على رغم أن ما من شيء يجمع، من ناحية مبدئية، بين لوحة روبرت ماذرويل «تحية الى الجمهورية الإسبانية» ولوحة زميله ومواطنه فرانز كلاين «نيجنسكي»، سوى أنهما رُسمتا في زمن متقارب، فإن نقاد الفن الأميركي الحديث ومؤرخيه غالباً ما يتحدثون عنهما معاً، وذلك بالتحديد لأنهما تكادان أن تكونا من اللوحات النادرة لهذين الفنانين المنتميين الى تيار «التعبيرية التجريدية»، اللتين تبدوان وكأن لكل منهما شكلاً تصويرياً يبتعد بعض الشيء عن التجريد ليغوص أكثر في التعبيرية. ومن هنا ما يقال عادة من أن كلاً من اللوحتين تعتبر بداية لنضج ما لدى رساميهما. أما ما عدا هذه المقاربة، فإن لكل من العملين عوالمه وخلفياته و «أسراره» التي تبعده عن العمل الآخر. ولئن كان من السهولة فهم دوافع ماذرويل في رسمه لوحته «الإسبانية» هو الذي انخرط مثله مثل العديد من المبدعين الأوروبيين والأميركيين في «المعركة» ضد الجنرال فرانكو وفاشييه، فإن دوافع كلاين في تحقيق لوحته عن راقص الباليه الروسي الشهير - ولنقل بالأحرى، لوحاته العديدة عنه والتي وصلت الى أوجها التصويري في تلك التي حُمّلت العنوان الإجمالي للوحات منذ إنجازها في العام 1950، تبدو في حاجة الى توضيح ما...
> فالحقيقة أن كلاين لم يكن في لوحته هذه يرسم نيجنسكي بقدر ما كان يرسم زوجته هو إليزابيت بارسونز التي كانت بدورها راقصة باليه شهيرة في زمنها، من دون أن تكون روسية على غرار نيجنسكي، أو تنتمي مثله الى عالم الباليهات الروسية الذي ارتبط به. لقد رقصت اليزابيت مع نيجنسكي الذي كان من معارف العائلة. لكن الأهم من هذا أنها كانت، من الناحية النفسية، مصابة كما حال نيجنسكي نفسه، بنوع حاد من انفصام الشخصية (السكيزوفرينيا)، وبالتالي فإن ما يبدو أن كلاين قد أراد التعبير عنه من خلال اللوحة التي نحن في صددها، أو حتى من خلال اللوحات المشابهة لها، إنما كان ذلك «الداء» الذي يتشارك فيه راقصا الباليه، نيجنسكي وإليزابيت. وفي يقيننا أنه نجح في ذلك، خارج إطار كون اللوحة أو عدم كونها، بورتريها للراقص الشهير. مهما يكن، فإننا نعرف أن كلاين قد أنجز بورتريهات عدة لنيجنسكي أتت أقل إشكالية، قبل ذلك حين كان، بعد، يعمل في الرسم التجاري وطُلب منه، على سبيل الترويج لعمل الراقص الروسي أن يرسمه حتى على لوحات إعلانية. بيد أن لوحتنا هنا أتت مختلفة تماماً. وتقول الحكاية أنها ولدت حين كان كلاين يزور محترف صديقه الرسام دي كوننغ في نيويورك وهناك فوجئ إذ رأى واحداً من تخطيطاته بالأبيض والأسود وقد كبّره الرسام الزميل بواسطة كاشف ضوئي ضخم. ولقد لاحظ من فوره أن ذلك التخطيط «الحروفي» الذي كان خطّه بالقلم على صفحة منتزعة من دليل هاتف، يبدو الآن إذ كُبّر، لوحة حقيقية بل تحمل حتى شكلاً متحرك السمات. قال لنفسه: كم أنها تشبه إليزابيت فقال له دي كوننغ: بل إنها تشبه نيجنسكي. وعلى ذلك النحو، لم تولد لوحة تصويرية محددة فقط في عالم كلاين، بل وُلد لديه توجّه فني متكامل، لا يخلو من عناصر سرعان ما أُريد لها أن تبدو محمّلة بأبعاد سيكولوجية. وكان من الطبيعي في عز تفاقم أزمة إليزابيت النفسية، وفي ضوء تشاركها فيها مع أكبر راقصي ذلك الزمن، أن تبدو واحدة من أجمل لوحات ذلك التوجه وهي التي نقدمها هنا (وهي اليوم معلقة على أحد جدران متحف المتربوليتان النيويوركي ويبلغ عرضها 88،6 سم وارتفاعها 115،6 سم)، عملاً يعبر عن أزمة نيجنسكي النفسية، ومن خلاله عن أزمة إليزابيت التي سرعان ما نُسيت مع مرور الزمن لتنحصر دلالات اللوحة في نيجنسكي وحده.
