والصوم عند الجزائريين ليس ركنا من الإسلام وحسب، فقد تحول، بعد 15 قرنا من دخول الإسلام المغرب العربي، إلى مقدس اجتماعي تغلغل في الضمير الجمعي، وأصبحت سطوته الاجتماعية أكبر من قدسيته الدينية. حتى إن أغلظ الأيمان التي كانت تطلقها المرأة بمدينة الجزائر القديمة قولها «بالكُفارة وصيام العام» (بضم الكاف كما ينطقها سكان الجزائر القديمة)، ومعناها أنها ستصوم العام إن هي حنثت، تأكيدا على أنها لن ترجع في كلامها، وإن فعلت ستصوم العام كله.
لذا من النادر جدا، بل يكاد يكون مستحيلا، أن تصادف في الجزائر شخصا يأكل علنا في رمضان، أو أن تجد مطعما مفتوحا. فالشارع الجزائري صائم حتى على غير المسلم وعلى المسافر والمريض. حتى الحائض كانت توقف الصيام بشربة ماء أو حبة تمر بعد الفجر، لكنها تستمر في التوقف عن الأكل طيلة النهار إلى غاية المغرب. وإن أكلت، وهي حالة نادرة، فخفية عن أهلها من الرجال. (البعض يرجع هذا إلى استحيائها من الأخ أو الأب أو الابن لأنها حائض).
يقول الجزائريون «إن لرمضان رائحة تشمها قبل حلول شهر شعبان». لأن التحضير للشهر الكريم يبدأ حتى قبل حلول شعبان. وأول ما يبدأ به الجزائريون تحضيرهم لشهر الصيام الإقلاع عن الخمر أربعين يوما قبل حلول رمضان، فتغلق الحانات كلها، وكذلك يفعل باعة الخمور.
فلماذا أربعون يوما؟. يعتقد العامة من الجزائريين، جهلا بالحقائق العلمية، أنها المدة اللازمة كي يتخلص الدم من الكحول، إلا أن الأمر يعود لاعتقادهم أن من شرب الخمر لايقبل منه صيام إلا بعد أربعين يوما. واستندوا في اعتقادهم هذا إلى أحاديث نبوية، منها حديث ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شرب الخمر فسكر لم تُقبل له صلاة أربعين صباحاً ، فإن مات دخل النار ، فإن تاب تاب الله عليه..» . فقاسوا على ذلك. ويوضح هذا الاعتقاد لديهم أن الصيام في مقام الصلاة، وأداؤه يقتضي الطهارة.
والطهارة عند الجزائريين لا تقتصر على وضوء الصلاة، فهي عندهم مقدمة لفريضة تطهر بدورها الإنسان، حتى أنهم قالوا لمن ذهب للحج «رَاحْ يَغْسَلْ عْضَامُهْ». إنها هاجس حدد علاقتهم بالماء بشكل مثير للانتباه، فالماء في مدينة الجزائر القديمة المعروفة باسم «القصبة» (الحي العتيق الذي صنفته اليونيسكو تراثا إنسانيا) ليس مصدرا للري أو الشرب بالدرجة الأولى، بل علاقة وطيدة بالطهارة، لذا انتشرت العيون (الحنفيات العمومية) بهذا الحي بشكل كبير، بل وسُمّي العديد من أزقة هذا الحي بعيونها، ويكاد يكون بالقرب من كل مسجد أو جامع عين، علاوة على العين التي بداخلها. بجانب الحمامات المنتشرة. وأخذت هذه العيون والحمامات أبعادا فنية ومعمارية مع قدوم الموريسكيين الفارين من الأندلس، من طغيان الكنيسة الإسبانية مطلع القرن السادس عشر.
وكانت النسوة بحي القصبة تشرع، قبل حلول شعبان، بإعادة طلاء البيت بالجير مخلوطا بالنيلة الزرقاء وطحين ورق التين البربري كمادة مضادة للرطوبة ومثبِّت الجير، ومن لم يسعفها الحال بإعادة طلاء بيتها تغسل جدرانه. وكانت ربات البيت تقلن «لا صيام على وسخ»، وإن كانت الأمور لم تعد كما كانت، إلا أنه ماتزال بعض العائلات تغسل جدران البيت كله قبل حلول رمضان. ولنا أن نتخيل تلك الجلبة التي يحدثها الفتيان والفتيات الصغار حول الحنفيات العمومية لجلب الماء إلى البيوت.
