الإثنين 6 يوليه 2026 — القاهرة

مطران دير "سانت كاترين" يروي لمصراوي ذكرياته مع النكسة

مطران دير "سانت كاترين" يروي لمصراوي ذكرياته مع النكسة

عندما اندلعت حرب الشرق الأوسط في سنة 1967، التي احتلت فيها إسرائيل أراض من ثلاث دول عربية، كان الراهب ديمتري دميانيوس في القاهرة بعيدا عن مقر إقامته في دير سانت كاترين بجنوب سيناء، التي وقعت بدورها تحت قبضة الإسرائيليين.

كان لزاما على الراهب اليوناني-مصري القلب- الذي يعيش في مصر منذ 1955 "العودة إلى بيتي" في دير سانت كاترين. كانت طرق المواصلات مغلقة فالأجواء أجواء حرب ضروس. لكن مع إصراره لم يكن هناك بُد من الطيران إلى اليونان، مسقط رأسه، ومنها إلى القدس، ثم إلى جنوب سيناء حيث محياه في الدير.

في السادس من يونيو 1967، باغتت الطائرات الإسرائيلية نظيرتها المصرية فحطمتها. في تلك الأثناء كانت بقية القوات الإسرائيلية تهرول في اتجاه صحراء شبه الجزيرة التي تربط مصر الأفريقية بمصر الأسيوية. لم تجد القوات المحتلة أية مقاومة تذكر من القوات صاحبة الأرض. وسط المعركة التي استمرت من الخامس حتى العاشر من يونيو، صدر قرار الانسحاب لتنتهي سيناء كلها في أيدي الإسرائيليين حتى حرب السادس من أكتوبر 1973 التي ردت الكرامة وشيء من الأرض.

تحدث الراهب ديمتري، مطران دير سانت كاترين، لمصراوي باليونانية عبر مترجم، عن ذكرياته خلال فترة الحرب وكيف تعامل الإسرائيليين معه وغيره من الرهبان وكذا البدو الذي بقوا في المنطقة.

 

101

 

بينما تبدو الحرب في الأفق، كان الرهبان في عالمهم الخاص يتعبدون ويتابعون تطورات الأوضاع في المنطقة: ففي 14 مايو 1967 أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تحريك القوات المصرية إلى سيناء وحشدها على الحدود الشرقية. بعدها طلب رسميا انسحاب قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة المتمركزة في سيناء منذ انقضاء العدوان الثلاثي في 1956، بعدها بأربعة أيام أُغلق خليج العقبة في وجه السفن الإسرائيلية وبالتالي فرض حصار بحري على ميناء إيلات الإسرائيلي.

ما هي إلا أسبوعين حتى فوجئ الرهبان في صوامعهم بأزيز الطائرات وصوت المدافع يدوي في سماء سيناء؛ وفي غضون ثلاثة أيام فقط احتل الإسرائيليون قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء حتى الضفة الشرقية لقناة السويس.

يقول الراهب الذي درس الطب، قبل اختيار طريق الدير، إن أول احتكاك لهم مع قوات الاحتلال كان عندما جاء أحد الضباط اليهود يطلب منهم الإقامة في الدير مقابل توفير الحماية لهم، بيد أن المطران في ذلك الوقت -الراهب ديميسيوس- رفض.

 

102

 

"ابونا ديميسيوس من وراء باب الدير قال له: الدير مغلق الآن".. يقول المطران الحالي متذكرا. لكن تحت الضغط مكث الإسرائيليون في الدير نحو عشرة أيام "بعدها مشيوا لمّا أبونا قالّهم إنتوا فضلتوا فترة كافية ولازم ترحلوا".

على بعد نحو ثلاثة كيلومترات من "سانت كاترين" نصب جنود الاحتلال كمينا عبارة عن غرفة صغيرة مكثوا فيها حتى يكونوا قريبين من أحد أقدم الأديرة في المنطقة والعالم.

