ماذا لو أجلنا الطرف في حال الكرة الأرضية عبر مجموعة من الأرقام الممتدة بين العام الحالي ومنتصف القرن 21 أو ربما... ختامه؟ كيف تبدو حال الكوكب الأزرق الحائر بين الأمل في السيطرة على متغيرات البيئة والديموغرافيا والغذاء والطاقة والصحة وغيرها، وبين اليأس من الوصول بالكوكب إلى خواتيم سعيدة في مسار العلاقة بين البشر والأرض التي تحتضنهم؟ إذا تأملنا بعض الأرقام المتوقعة عن غدٍ يقترب حثيثاً، خصوصاً نهاية القرن 21، ما هو الانطباع الذي تتركه صورة عالم الغد في تلافيف أدمغتنا؟ ليست الأرقام الآتية سوى ومضات سريعة تحاول الإجابة عن تلك الأسئلة المقلقة.
- 0.19 هكتاراً: هي المساحة التي يتوقّع أن تكون صالحة للزراعة للفرد عام 2050.
- ينتظر حدوث 3.5 مليون وفاة بأثر من تلوّث البيئة عام 2050، فيما كان الرقم مليون وفاة عند مطلع القرن 21.
- عام 2050، يبلغ إنتاج اللحوم عالمياً 455 مليون طن، أي ضعفي ما تمّ إنتاجه في 2013.
- يتوقّع أن يرتفع عدد السعرات الحرارية التي يستهلكها الفرد يومياً من 2772 سعرة حراريّة بين عامي 2005 و2007 إلى 3070 سعرة حراريّة عام 2050، مترافقاً مع ارتفاع في معدل استهلاك المنتجات الحيوانية.
- 10476 كيلومتراً هي المسافة ينتظر أن يسافرها الفرد عام 2050، مقارنة بـ1814 كيلومتراً عام 1960، و4382 كيلومتراً عام 1990.
- 2.5 عام معدل الزيادة المتوقعة في متوسط حياة الفرد في اليابان بحلول عام 2100، مقارنة بمطلع القرن الحاليي.
- يتوقع ألا يتجاوز معدل الوفيات الناجمة عن الأمراض السارية 5 في المئة من إجمالي الوفيات عند منتصف القرن 21، بالترافق مع استمرار ارتفاع معدل الوفيات الناجمة عن أمراض مزمنة غير معدية، كالسكري والسرطان و «باركنسون» و «آلزهايمر» و «التصلب اللوحي المتعدد» وأمراض القلب والأوعية الدموية وغيرها.
- عام 2100، يختفي البترول التقليدي، مندثراً أمام مصادره غير التقليدية مثل النفط الصخري ورمال البترول وغيرها.
- عند نهاية الألفية الثالثة، تبلغ الحاجة عالمياً إلى الطاقة 1750 إكزاجول exajoules سنوياً (الإكزاجول يساوي واحد جول مضروباً بواحد وبعده 18 صفراً، وهو يوازي 277777777778 كيلوواط/ ساعة)، فيما يقطن ثلثا سكان الأرض مُدناً كبرى.
حتى لو أنكره ترامب!
- عند منتصف القرن الحالي، تختفي 40 في المئة من اللغات المحكية التي بلغ عددها 6000 لغة عام 2013.
- مع نهاية القرن 21، ينخفض عدد الأنواع الحية بقرابة 25 في المئة بسبب ارتفاع درجة الحرارة والتأثير السلبي بيئياً للنشاطات البشرية، سواء صدّق الرئيس دونالد ترامب ذلك الأمر أم أنكره! وكذلك يتقلّص حجم التنوع البيولوجي بقرابة 20 في المئة بسبب ارتفاع درجة حرارة الأرض.
- عند منتصف القرن الحالي، تبلغ نسبة من يعرفون القراءة والكتابة 97.5 في المئة، كما يلامس عدد طلاب الجامعات نصف سكان الأرض! في تلك الفترة عينها، ينخفض عدد الهواتف الثابتة ليصل إلى 3.4 هاتف لكل مئة شخص، بينما بلغ المعدل 17.3 هاتف للفرد في 2013.