ولم تقتصر عادة طلاء وغسل الجدران على البيوت فقط، فالمساجد أيضا كانت تستعد لشهر التراويح بطلاء جدرانها أو غسلها، وكذلك السجاد. وتُركّب المصابيح الملونة على مآذنها وقبابها وعلى مداخلها. وكذا تفعل الزوايا التي كانت منتشرة في أزقة المدينة القديمة.
وخلال أيام شعبان تخرج النسوة إلى الأسواق لاقتناء أواني جديدة، وتحرصن على اختيار أجمل الأواني الفخارية والزجاجية. ففي ثقافة العائلة بمدينة الجزائر لا يجوز طهى «شُربة» رمضان في قِدر السنة الماضية. كما لا يجوز تقديم القهوة والشاي للأصدقاء والأحباء خلال رمضان في طقم ينقص منه فنجان أو صحن. وعادة تتباهى ربة البيت بأوانيها الجديدة أمام جاراتها وصديقاتها وضيوفها.
وبعد سوق الأواني، يتجهن إلى سوق التوابل والفواكه الجافة. فرائحة المطبخ يجب أن تخترق نوافذ البيت وجدرانه إلى الخارج، ولا شيء يخرجها غير التوابل الأصيلة. وخلال شعبان كانت أزقة القصبة المحاذية للأسواق الشعبية المختصة في بيع التوابل تكتظ بالنسوة، يغمسن أيديهن في أكياس التوابل، يأخذن منها حفنة، يتحسسنها بالأصابع، ويتشممنها للتأكد من أصالتها. وتتبادل النسوة أمام دكاكين التوابل خبراتهن في الطبخ، وكل واحدة تطلع الأخرى على طبق معين وطريقة تحضيره.
والقصبة كانت مدينة تستقطب الناس من أنحاء البلاد، فاستقروا بها في هجرات متتالية، وكانت هذه الأسواق فضاءات للتبادل الثقافي بما فيه ثقافة الطبخ. منظر رائع للنسوة الملتحفات بالأبيض (الحايك هو رداء أبيض تستر به المرأة في مدينة الجزائر كل جسدها) متحلقات حول أكياس التوابل، كأنما سرب من الحمام الزاجل حط على كومة من القمح.
ويروي شيوخ وعجائز حي القصبة عن آبائهم، وتذكر بعض كتب التاريخ ذلك، أنه كان لسكان هذا الحي العتيق طريقة طريفة في معرفة وقت الإفطار أو «كسر الصيام»، قبل الكهرباء ومكبرات الصوت والراديو و«التلفزيون»، حيث كان الحي يضاء بقناديل الزيت، وكان صوت الآذان الذي يرفع من المساجد الرئيسية الأربعة (الجامع الكبير، والجديد، وسيدي عبد الرحمن، وسفير) لا يصل إلى كافة الناس. وكان الآذان يرفع بطريقة «الصنعة» (مدرسة في الطرب الأندلسي اختصت بها الجزائر العاصمة)، وكان مقاما «الزيدان» و«رمل الماية» طاغيان آنذاك، قبل تسلل السلفية في ثمانينات القرن الماضي، حيث حرمت كل لحن ينبعث من المآذن. ولأن المدينة العتيقة قابعة على سفح جبل، رأسها عند قمة «بوزريعة» وقدماها في مياه «خليج الجزائر»، كانت منازلها أشبه بمصطبات مسرح روماني حتى لا تحجب أية بناية الضوء عن بناية أخرى، فكان بإمكان كل سكانها أن يروا أفق البحر من أسطح بيوتهم، وكان أئمة المساجد والجوامع المنتشرة في الحي يعمدون إلى رفع علم أبيض إيذانا باقتراب موعد الإفطار، وبعده بدقائق يرفعون علما أخضر يلي الآذان إيذانا بأن وقت الصوم انتهى.
إلا أن هذه الأعلام اختفت في نهاية القرن التاسع عشر، أيام الاحتلال الفرنسي، واستبدلت بضرب مدفع الإفطار من الأميرالية أسفل المدينة أو من «دار السلطان» بأعالي المدينة حيث كان قصر «الداي» أواخر الحكم التركي. وكان الجزائريون يقولون لوقت المغرب «ضْرَبْ المَدْفَعْ»، ومازالت بعض العجائز يرددنها. وكان الأطفال قبيل الآذان يستعجلونه بأغنية يقولون فيها:
أذن أذن يا الشيخ بَاشْ يَضْرَبْ المَدْفَعْ
هو يعمل بَمْ بَمْ
وانا نَعْمَلْ هَمْ هَمْ
هُو مَا يَضْرَبْشِي وانا مَا نَاكُلْشِي