الجمعة 3 يوليه 2026 — القاهرة

التغييرات الصحفية.. والمهمة شبه المستحيلة

التغييرات الصحفية.. والمهمة شبه المستحيلة
كان الله فى عون كل زميل جديد تولى منصب رئيس مجلس إدارة أو رئيس تحرير فى حركة التغييرات الشاملة التى تم إعلانها يوم الأربعاء الماضى. أمام هؤلاء مهمات عمل شبه مستحيلة بسبب صعوبة التحديات التى تواجههم.
المؤسسات الصحفية القومية منذ سنوات تسير «بالستر وبركة دعاء الوالدين»، وذلك لم يعد كافيا الآن.
المشكلات فى الاعلام القومى بدأت بعد 2005، وظلت تسير بالدفع الذاتى حتى جاءت ثورة 255 يناير 2011 وبدأت الوقائع تتكشف. قبل ذلك كانت هذه المناصب مدعاة للوجاهة والنفوذ.
كانت هناك بعض الصحف تحقق أرباحا، لكن المؤسسات فى غالبيتها كانت تخسر بسبب التشغيل غير الاقتصادى.
الصيغة نفسها كانت قائمة على أن الدولة تتكفل بدعم هذه المؤسسات بكل الطرق مقابل أن تقوم هذه الصحف والتليفزيون الرسمى بترويج ودعم الحكومة إعلاميا عبر حشد وتعبئة الرأى العام.
تغير الامر حينما فقدت معظم هذه الصحف تأثيرها، لكنها ظلت تتلقى الدعم وهكذا وصلنا إلى أن مديونية التليفزيون الحكومى زادت على 20 مليار جنيه، ويحتاج إلى أكثر من 220 مليون جنيه رواتب شهرية، فى حين أن الإيرادات والإعلانات أقل بكثير. فى السنوات الثلاث الماضية تلقت مؤسسة قومية 950 مليون جنيه وتلقت مؤسسة ثانية 600 مليون جنيه دعما.
تظل الأهرام والأخبار أفضل حالا بكثير لأن لديهما أصولا اقتصادية يمكنها مواجهة المشكلة، لكن المأساة الأكبر موجودة فى «مؤسسات الجنوب» أى دار الهلال وروز اليوسف ودارر المعارف والشركة القومية، التى لولا «أنسولين وكورتيزون» الحكومة لماتت بالسكتة القلبية منذ سنوات.
الصحف الورقية عموما تتعرض لمأساة مكتملة الأركان بسبب ارتفاع أسعار الورق ومستلزمات الطباعة خصوصا بعد تعويم الجنيه، لكن المعضلة الكبرى فى المؤسسات القومية؛ لأن التشغيل فيها قائم على أسس غير اقتصادية بالمرة، وهى تدفع ثمن ميراث طويل من الفساد والمحسوبية، التى حولت هذه المؤسسات إلى «تكايا وعزب» لرؤساء مجالس إداراتها فى السابق، الواحد منهم يعين من يشاء، ويغدق بالهدايا على من يشاء، والنتيجة «ديون متلتلة»، وحجم عمالة ديناصورى يكفى 20% منه لتشغيل هذه المؤسسات؟
وإذا تم تطبيق مبدأ الرئيس السيسى الذى يكرره مرارا «أجيب منين وبكام»، فالمؤكد أن ثورة حقيقية ستحدث لوقف النزيف تمهيدا لإجراء جراحة تعيد الحياة إلى هذه المؤسسات، أو ربما تعويمها وتحويلها لمواقع إلكترونية فقط.
رؤساء مجالس الإدارات يحتاجون معجزة للبحث عن موارد جديدة لا تجعلهم يمدون أيديهم آخر كل شهر من أجل الرواتب الشهرية أو الحوافز. وقبل سنوات وخلال لقاءاتنا مع كبار المسئولين كنت أرى بعض رؤساء مجالس الادارات مهموما بالحديث مع هذا المسئول أو ذاك، بحثا عن دعم أو قرض أو منحة. الآن الأفواه المفتوحة فى المؤسسات كثيرة والحكومة فى المقابل لديها ملايين الأفواه المفتوحة ولن تستطيع أن ترضى الجميع بنفس القدر.
أغلب الظن أن الحكومة ستطلب منهم أن يتخذوا قرارات صعبة كتلك التى اتخذتها الحكومة نفسها حينما عومت الجنيه ورفعت الأسعار. ومشكلة رؤساء التحرير الجدد لا تقل خطورة أيضا لأن هامش الحرية يضيق إلى حد كبير، وبالتالى فإن الرهان على الخيال والإبداع والانطلاق والإثارة لزيادة التوزيع والتأثير لم يعد موجودا بصورة كبيرة، بل إن غالبية رؤساء التحرير سيجدون أنفسهم مطالبين بإرضاء الحكومة أولا وثانيا وبعدها القراء، وهى صيغ ثبت أنها لا تجعل الصحف مؤثرة.
وإذا أضفنا تراجع القيم المهنية إلى حد كبير وقلة التدريب والتأهيل، وتحول عدد كبير من الصحفيين إلى ناشطين، والأزمة المالية التى تجعل غالبية الصحفيين منهكين فى «طاحونة أكل العيش» فيمكننا أن نتصور المستقبل الذى ينتظر الصحافة إذا استمرت الأحوال كما هى.
تحدثت مع الصديق كرم جبر، رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، متفائل رغم كل هذا الواقع الصعب. هو يعتقد أن الظروف ليست بهذه القتامة والسوداوية، وأن هناك أملا وأن هذه المؤسسات قادرة على النهوض من كبوتها. أتمنى أن يكون مصيبا ونظرتى أنا هى الخاطئة.
مع هذا الواقع الصعب لا أفهم سر لهفة البعض وقتاله على هذه المناصب. تقديرى أن الذين خرجوا استراحوا، والذين راهنوا على مناصب ولم يحصلوا عليها استراحوا أيضا. ولذلك قلبى مع الزملاء الجدد. وكل التمنيات الطيبة لهم بالتوفيق فى مهمتهم الصعبة.
مصدر الخبر
الشروق

أخبار متعلقة