الإثنين 6 يوليه 2026 — القاهرة

«ثلاثية الحياة» لبازوليني: الأدب الإنساني في أحضان السينما

«ثلاثية الحياة» لبازوليني: الأدب الإنساني في أحضان السينما
إذا استثنينا فيلم «سالو» الذي اشتغل عليه المخرج الإيطالي بيار باولو بازوليني في أيامه الأخيرة، من دون أن يكون عالماً بالطبع أن مقتله الغريب أواخر عام 1975 في منطقة أوستيا غير البعيدة من روما، سيجعل منه فيلمه الروائي الطويل الأخير، إذا استثنينا هذا الفيلم المنتمي في شكل أو آخر الى عوالم المركيز دي ساد، يمكننا أن نقول إن ثلاثية حققها بازوليني بين عامي 1970 و1974 كانت من آخر ما حققه من مشاريع سينمائية. ولعل القاسم المشترك بين أفلام الثلاثية الثلاثة هو ما برر إعطاء بازوليني لها عنواناً مشتركاً هو «سينما الحياة». أما هذا القاسم فهو كون الأفلام الثلاثة مقتبسة، كثيراً أو قليلاً، من ثلاثة أعمال كلاسيكية تعتبر عادة من درر الأدب العالمي، في ثلاث ثقافات على الأقل. فهو اقتبس الفيلم الأول، «ديكاميرون» (1971) من كتاب بوكاشيو الذي ينظر إليه عادة على أنه أحد الأعمال التي افتتحت الأدب الإنساني لعصر النهضة الإيطالي. كما أنه اقتبس الفيلم الثاني «حكايات كانتربري» (1972) من القصص المماثلة التي كتبها الإنكليزي تشوسّر وتعتبر من بدايات أدب الفكر الإنساني في ثقافة الجزر البريطانية. أما الفيلم الثالث وعنوانه «زهور ألف ليلة وليلة» (1974) فهو كما يشير عنوانه، مقتبس من تلك الليالي العربية التي ما برحت تفتن العالم وتصنع كتّابه وتُقرأ وتترجم في شتى أنحاء هذا العالم. أما السؤال الأساس هنا، فهو: ما الذي دفع بازوليني، السينمائي الأصعب والأكثر تطلباً في تاريخ السينما الإيطالية الحديثة، والذي اشتهر كشاعر ومنظّر في اللسانيات وفي جماليات السينما، الى اختيار تلك النصوص الكلاسيكية الخالدة والتي أُشبعت تحليلاً ودراسة ليجعل منها أفلاماً يربطها بـ»الحياة»؟
> في الحقيقة، لم يعش الرجل طويلاً بعد إنجاز الأخير بين هذه الأفلام، لكننا نعرف أنه لو عاش، لما كان من شأنه أن يجيب عن السؤال. وكذلك، ما كان من شأنه أن يحوّل الثلاثية الى رباعية. فهو منذ البداية حدّد عدد أفلامها وتحدث عما يتوخاه منها من ربط بين السينما، فن القرن العشرين بامتياز، وتلك الآداب الشعبية التي كان يرى أنها كانت لها في بلادها وفي أزمانها، مكانة السينما من حيث أن «الحكواتية» كانوا اعتادوا روايتها على حلقات متعاقبة وفي شكل حافل بالتشويق، في المحافل و»النوادي» والمقاهي. بالنسبة إليه كانت آداباً شعبية، ليس فقط لأنها تروي حكايات ومغامرات يتعلق معظمها بأفراد عاديين من الناس، بل كذلك لأنها كانت تُروى أصلاً لهؤلاء في بدايات احتكاكهم بالأدب القصصي خارج إطار النصوص الدينية التي كانت، قبل ذلك، هي كل ما يعرفونه من إبداع. إذاً، بالنسبة الى بازوليني كانت «الديكاميرون» و»حكايات كانتربيري» و»الليالي العربية»، «سينما» الأزمان الغابرة بحيث أن مبدعيها، سواء كانوا أفراداً مؤلفين لها أو جامعيها من أفواه الرواة، لو كانوا يعيشون في أزمان تعرف السينما، كان من شأنهم أن يحققوا أفلاماً حقيقية انطلاقاً منها. وبهذا كان بازوليني يرى أن ما يفعله هنا، إنما هو وضع النصوص في مكان لائق بها: شاشة السينما.
> لكننا نعرف طبعاً أن ما يرويه بازوليني في كل من الأفلام الثلاثة، ليس كلّ ما في الكتب، ولا حتى بعضه أحياناً. فهو اختار للساعتين تقريباً التي يمتد عليهما كل فيلم من الأفلام، حكاية واحدة أو مزيجاً من حكايات قليلة ركز عليها كنموذج يمكّن المتفرج، من ناحية، أن يتذوق شيئاً من الأعمال الطويلة والمؤلفة أصلاً من عشرات الحكايات، ومن ناحية ثانية أن يوصل إليه عدوى التفاعل مع ذلك الأدب الكلاسيكي، إضافة الى أنه، من ناحية ثالثة، أراد من خلال جعل الأفلام ثلاثية مترابطة، تأكيد بدايات أنسنة الأدب كما أشرنا، لكن عولمته أيضاً. فالحقيقة أن تلك العولمة ذات الطابع الإنساني كانت إحدى الغايات الأساسية التي توخاها بازوليني في إقدامه على تلك الخيارات. وهو، على أي حال، كان، في ما هو أبعد من الربط بين الأدب والسينما، والسينما والتاريخ، وحتى السينما والغيب، يرى أن المكان الأفضل الذي يثبت فيه المبدعون إنسانية الإنسان وانتماءه الى كينونة واحدة، إنما هو الفن: الأدب الشعبي في الماضي، والسينما اليوم.
