ماذا يفعل الإسلاميون فى بريطانيا الآن؟
«الجارديان»: 23 ألف جهادى يعيشون فى لندن يعتمدون على كتاب سيد قطب «معالم على الطريق»
أنجم شودرى تمكن من تجنيد الآلاف من المتطرفين على مدى أكثر من 20 عامًا دون حساب ودفع أكثر من 100 بريطانى لتنفيذ هجمات إرهابية فى الداخل والخارج
آلاف الأشرطة بالمملكة المتحدة تروج للدعاة المتطرفين.. وأغلب الإسلاميين فى إنجلترا «سلفيين»
من دون أى مقدمات أو شروحات، جريدة الجارديان البريطانية الأشهر والأكثر تأثيرًا فى الداخل البريطانى، تتحدث بوضوح وتسدد لكمات مؤلمة فى قضية صارت اليوم هى عامل الضغط الأبرز على أعصاب المواطن الإنجليزى؛ الذى يتابع تصاعد العمليات الإرهابية على مسافة أمتار من حياته اليومية التى ظلت مؤمنة إلى حد كبير، تحت وهم السيطرة الأمنية والاستخباراتية التى تستطيع وتنجح فى تحقيق هذا الأمان الهش. فإذا بها اليوم بقلم «سارة خان» تقدم تقريرا وتساؤلا شديد الوضوح عن (كيف تساعد القوانين البريطانية فى دعم المتطرفين؟).
فى ظل عدم اليقين السياسى، وفى هذه المرة، يمكننا أن نكون متأكدين بشأن أمر واحد، وهو أن المعركة ضد التطرف الإسلامى هى المعركة التى نخسرها. فهناك أخبار تقول إن (23 ألف جهادى) يعيشون فى بريطانيا، وكل منهم يعتبر «خطرًا متبقيًا» على الأقل، مما يشير إلى حجم التحدى الذى يواجهنا. حيث تحول الإسلاميون إلى حصان جامح تصعب السيطرة عليه.
علينا أن نتعلم من أخطائنا السابقة، بما فى ذلك ردنا على الأصولية الدينية المتنامية. ولكن الحقيقة هى أننا ما زلنا نتعامى عن الحقائق. وبفضل الليبرالية، نجح الدعاة المتطرفون فى تعزيز خطاب الكراهية دون أى عقاب، وعلى سبيل المثال تمكن «أنجم شودرى» من تجنيد المئات بل الآلاف من المتطرفين على مدى أكثر من 20 عامًا دون حساب، وكنتيجة لذلك، قام بالتأثير على أكثر من 100 بريطانى لتنفيذ هجمات إرهابية فى الداخل والخارج.
كما دافعنا عن حق المتطرفين فى حرية التعبير اعتقادًا منا بأن الطريقة الأكثر فعالية لتقويضهم، هى أن نواجه خطابهم. كان هذا لطيفًا من الناحية النظرية، إلا أننا دفعنا الثمن غاليًا. وبغض النظر عن أنهم حفنة من الأشخاص، فمن وقف ضدهم وهاجمهم، وصف على الفور بأنه «مُعادٍ للإسلام».
وباستغلال المساحة الحرة التى قدمناها لهم، روَّج المتطرفون يومًا بعد يوم أيديولوجياتهم المتطرفة والمليئة بالكراهية، لآلاف المسلمين على القنوات الفضائية، ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعى، وفى الحرم الجامعى، وعلى الصعيد المجتمعى أيضًا. وفى معركة الأفكار، تظل قدرتنا على تفكيك تلك الأيديولوجية العالمية حتى الآن، هى أحد أعظم إخفاقاتنا. وهو فشل جماعى فى مواجهة ذلك التطرف بشكل حاسم، كمؤسسات إسلامية ومنظمات حقوقية وجماعات مناهضة للعنصرية وحكومات.
وفى حين أتقن المجلس الإسلامى فى بريطانيا فن إصدار البيانات الصحفية، إلا أنه لم يفعل شيئًا للرد على مثل هذه التعاليم السامة. وعلى مدى عشر سنوات، قامت منظمتنا «إنسباير»، بمحاولات لتحصين الأسر المسلمة ضد التطرف؛ وذلك بتدريس النصوص الشرعية التى تدحض الأيديولوجية المتطرفة. وفى كل مرة كنا نتلقى نفس الإجابة من مئات الأمهات المسلمات، اللاتى يقلن: لم يعلمنا أحد ذلك من قبل، ولم يعلموا أبناءنا أيضًا. وكان واضحا أن نظام الدفاع «المجتمعى» الضعيف لن يكون قادرًا على وقف موجة الدعاية المتطرفة.
ومع استمرار المتطرفين فى نشر التطرف بين الناس، فإننا مازلنا نغض الطرف حتى على ما تم تعريفه أنه «تطرف». ولم يكن التطرف أبدًا هو العنف فقط؛ ولكن التحريض على الكراهية والتمييز، وترويج الأفكار العنصرية فى القضايا السياسية أو الدينية أو الأيديولوجية، يجب أن يعتبر تطرفًا فى بريطانيا القرن الحادى والعشرين التى تطمح إلى إقامة ثقافة تقوم على المساواة وحقوق الإنسان والتعددية. ومع ذلك، لا تزال آلاف الأشرطة التى تروج للتطرف للدعاة المتطرفين، أمثال أبوحليمة، موجودة على الانترنت.
