة المعارضة بعض محاولات إعادة ترتيب البيت، ما بدأه حمدين صباحي بإعلان دعمه لمرشح منافس للسيسي في الانتخابات القادمة في مؤتمر إدماج التيار الشعبي وحزب الكرامة، وسارعت بالظهور حملة الفريق الرئاسي أيضا وعلى رأسها الدكتور عصام حجي في إصدار بياناً يطالب ببعض الضمانات للعملية الانتخابية القادمة.
وهناك أسماء أخرى تطرح على الساحة السياسية مثل المستشار هشام جنينة أو السفير معصوم مرزوق و غيرها من الأسماء، حتى انه حال صدقت كل هذه الأقاويل فربما نشهد انتخابات رئاسية غير مسبوقة من حيث عدد المرشحين.
ويروّج البعض الرأي القائل بعدم ملائمة الظرف الدولي لإجراء انتخابات تنافسية في مصر، بسبب انخفاض مرتبة الحريات في الأجندة الأمريكية على وجه الخصوص، ونختلف مع هذا القول، ونرى أن الظرف الدولي و الإقليمي ربما يكون داعما لإجراء انتخابات تنافسية في مصر، خاصة في ظل الخلافات المصرية – الخليجية من ناحية، و التحالف الخليجي الأمريكي من ناحية أخرى، ما قد ينعكس في ممارسة بعض الضغوط على النظام الحالي من أجل اجراء انتخابات أكثر تنافسية من سابقتها.
لدينا أيضاً عوامل ذاتية داخل النظام تدفعه لإجراء انتخابات تنافسية، فلن يغامر الرئيس السيسي بتكرار سيناريو الانتخابات السابقة، في ظل خطورة التداعيات السياسية على إجراء مثل هذه الانتخابات، سواء داخليا في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة و توتر العلاقة ببعض مؤسسات الدولة، أو خارجيا في ظل تراجع الأثر الفعال للدور المصري في الإقليم.
وأخيرا، لا شك إنه من المبكر الجزم بأن الانتخابات القادمة ستكون انتخابات تنافسية على غرار انتخابات 2012، لكننا نتوقع أن تكون أكثر تنافسية من سابقتها في 2014، وربما تحمل بعض المفاجأت غير المتوقعة.