في واحد من الأقسام الأخيرة لفيلم «المريع» الذي عرض قبل أيام ضمن إطار المسابقة الرسمية لمهرجان «كان» السينمائي، يحدث لقاء مطوّل وصاخب بين المخرج جان لوك غودار ورئيس مهرجان آفينيون الذي كان قد دعى غودار الى مهرجانه في الفيلم المبني على فصول من نضالات هذا الأخير السينمائية والسياسية في سنوات الستين. ففي ذلك الحين، إذ كان غودار انتهى من تحقيق فيلمه «الصينية» ذي الهوى الماويّ وبدأ يتجه الى تجذّر سياسي أكثر وأكثر عنفاً، وبعد أن تمكن مع رفاقه من سينمائيي الموجة الجديدة من نسف مهرجان «كان»، يدعى للمساهمة في مهرجان آفينيون المسرحي، وهكذا يحدث اللقاء الذي نشير إليه. لكن الفيلم يقول لنا انه لم يكن لقاء جيداً وأن مدير المهرجان لم يتوافق تماماً مع أفكار السينمائي المشاكس، كما أن هذا الأخير رأى في المسرحي شخصية رجعية.
في الحقيقة أن ليس ثمة ما يؤكد أن الأمور جرت حقاً بين الرجلين على تلك الشاكلة التي يصورها الفيلم. لكن المشهد كان مناسبة للتذكير بتلك المكانة المهمة التي كان يشغلها جان فيلار في ذلك الحين، في الحياة الفنية الفرنسية. والتذكير بالتالي بالرجل الذي أسس واحداً من أهم المهرجانات المسرحية في العالم، مهرجان آفينيون الذي يعتبر أقدم مهرجان فرنسي لا يزال حياً وإن كان مؤسسه رحل عن عالمنا قبل ما يقرب الآن من خمسين سنة، وبالتحديد بعد سنتين أو ثلاث سنوات من لقائه مع غودار.
مهما يكن، حتى وإن كانت صورة جان فيلار تبدو متخلفة اليوم بعض الشيء عما اتّسمت به صورة مهرجان آفينيون، فإن الرجل يكرم من جديد عند افتتاح كل دورة من مهرجانه. فهو، بعد كل شيء، الفنان الذي وضع المدماك الأول في ذلك الصرح الفني العالمي الكبير. وكان ذلك قبل سبعين سنة بالتمام والكمال من يومنا هذا، في شهر أيار (مايو) من العام 1947. ففي ذلك الحين كان الشاعر رينيه شار والكاتب والناقد كريستيان زرفوس قد توافقا مع السلطات الفرنسية الخارجة من الحرب كما من الاحتلال الألماني، على إقامة أسبوع فني شامل في قصر الباباوات بمدينة آفينيون يساهم في إحياء النهضة الفرنسية بعد عار الهزيمة. وتوجه الكاتبان يومها الى الأكثر ديناميكية بين رجال المسرح الفرنسي، جان فيلار، طالبين منه مساهمة مسرحية في الأسبوع الثقافي على أن تكون إخراجاً لمسرحية «مقتلة في الكاتدرائية» لتي إس إليوت. قبل فيلار الفكرة يومها لكنه رفض مسرحية إليوت عارضاً أن يقدم بدلاً منها ثلاث مسرحيات هي «ريتشارد الثالث» لشكسبير، و «الشرفة» لموريس كلافيل، و «حكاية توبي» لبول كلوديل. وهكذا كان، بحيث تحوّل ذلك التقديم الثلاثي الى أنجح ما في الأسبوع الثقافي، ومن ثم نواة لهذا المهرجان السينمائي الذي وصلت ضخامته الى حد أنه قدم في العام 2008، الذي يعتبر حتى الآن عام الذروة، 950 عرضاً في الفعاليات الرئيسة - المسماة «إن آفينيون» - وتلك الهامشية - المسماة «أوفّ آفينيون» -. هذا كي لا نتحدث عن أصناف أخرى من العروض والمعارض التي تشغل تلك المدينة الجنوبية التاريخية طوال أسابيع.
وإذا كان فيلار لم يقصر عمله على آفينيون بل أسس كذلك مسرح شايو في العاصمة الفرنسية محولاً إياه بعد حين الى مسرح وطني شعبي، فإنه كذلك وطوال سنوات نشاطه لم يقصر نفوره على جان لوك غودار، كما يقول لنا فيلم «المريع» بل تصدى للسلطات السياسية بما فيها سلطة الجنرال ديغول، كما ساد التوتر علاقاته مع أندريه مالرو الذي وحتى قبل أن يكون وزيراً للثقافة كان مقرباً من ديغول. ولعل اللافت في «معارك» فيلار أنه دائماً ما كان يخرج منها منتصراً، ومحاطاً بمزيد من رفاق ومريدين مسرحيين عرفوا دائماً كيف يبجلونه.
مهما يكن من أمر، ربما كان فيلار المسرحي الفرنسي الذي يعرفه الهواة العرب أكثر من أي تقني مسرحي غربي آخر، وذلك لسبب في منتهى البساطة، وهو أن كتاباً وضعه عن فنه المسرحي وعن فن الإخراج المسرحي عموماً كان من أوائل الكتب الفرنسية المسرحية التي ترجمت في المشرق العربي. ومن هنا كان هذا الكتاب المرجع الوحيد المتوافر للقارئ العربي، الى جانب كلاسيكيات ستانسلافسكي عن فن الممثل. ولكن في الوقت الذي كان فيه جمهور الهواة العرب بدأ يتعرف إلى فيلار من خلال كتابه، كانت فرنسا بدأت تعتبره كلاسيكياً، بل متحفياً وسط تطور لديناميكية المسرح تجاوز فيلار وأسلوبه منذ بداية سنوات الستين على الأقل.