إن عدم قدرتنا على التعرف على الطبيعة الأيديولوجية للوحش «ولا سيما السلفيين والإسلاميين والتطرف البريلوى»، يعنى أننا لم نفهم تماما من هى الجماعات والمواقع والدعاة المتطرفون الحقيقيون. إننا نفتقر إلى جميع المعلومات الأساسية، حول أنشطة هذه الجماعات وتأثيرها بين المسلمين البريطانيين. وبدلًا من إدراك الصورة المتنوعة، نستمر فى وضع ثلاثة ملايين مسلم سواء الطيب والسيئ والقبيح تحت اللافتة الأسطورية «الجالية المسلمة». وهذا لا يخدم مصالح المسلمين العاديين، بل يخدم المتطرفين الذين يختبئون وراء هذه اللافتة نفسها. ونتيجة لذلك، نواصل إضفاء الشرعية على الأصوات التى ينبغى إقصاؤها.
على سبيل المثال، قامت قناة «سكاى نيوز» الأسبوع الماضى، باستضافة (دلى حسين) من موقع «فايف بيلارز» الذى يديره الإسلاميون، للمشاركة فى مناقشة حول كيفية التعامل مع التطرف الإسلامى. وقد أعرب حسين عن دعمه لكبار المفكرين الجهاديين الرئيسيين فى القرن العشرين، بمن فيهم «سيد قطب، وعبدالله عزام». حيث أصبح كتاب سيد قطب «معالم على الطريق» دليل الأيديولوجيات المتطرفة الإسلامية الحديثة، كما أنه أثر على أسامة بن لادن، وعبد الله عزام أحد أبرز منظرى تنظيم القاعدة. ومع ذلك، على الرغم من هذا ربما نتساءل حتى الآن وماذا بعد.
ترانزيت القتلة.. القائمة الكاملة لمناطق تمركز الإرهابيين فى لندن
نشر مركز «المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة»، وهو منظمة بحثية مستقلة مقرها مدينة «أبوظبى» بدولة الإمارات العربية المتحدة، تحليلًا أمنيًا كتبه الدكتور شادى عبدالوهاب حول حادث التفجير الذى وقع بمدينة «مانشستر» البريطانية. تحت عنوان «دلالات وأسباب تصاعد التهديدات الإرهابية فى بريطانيا»، ويقدم قراءة للمشهد الأمنى فى بريطانيا بصورة شاملة تستدعى الإطلاع وإلقاء النظر المتعمق عليه.
850 بريطانيًا يقاتلون فى صفوف «داعش»
يعد هجوم مانشستر هو العملية الإرهابية الثانية، التى تحدث فى بريطانيا منذ بداية 2017، بعد حادث دهس إرهابى عددًا من الأشخاص وطعن شرطى قرب البرلمان البريطانى فى مارس الماضى، أسفر عن مقتل 4 أفراد، بينهم منفذ الهجوم.
ويشير ذلك إلى تصاعد التهديدات الإرهابية الموجهة إلى بريطانيا، على الرغم من أنها تعد من الدول المتعاطفة مع تيارات الإسلام السياسى بوجه عام، وأنها تعتبر أكثر أمنًا مقارنة بغيرها من العواصم الأوروبية، التى شهدت عمليات إرهابية كبيرة.
وترجع أسباب تصاعد التهديدات الإرهابية فى بريطانيا خلال الأعوام الأخيرة إلى عدة عوامل، من أهمها ما يلى: 1- وجود مواطنين بريطانيين فى صفوف «داعش»: ثمة تقديرات تشير إلى وجود نحو 850 بريطانيًا يقاتلون فى صفوف التنظيم، وتتوقع الأجهزة الأمنية البريطانية أن بعضهم قد يعود إلى البلاد لتنفيذ علميات إرهابية، فور هزيمة التنظيم فى سوريا والعراق، كما أن الضغط العسكرى ضد «داعش» فى سوريا والعراق دفعه إلى حث أعضائه على توجيه ضربات انتقامية، ضد الدول التى تشارك فى العمليات العسكرية.
2- تجاهل مخاطر التنظيمات المتطرفة فى السابق: يلاحظ أن الشرطة البريطانية كانت تميل إلى التعامل مع التيارات الإسلامية المتشددة، نظرًا لوجود اعتقاد لديها بأنها تتمتع بمصداقية أكبر لدى المتطرفين الشباب، وبالتالى تستطيع أن تمنعهم من تنفيذ علميات إرهابية، وذلك مقارنة بالتنظيمات الإسلامية الليبرالية.