> أما بالنسبة الى كلاين فلا بد أن نعود بعض الشيء الى الوراء لنشير الى أن مساحات بيضاء واسعة خاوية، وبضع شطحات وخطوط وأشكال غامضة، غالباً بالأسود والأبيض، كانت تكفيه ليعتبر واحداً من أكبر الرسامين الأميركيين، وواحداً من بناة الحداثة التشكيلية في العالم خلال القرن العشرين. صحيح أن رسوم كلاين لا تزال تثير اليوم احتجاجات حراس الفن الكلاسيكي في العالم، لكن هذه الأصوات المحتجة باتت أقل صخباً، في وقت يزداد فيه حضور هذا الرسام في متاحف العالم، ولا سيما في المتاحف الأميركية، وفي المجموعات الخاصة، ويعتبر ذا تأثير أساسي على العديد من فناني النصف الثاني من القرن العشرين.
> ولعل اللافت في مسيرة فرانز كلاين وحياته انه لم يبدأ بلفت الأنظار حقاً الى أعماله إلا خلال السنوات الأخيرة من حياته، حيث راحت الجوائز تنهال عليه، وبدا كأن أسلوبه الفني أفاق من سبات عميق ليغزو الصالات والكتب. وكان من أول المندهشين لذلك، هو الذي قضى ولا يزال شاباً في العام 1962، ويقول إن إنجازاته الكبرى لا تزال امامه، وان كل ما حققه حتى ذلك الحين ليس أكثر من تدريبات اولية.
> ولد فرانز كلاين العام 1910 ودرس الفن أولاً في أحد أهم معاهد مدينة بوسطن، وفي اثناء دراسته اكتشف، كما سيقول لاحقاً، ان الفن الحقيقي يصنع... هناك، بعيداً في أوروبا، فما كان منه الا ان توجه الى لندن حيث التحق بمدرسة «هيذرلي للفن». ولكن بدلاً من ان تعلمه أوروبا الفن الحديث، جعلت منه رساماً كلاسيكياً أول الأمر، ثم تكعيبياً بعد ذلك، في وقت كانت فيه التكعيبية انتهت أو تكاد. بل انه في لحظة من اللحظات كاد يعتبر اكبر ممثل أميركي لنوع ساذج من أنواع «الواقعية الاجتماعية» وكان ذلك حين راح يرسم مشاهد تمثل مناطق صناعية وعمالاً وما الى ذلك. ووصل أسلوبه ذلك الى أوجه في العام 1948 حين أنجز واحدة من أشهر لوحات تلك المرحلة وهي لوحة «الحي الصيني». وكان من الممكن ان يستمر على ذلك المنوال لولا انه، وبشكل يقرب من الصدفة، شاهد رسمته تكبّر بفضل ذلك الـ «بروجكتور ضوئي»، فقرر التوجه نحو أسلوب جديد يقوم على ملء المساحة البيضاء للوحة بخطوط وظلال سوداء وتجريدية. «لقد أدركت» كما سيقول لاحقاً، «ان مثل تلك الاشكال تحمل إمكانات تعبيرية هائلة ولا حدود لها». وهكذا بدأ من فوره يطور أسلوباً شخصياً يقوم على مبدأ التعبيرية التجريدية. وهو مبدأ يقوم على أساس أشكال ترسم بشكل عفوي لتعبر عن الحالة النفسية المباشرة للفنان في لحظة معينة. والغريب ان فرانز كلاين لم يحتج لأكثر من عام واحد حتى يسيطر تماماً على أسلوبه الجديد هذا، ويحقق لوحات تلقاها عالم النقد بادئ الأمر بشيء من الحذر، لكن جامعي اللوحات سرعان ما فتنوا بها، فتدافعوا للحصول عليها، وكانت أشهرها في ذلك الحين لوحة «نيجنسكي» (1950). وحتى رحيله في العام 1962 لم يتوقف فرانز كلاين عن استخدام الأسود وما جاوره، في أشكال وبقع لونية داكنة يصبها على المسطحات البيضاء، في رسم يقترب من العفوية والتصوف، لكن من ناحية ثانية كان من السهل ان يقارن بالفن الحروفي الياباني، على رغم أن التداخل في الخطوط والبقع السوداء على المسطحات البيضاء كان من الفوضى والعفوية بحيث يتناقض كل التناقض مع انتظامية الحروفية اليابانية. والطريف ان كلاين الذي اعتبره بعض النقاد مقلداً لتلك الحروفية اليابانية، لم يعدم من بين الرسامين اليابانيين المعاصرين، من يعلن انتماءه الواضح والصريح الى أسلوب كلاين وجمالياته.
> خلال الأعوام الثلاثة أو الأربعة الأخيرة من حياته، راح كلاين يستعيد حـــسه اللوني شـــيئاً فشيئاً، حيث نراه يدخل الألوان بالتدريج، ولكن كان من الواضح ان الألوان هنا تدخل بشكل طفيلي رأى بعض النقاد انه تزييني لا اكثر، حيث ظل الأسود هو المسيطر والمساحة البيضاء هي خلفيته. ولعل هذا ما جعل كلاين يمعن، خلال العامين الأخيرين (1961 - 1962) في العمل على إدخال التلوين هذه المرة كجزء أساسي من اللعبة اللونية، عائداً الى شيء من التصويرية التمثيلية بعد ان غرق في التجريد فترة زمنية طويلة. لكن الموت فاجأه في ذلك الحين وهو على وشك ان يحدث تبديلاً أساسياً في أساليبه، فقطع عليه محاولته تلك مبقياً على ذكراه في عالم الفن الحديث مرتبطاً بتجريدياته السوداء على المساحات البيضاء.