غير أن هذا التجاوز وتلك المتحفية لم يمنعا فيلار من أن يبدأ في اواخر شهور حياته التحضير لمشروع مصري يرتبط بتقديم نصوص مسرحية مصرية فرعونية، داهمه الموت وهو في سبيله لإعدادها، كما تخبرنا عالمة المصريات الفرنسية المعروفة كريستيان ديروش نوبلكور في كتابها «النوبياد الكبرى» الذي تروي في معظم صفحاته مذكرات الحياة التي قضت معظمها في مصر. اذ تحدثنا العالمة كيف أن الوزير ثروت عكاشة كان حدثها خلال إحدى زياراته باريس عن اكتشافات تتعلق بوجود نصوص مسرحية فرعونية، وأعرب عن أمله لو كان في الإمكان تقديمها في عروض مسرحية، وشاركه في الإعراب عن ذلك الأمل نفسه بطرس بطرس غالي ومجدي وهبة. وفي البداية لم تأخذ العالمة الفرنسية الأمر مأخذ الجدية، لكنها في النهاية، وأمام إصرار ثروت عكاشة اقتنعت بالمشروع واتصلت بجان فيلار، الذي كان اختيار ثروت عكاشة وقع عليه. وبالفعل وافق فيلار على المشروع وبدأ في قراءة النصوص الفرعونية، وتوقف طويلاً عند الجانب الأسطوري والرعوي منها وعند مشاهد الأعياد الفلاحية والكرنفالات والكفاح ضد قوى الشر، وتعبيرات الأمل والانتظار وانتصار الإله وعودة السعادة... الخ. وكاد المشروع يسير على خير ما يرام لولا أن جان فيلار مات في تلك الآونة بالذات، إضافة الى انسحاب ثروت عكاشة نفسه من وزارة الثقافة في مصر بعد رحيل الرئيس جمال عبدالناصر.
ترى كيف كان يمكن المشروع الفرعوني أن يتجسد على يد جان فيلار وأضحى عجوزاً وبعض ذكرى؟ ليس في إمكان أحد أن يجيب عن هذا السؤال. ما يمكن قوله هنا إن جان فيلار الذي رحل عن عالمنا ربيع 1971 في مدينة سيت مسقط رأسه في الجنوب الفرنسي، كان قد كرس كل سنوات حياته لفن المسرح فبرع فيه وجدد، وعرف على الدوام بكونه مكتشف أشكال ومكتشف مواهب كذلك.
ولد فيلار في 1912 وانخرط في العمل المسرحي منذ صباه بعد أن انكب زمناً على قراءة كل ما كان يقع تحت يديه من نصوص مسرحية كلاسيكية او حديثة، ثم عمل مساعد مخرج وممثلاً، قبل أن يكوّن في 1943 فرقته الخاصة التي أطلق عليها اسم «فرقة السبعة»، وهو من طريق تلك الفرقة بدأ يجدد في فن الإخراج عبر أكثر من أربعين مسرحية واستعراضاً أخرجها طوال حياته، منها 12 استعراضاً كان هو أول من نقلها الى الخشبة.
ولقد عرف فيلار عبر انجازاته كيف يوازن بين المسرح المثقف الخلاق وبين متطلبات الجمهور العريض، ومن هنا اتى مسرحه على الدوام معتدلاً وسطاً بين الإبداع الخالص والفن الشعبي العريق. ولقد قاده هذا الى تأسيس مهرجان آفينيون الذي يعتبر منذ 1947 أهم مناسبة مسرحية في فرنسا. كما أن فيلار من خلال تسلمه بين 1951 و1963 ادارة المسرح الوطني الشعبي عرف كيف يخلق جمهوراً حقيقياً للمسرح، يتابع الأعمال ويتحمس لها ويناقشها. ومن هنا ما يقال دائماً في فرنسا، من أنه كان أول فرنسي عرف كيف يجابه نجاح فن السينما بفرض النجاح فرضاً على المسرح. ولم يكن مغالياً الناقد غوتييه حين كتب يوم رحل فيلار، في مقال نشرته صحيفة الـ «فيغارو»: «من دون جان فيلار، نعرف جيداً أنه لم يكن سيقدر لألوف وألوف المتفرجين غير المهيئين للسر المقدس، أن يعجبوا بمسرح «شايو»، ولا أن يحبوا «هنري الرابع»، ولا «مقتلة في الكاتدرائية» ولا «هذا المجنون بلاتونوف» ولا «أوبو» ولا «لورانزاشيو»؟. وهذه كلها، كما هو معروف، تنتمي الى المسرح الصعب والعسير على إدراك الناس العاديين، لكن إخراج فيلار لها، عرف كيف يبسط معانيها ويجعلها من متناول الناس. وفي هذا تكمن أهمية هذا الفنان الذي كان المسرح بالنسبة اليه خبز حياته اليومية، وعرف كيف ينقل العدوى الى الآخرين.