> ومن هنا، لم يكن اختيار بازوليني عشوائياً. فهو كان يعرف في عمله على تلك الكتب بالتحديد، أنها في أسلوبها، لكن كذلك في أبعادها الفكرانية، كانت كالنابعة من بعضها البعض. ومن هنا حوّلها أفلاماً «مترابطة»، ووحّدها حين أعطاها بعدها البصري، الفاتن بالتأكيد على رغم أن في وسعنا دائماً أن نقول، إن تلك الأفلام لم تكن أبداً أقوى ما حقق بازوليني في مساره السينمائي، إذ لا بد أن نذكر هنا أن النقد الذي كان يتوقع من صاحب «ماما روما» و»أوديب ملكا» وبخاصة «الإنجيل بحسب القديس متى» غوصاً في تلك النصوص الشعبية الكلاسيكية أكثر وأعمق كثيراً مما فعل، حطّم كلاً من الأفلام الثلاثة تحطيماً حين عرضت. حطمها وهو يتسائل عن جدوى أعمال سينمائية محدودة زمنياً تكتفي من كتب شامخة وراسخة في الفكر الإنساني بحكايات بدت أول الأمر أشبه بحلقات تلفزيونية حافلة بالمغامرات والمشاهد الإباحية ولا تبدو أنها تريد أن تصل الى أي مكان. لكن مهما يكن يجب أن نتذكر أيضاً أن تلك الثلاثية، وتحديداً على ضوء رحيل بازوليني الصاخب من بعدها، سرعان ما راحت تتخذ أبعاداً ومعاني أخرى، ليس في حدّ ذاتها، فيلماً فيلماً، لكن في مجموعها كما أشرنا أعلاه. وهنا في مثل ذلك الإطار، وكما يوضح الباحث الأميركي الشمالي، باتريك رامبل في كتاب حاذق كرّسه للثلاثية تحت عنوان «استعارات العدوى»، من الواضح أن بازوليني آثر أن يتخلى عما كان سائداً في أفلامه السابقة - وصنع على أي حال مكانته الكبيرة في صفوف كبار سينمائيي الربع الثالث من القرن العشرين -، أي التزامه السياسي المباشر ليخوض نوعاً جديداً من العمل الإبداعي الذي لا تتبيّن سياسيّته إلا في شكل موارب، أي من خلال المعنى الدلالي الذي يعطيه لوجود العمل ككل، لا لوجوده في تفاصيله.
> ومن هنا، فإن المهم مثلاً، في «الديكاميرون» ليس الحكاية التي يقدمها، بل الجمال الذي يقدم الحكاية في إطاره. والناس الذين يُروى عنهم ويُروى لهم، وبدايات علاقة هؤلاء الناس بالحدث المروي، مهما كان من ضآلة شأنه. وكذلك الحال في الحكاية التي اقتبسها من تشوسّر وتتعلق بجزء يسير طبعاً من الحكايات، حيث يبدو من المهم بالنسبة الى المخرج هنا عند نهاية الفيلم أن يظهر أمام الكاميرا بنفسه وهو يخط ما يعني: «هنا تنتهي حكايات كانتربيري رويناها لكم لمجرد لذة الرواية»، ليضيف بعد ذلك مباشرة كلمة «آمين». أما في «من زهور ألف ليلة وليلة»، فإن المخرج/الكاتب لم يختر، وكما كان في إمكاننا أن نتوقع، أيَّ واحدة من الحكايات المعروفة والتي كثيرًا ما تداولتها عشرات الأفلام التي استقت من تلك الليالي العربية، ولا حتى حكاية شهرزاد نفسها التي كان يمكن أن تغري مبدعاً من طينته، بل اختار حكاية لسنا ندري أصلاً ما إذا كان لها وجود حقيقي في «الليالي» على الشكل الذي قُدّمت به في الفيلم، عن جارية تشترى في المزاد وتدعى زمرد، لكنها هي التي تختار نور الدين، الذي تفضله لأنها سرعان ما تكتشف أن لا خبرة له في الحياة والحب، ومن هنا تعثر على متعة أنها هي التي ستعلمه فنون الحياة والحب في آن واحد.
> واضح بالنسبة إلينا هنا، أن اختيارات بازوليني لأفلام الثلاثية كانت اختيارات تبتعد مما يمكن توقعه وذلك بالتحديد لأنه لم يكن يتطلع الى تصوير أي من تلك الأعمال، بل كان يتطلع الى الاستعانة بنصوص جاهزة وذات دلالات اجتماعية وتاريخية واضحة لقول أشياء أخرى، حول التاريخ والجنس والإنسان والعلاقات بين البشر. فهل تراه نجح في ذلك؟ ليس بالتأكيد. كل ما في الأمر أن بازوليني ( 1922 - 1975 ) نجح في أن يخلق قدراً كبيراً من سوء التفاهم والفهم، كان من سوء حظه أنه ختم حياته وحياته السينمائية بهما. مهما يكن يمكننا اليوم أن نقول إن هذا كان طبيعياً بالنسبة الى عمل حمّله صاحبه عنواناً جامعاً هو «ثلاثية الحياة». أفلا تتكوّن الحياة من قدر كبير من سوء الفهم، بعد كل شيء؟
 
 
  
مصدر الخبر
الحياة

أخبار متعلقة