لم تمض الأمور في سلام بين رهبان الدير وقوات الاحتلال. الإسرائيليون أرادوا التودد إليهم وإلى والبدو لكن الرهبان وقفوا لهم بالمرصاد.

"كنا نعلم أن أي شيء من ناحيتهم سيجر علينا المشاكل. دائما كنا ننبه أن اليهود ليس لهم حق دوليا في عمل أي حاجة داخل البلد. وذلك لأنهم حكومة محتلة" يحكي المطران ديمتري، فيما يتأمل سقف مضيفة أحد الأديرة في القاهرة، حيث جرى اللقاء.

في فترة الحرب أراد الإسرائيليون تعبيد طريق ممتد بين جبل موسى والدير، وأحضروا المُعدات بالفعل "لكننا هددناهم أنهم إذا فعلوا ذلك.. سنقف أمام البلدوزر بأجسادنا"، ما جعل الاحتلال يرضخ للأمر الواقع.

محاولات الجنود لاستقطاب أهل المنطقة لم تكن تنتهي. يقول المطران إنهم عالجوا كثيرا من البدو المرضى حتى أنهم نقلوا بعضهم مرارا بالطائرات إلى إسرائيل للعلاج. ورغم ما يبدو عليه الأمر من صدق للنية "لكننا نعرف أنهم فعلوا هذا الأشياء حتى يظهروا أنهم طيبون".

مرت سنوات الحرب عصيبة. تجنّب فيها آل الدير التواصل مع المحتل قدر المستطاع. وكانت المرة الوحيدة التي سمحوا لهم فيها بإجراء تعديلات في الدير عام 1977. إذ يقول الراهب الذي يحمل نجمة سيناء تكريما له بعد أن أمد مصر بوثائق وخرائط قديمة لسيناء ساعدتها في قضية التحكيم الدولي لاستعادة طابا، إن "اليهود تقدموا لعمل بعض الأشياء في الدير. وبعد دراسة طلبنا منهم تطوير الصرف الصحي الخاص لدينا فقد كان قديما والجدران رطبة".

 

103

 

خلال المعركة بين مصر وإسرائيل، فُتح باب الدير للزيارات السياحية والدينية "احترم اليهود ذلك ولم يقربوا الدير أبدا وقت الصلاة"، وقتها كانت أعداد السائحين تزداد "ومن ضمنهم بعض الإسرائيليين القادمين من القدس"، لكن الرهبان لم يسمحوا للزائرين بالبقاء مُدة طويلة، فكانت تنتظرهم الطائرات حتى ينتهوا من الجولة ثم تعود بهم إلى فلسطين مرة أخرى.

التقى المطران مع الكثير من قادة الاحتلال الإسرائيلي. يسترجع اندلاع حريق في مخزن الدير عام 1974، وقتها هرع الجميع لإخماد النيران. أبلغ الجنود قيادتهم في شرم الشيخ وبعد فترة وجدوا طائرة مروحية تحلق فوق الدير وتهبط في مكان قريب منه. ظن الرهبان أن الإسرائيليين جاءوا يساعدون في السيطرة على الحريق، غير أنهم فوجئوا بأن الطائرة لم تكن تحمل مياه ولا أي وسائل إطفاء بل كانت تحمل القائد العسكري موشي ديان.

عقب الحرب عرض الإسرائيليون على رهبان الدير بناء معبد يهودي صغير فوق جبل موسى، لكن رفض الرهبان استمر، قائلين: "أنتم الآن راحلون وعندما تأتي الحكومة المصرية يمكن أن تتحدثوا معها وهم أصحاب القرار في المنطقة".

 

104

 

مر المطران الحالي بمغامرات كثيرة في الدير بعضها تقبع في عقله، وأخرى وارتها الذاكرة، فيما حُفرت راحة غامرة بقلبه، يستدعيها كلما أدرك أن الحرب انتهت أخيرا.


مصدر الخبر
مصراوي

أخبار متعلقة