يستضيف «مركز الصورة المعاصرة» في القاهرة الفصل الرابع الأخير من مشروع «لو لم يكن هذا الجدار». ويحمل الفصل عنوان «حياة متخيلة في فيترينة (واجهة) متحف»، وبه يسدَل الستار على المشروع الذي استمر سنتين.
تناول المشروع أنماطاً متعددة للسجن سواء في شكله المؤسسي، كعزل الأفراد في سجون أو مصحات عقلية ومراكز احتجاز للاجئين، أو في أشكال أخرى كالعزل المجتمعي مثل الحرمان من ممارسة الحقوق الشخصية وتبديد الكرامة الجسدية.
يتتبع الفصل الأخير من المشروع مفاهيم الرغبة والهزيمة عبر تاريخ حركات التحرر الوطني في مصر والمنطقة العربية، خصوصاً في لحظات صعود المد القومي والتحول من الأفكار التعاونية (الاشتراكية وغيرها) القائمة على التنظيم الجماعي، إلى سياسات الأسواق المفتوحة وما رافق ذلك من عمليات عزل وتهميش على مستويي الخطاب والحراك الاجتماعي.
يضم الفصل الرابع معرضاً وبرنامجاً مصاحباً من عروض الأفلام ونقاشات مع الفنانات والفنانين وندوات وورشة عمل، إلى جانب مجموعة من الكتب ذات الصلة والمتاحة في مكتبة المركز.
ويتطرق إلى مناقشة الهوية القومية وخطاباتها، وتجليات السلطة في المدينة العربية الحديثة، عبر تسليط الضوء على الأماكن التاريخية والآثار المعمارية، والمعارض الدولية ومشاريع المدن السكنية الجديدة، كأماكن تتجلى فيها مظاهر السلطة والهوية القومية واقتصادات السوق.
خطة بغداد الكبرى
في سياق تحولات السلطة ومظاهرها في المدينة، تقدم الفنانة الأردنية آلاء يونس عملها «خطة بغداد الكبرى». وتلتقط فيه خيطاً ممتداً منذ منتصف القرن الماضي لتتأمل من خلاله تجليّات هذه السلطة وتحولاتها.
ويتمثل الخيط في قاعة للألعاب الرياضية في بغداد أُنجز بناؤها في العام الذي تولى فيه الرئيس العراقي السابق صدام حسين السلطة، لذا سُمّيت باسمه.
عرف مشروع بناء هذه القاعة خمسة انقلابات عسكرية، وستة رؤساء وأربعة مخططات حضرية، وتولى الإشراف عليه مهندسون وهيئات ومؤسسات رسمية وشركات مقاولات. وساهمت مجموعة من التعقيدات والقلاقل السياسية في تأخر بناء القاعة نحو 25 سنة حتى اكتمل بناؤها في النهاية مع تولي صدام السلطة.
يضم عمل يونس وثائق كثيرة عرضتها على جدار القاعة على هيئة صور فوتوغرافية وكتابات وأوراق صحف وقصص مرتبطة بشخصيات المشروع، إضافة إلى واجهة زجاجية تضم مجسماً للقاعة وتماثيل صغيرة. ويوثق العمل لبعض المراحل التي مرت بها قاعة الألعاب الرياضية منذ وضع حجر الأساس لها وحتى اكتمالها كبناء معبّر عن السلطة.
المعرض الصناعي
ينقسم الفيلم الذي يقدمه حسام علي بعنوان «المعرض» إلى أربعة أجزاء توثق لاحتفال معرض القاهرة الصناعي الدولي بيوبيله الذهبي عام 1985. ويفصح الفيلم من خلال مونتاج الصور وشريط الصوت عن التشابك الواقع بين فكرة العرض أو تنسيق المعارض بشكل عام والآليات الراسخة لصياغة الأيديولوجيات وخطاباتها ونشرها، حين يصبح عرض السلع الاستهلاكية واتفاقات التجارة والتقدم التكنولوجي أداة تعبير عن الدولة القومية والثقافة الاستهلاكية المفرغة من أي مضمون سياسي أو اجتماعي.