وكخلاصة، يرد في البال عبارة شهيرة تقول: «هنالك بطانة فضيّة لكل غمامة قاتمة»، وهي مقتبسة من مثل إنكـــليزي ذائع يشير إلى ظهور أمور جيّدة في سياق حوادث سلبية. وربما كان ارتفــاع مياه البحار وزيادة شدّة الأمواج من مؤشّرات فشل الحضارة تجاه البيئة، لكن... هناك بطانة فضيّة حقاً. ثمة إمكان لتوليد 800 تيراواط/ ساعة من الكهرباء سنويّاً (كل تيراواط/ ساعة يساوي مليون مليون واط/ ساعة)، بالاعتماد على حركة المياه في أعماق البحار!
وثمة مشروع ينتظر استكماله عام 2020، يسعى إلى استخراج الطاقة من عرض البحر المقابل لسواحل منطقة «بريتاني» الفرنسية. وإذا بلغ المشروع أقصى كفاءته، فلربما يستطيع رفد فرنسا كلّها بكهرباء متأتية من حركة الأمواج. وإذا نجح مـــشروع «بريتاني»، ينتـــظر أن تتــــكاثر مـــشاريع مشابهة له (بعضها موجود فعلياً على هيئة مبادرات تجريبية قابلة للتوسع) خلال العقد الخامس من القرن 21.
وتترافق تلك الحال أيضاً مع تراكم خبرات ومعارف علمية في ذلك النوع من الطاقة، وظهور صناعة متكاملة للآلات اللازمة لاستخراجها، وغالبيتها تركّز على صنع معادن تقاوم الصدأ، إضافة إلى الاهتمام بخفض تكاليف التوربينات المختصة بالعمل في المياه العميقة.
وفي السياق عينه، يجدر تذكّر مقولة شائعة عند المختصّين في طاقة الشمس تقول أن صحارى الكرة الأرضية تتلقّى من طاقة الشمس في 6 ساعات، ما يكفي لحاجة البشر كلهم في سنة كاملة.
وفي الولايات المتحدة، حاز مشروع عملاق لشركة «فيرست سولار» سجلاً مشرفاً منذ انطلاقته عام 2015، فبات نموذجاً لمشاريع مماثلة تمددت في قارتي أميركا. ويشمل المشروع 9 ملايين لوحاً شمسياً للطاقة الفولتية - الشمسيةSolar Photo - Voltaic، تولّد 550 ميغاواط/ ساعة من الكهرباء، ما يوازي نصف قوة مفاعل ذريّ. ماذا عن «جدار الشمس» الذي يطمح ترامب إلى تشييده بديلاً لجدار الفصل مع المكسيك: أيرى النور أم يلتحق بالوعود المخفقة للرئيس الشعبوي؟ إذا تحقّق، الأرجح أن يسجّل اسم ترامب بحروف من ذهب في سجل الطاقة النظيفة وتاريخها عالمياً!
من كل وادٍ عصا
هناك مجموعة من الوقائع التي تفيد في إضفاء رتوش أخيرة على الملامح العامة المتوقّعة لخواتم القرن 21. ربما تبدو غير منسجمة تماماً، بل أقرب إلى «كولاج» يرسمه القول الشهير «من كل واد عصا». وفي ما يأتي مسرد عن تلك الوقائع:
- تنكشف مساحات متزايدة من الأراضي المغطاة بالثلوج عند القطبين المتجمدين للكرة الأرضية، ما يزيد من انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون الذي يساهم في تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري. وإذا لم تنجح جهود ناشطي البيئة في كبح الاستثمار في زراعة تلك الأراضي، على غرار ما يحصل منذ اندلاع النقاش عن تكثيف الزراعة في جزيرة «غرينلاند» القطبية، يتوقّع تدهور حال الغلاف الجوي وتلوّثه، مع ما يرافق ذلك من كوارث متنوّعة.