وفى هذا السياق، أشار «روبرت لامبرت»، الرئيس السابق لوحدة التواصل مع المسلمين فى الشرطة البريطانية «سكوتلاند يارد»، إلى أن المسلمين من الهنود الشباب نجحوا فى منع «أبوقتادة»، أحد مروجى الفكر الجهادى السلفى، من السيطرة على «مسجد بريكستون» اللندنى فى التسعينيات ولكن نتج عن هذه العلاقة التعاونية فى المقابل، تجاهل جهود تلك الجماعات لإنشاء مجتمعات موازية منفصلة عن المجتمع البريطانى.
وليس بعيدًا عما سبق، فإن الحكومة البريطانية كانت دوما تتجاهل أنشطة جماعة الإخوان المسلمين، حتى إصدار التقرير الذى تم إعداده فى ديسمبر 2015 بناء على تكليف من رئيس الوزراء البريطانى السابق ديفيد كاميرون، والذى عرف باسم «مراجعة أنشطة الإخوان المسلمين»، والذى أشار إلى أن جانبًا من جماعة الإخوان المسلمين، لديهم علاقات مشبوهة مع التطرف العنيف، فأيديولوجية الجماعة وهيكلها التنظيمى وفقا للتقرير بمثابة «طقس عبور» للأفراد والجماعات التى انخرطت فى عمليات عنف وإرهاب.
وربما يرجع أسباب تغاضى الحكومة البريطانية عن أنشطة الإخوان المسلمين، إلى أن عناصر من الاستخبارات الداخلية البريطانية «إم آى 5» ووزارة الخارجية كانت تعد الجماعة حليفًا مهمًا داخليًا وخارجيًا.
يتمثل ثالث أسباب تصاعد التهديدات الإرهابية فى بريطانيا خلال الأعوام الأخيرة فى «وجود حواضن للتطرف فى بريطانيا»، حيث ترتب على السياسة البريطانية السابقة، أن أصبحت بعض المدن حواضن للتطرف، مثل مدينة برمنجهام ثانى أكبر المدن البريطانية، إذ إن عددًا كبيرًا من الإسلاميين الإرهابيين ارتبطوا بها.
القارة العجوز فى مرمى العائدين من الجهاد
فى ضوء تصاعد التهديد الإرهابى فى أنحاء القارة الأوروبية، فإنه يتوقع أن يأخذ التهديد الإرهابى الأشكال التالية:
1- هجمات الذئاب المنفردة: يعد «داعش» من أنجح التنظيمات الإرهابية فى إلهام المتعاطفين معه بتنفيذ عمليات الإرهاب الفردية، وغالبا ما يسعى التنظيم إلى تجنيد الأشخاص الذين يعانون من مشاكل نفسية، ويشعرون بالاغتراب، بالإضافة إلى وجود رغبة لديهم فى الإضرار بالمجتمع. وبطبيعة الحال، فإنه من الصعب على القوات الأمنية رصد أولئك الأفراد.
من جهة أخرى، نجح «داعش» فى تنفيذ هجمات إرهابية مبتكرة، مثل «إرهاب الشاحنات»، والتى قام بتوظيفها لأول مرة فى مدينة نيس الفرنسية 14 يوليو 2016، وتم تكرارها فى عمليات إرهابية لاحقة، مثل هجوم استوكهولم فى أبريل 2017.
وتتخوف الدول الأوروبية من هذا النمط من الإرهاب، فقد حذر تقرير عن «إدارة أمن المواصلات» فى الولايات المتحدة، أصحاب الشاحنات من تصاعد «هجمات الدهس» من قبل الإرهابيين، الذين يستخدمون الشاحنات كأدوات للقتل. ويعد هذا الأسلوب من الهجمات مفضلا لدى الجماعات الإرهابية، نظرا لما يترتب عليه من سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مثل سقوط 87 فردًا فى الهجوم الإرهابى الذى تم فى «نيس».
وبالإضافة إلى ما سبق، فإن «إرهاب الشاحنات»، لا يحتاج إلى خبرة فنية معقدة مثل المتفجرات، فكل ما يحتاجه الإرهابى فى هذه الحالة هو سرقة شاحنة، واختيار مكان مزدحم. كما أن امتلاك إرهابى ما لخلفية إجرامية تجعله على معرفة باستخدام الأسلحة وكيفية الحصول عليها، ويزيد من الخسائر المترتبة على العملية الإرهابية.
2- العمليات الإرهابية الموجهة من الخارج: يمكن تنفيذ عمليات إرهابية من قبل المقاتلين الأجانب العائدين، أو من خلال العناصر الإرهابية التى نجحت فى التسلل فى أوساط اللاجئين إلى الدول الأوروبية، على غرار ما حدث فى العمليات الإرهابية التى شهدتها باريس ديسمبر 2015، وبروكسل مارس 2016.
ختامًا، يمكن القول إنه مع خسارة تنظيم داعش لمزيد من الأراضى فى سوريا والعراق، فإن مخاطر التنظيم سوف تزداد، وسوف يواصل تركيزه على المناطق الرخوة، التى يصعب تأمينها مثل المناطق المزدحمة، والمواصلات العامة، وذلك بغرض إيقاع أكبر قدر من الضحايا.