يشير حسام علي إلى التحولات التي جاءت نتيجة سياسة الانفتاح الاقتصادي التي بدأها الرئيس أنور السادات في السبعينات وما صاحبها من تزاوج الليبرالية الجديدة مع الخطاب القومي. وتراوح المشاهد بين مظاهر الاحتفال الرسمي بالحدث من كلمات لممثلي أجنحة الدول الرأسمالية عن جودة منتجاتهم والتعاون الوثيق بينهم وبين الدولة المصرية، وتصريحات المسؤولين المصريين عن جودة الإنتاج الصناعي والزراعي المحلي والتي تتناقض مع وقائع منشورة في الصحف المحلية. ويسجل الفيلم كذلك الاحتجاجات الشعبية التي صاحبت المعرض على وجود جناح إسرائيل ضمن أجنحة الدول المشاركة.
سياحة داخلية
«سياحة داخلية 2» هو أول فيلم لمها مأمون، وهو جزء من مشروع أكبر يحمل الاسم ذاته، تهتم فيه مأمون بالتمثيلات البصرية السياحية لمصر، ونقاط تلاقي تلك التمثيلات مع التجارب الحياتية المعاشة. ويشير العنوان إلى الجمع بين الشعور بالإلفة والاغتراب في علاقتنا مع المكان. وتجمع مأمون في العمل مقاطع من أفلام مصرية تستخدم الأهرام كخلفية للمشاهد.
لا تتدخل صاحبة العمل كثيراً في المشاهد المعروضة، بل تلجأ فقط إلى تحديد بناء زمني للمشاهد المقتطعة من الأفلام، فتكون البداية من أوائل القرن الحالي رجوعاً بالزمن حتى الخمسينات، ثم التقدم عبر الزمن ثانية والعودة إلى أوائل الألفية، لتشكيل بناء زمني للفيلم يبدأ بالحاضر وينتهي به.
يأتي اقتطاع المشاهد من سياقها الدرامي ليجرد الحوادث في الأفلام المختارة، فتبرز الخلفية كفاعل يعبر عن تأويلات محتملة للبناء الأثري الواقع على تخوم القاهرة، تكشف محاولات للتعبير عن هوية قومية دائمة التشكل والتغير وعن علاقة بالزمن تحتفي بالحاضر حيناً، وتشتاق إلى الماضي التاريخي في أحيان أخرى.
المنطقة
أما العمل الأخير، «المنطقة»، فيقدمه باسل عباس وروان أبو رحمة المقيمان بين رام الله ونيويورك. وهو عمل تجهيز يتكون من مقطعي صوت وصورة سجلهما الفنانان في مواقع مختلفة من الضفة الغربية، إلى جانب بعض المواد الفيلمية من الأرشيف. ويربط عنوان التجهيز الوضع الحالي في فلسطين بفيلم «المقتفى» للكاتب والمخرج الروسي أندريه تاركوفسكي عام 1979.
يدور الفيلم حول مكان يخضع لمراقبة عسكرية صارمة ويسمى «المنطقة»، وهو موقع خيالي يجمع بين مشاعر الرهبة والرغبة. ويقدم عباس وأبو رحمة قراءة نقدية للخطابات والرغبات السياسية الجديدة المرتبطة بفكرة الاستهلاك في شكل أساسي، والتي تبدو متخطية للاحتلال، لكنها تحتك دوماً بطبقته الخارجية وبيئته الكابوسية. ويستحضر العمل خيالات الأحلام وديستوبيا الكارثة معاً، ليعكس حالة الاغتراب في هذا الوضع، ويعززها بالاستعانة بموسيقى تصويرية متوترة وغرائبية.