- يُضاف خمسون يوماً إلى الأيام الفائقة القيظ سنوياً، مع الوصول إلى نهاية القرن الـ21.
- يتزايد ارتفاع مستوى المحيطات والبحار، ليفوق ما كانه قبل قرنين، بقرابة متر كامل. تأتي المياه الإضافية من استمرار الارتفاع في الحرارة السطحية للمياه، ما يؤدّي إلى ذوبان القطبين المتجمدين وجبال الجليد في المحيطات.
- يصبح ثلثا البشر من سكان المُدن في عام 2100. وتكون هذه النسبة 30 في المئة في «بابوا نيو غينيا»، وتلامس 99.7 في المئة في بورتوريكو.
- مع استمرار التطوّر في بلدان الجنوب، يصبح معظم السكان متمتعاً بالكهرباء والطرق والخليوي ومياه الشفة. وتصل معدل تغطية الخليوي إلى 150 في المئة في 2060، فيما كانت 78 في المئة عام 2010.
- يستمر توزيع الغذاء بين فئاته ثابتاً، على رغم الزيادة الظاهرة في استهلاك البروتينات، خصوصاً تلك المتأتية من مصادر حيوانية.
- يتراجع الفقر بشدّة (وفق المعايير المعتمدة في المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة حاضراً)، لكن ضيق العيش يستمر في مطاولة ما يتراوح بين 100 مليون و900 مليون شخصاً، عند الوصول إلى عام 2100.
- عالم أكثر إيماناً! نعم، وفق معطيات ديموغرافية متنوعة (خصوصاً وفق توقّعات «مركز بيو» الأميركي للإحصاء Pew Statistical Centre)، ترتفع أعداد المؤمنين من الأديان كلّها، مقابل انخفاض أعداد العلمانيين والملحدين. وتتزايد أعداد المسيحيين عند نهاية القرن 21، بقرابة 4 أضعاف، والمسلمين بثلاثة أضعاف، والهندوس بمقدار الضعفين، والأديان الصينية بمقدار 50 في المئة!
- تشهد العقود المقبلة من القرن الحالي ارتفاعاً قوياً في مصادر الطاقة المتجدّدة، إذ يتوقّع أن يستقرّ إنتاج الكهرباء عند مستوى 42 ألف تيراواط/ ساعة عام 2033. واستطراداً، يتوقّع أن يأتي معظمها من أشكال متنوعة من الطاقة المتجدّدة، تشمل الذرّة والماء والهواء والشمس والغاز النظيف والكتلة الحيوية ومفاعلات الاندماج النووي، إضافة إلى أجيال أكثر أمناً من المفاعلات المعتمدة على الانشطار الذري وغيرها. وفي المقابل، تتدنى مساهمة البترول في أشكاله كلها إلى ما يقارب... الصفر!
لنفكر أيضاً في سيناريو قاتم
إذا كان هناك من يعقد أصابع الرجاء ويتطلع إلى السنوات والعقود المقبلة بأمل وتوثّب، فثمة أيضاً من لا يرى سوى الأسوأ والأسوأ. أي الفريقين فائز؟ الأرجح أنّه يصعب الحسم، لكن من المستطاع مطالعة الأرقام الآتية التي تتمحوّر حول حال البيئة المثيرة للقلق دوماً:
- 10 في المئة: تلك هي الزيادة المتوقّعة في ارتفاع الأمواج عند نهاية القرن 21. ومنذ مطلع الألفية الثالثة، شهدت الأرض تبدّلاً ملحوظاً في مستويات الأمواج، بسبب التبدّل في نُظُم الرياح في الغلاف الجوي للكرة الأرضية.
- بالترافق مع زيادة مستويات غاز ثاني أكسيد الكربون في الهواء، تتزايد أيضاً معدلات ذوبانه في مياه المحيطات والبحار، ويرتفع تالياً مستوى حموضة تلك المياه، بل ربما وصلت إلى قرابة 8.1 من الحموضة، إذا ارتفعت حرارة الغلاف الجوي بـ4 درجات خلال القرن 21.
- يتوقّع اختفاء الجليد من المحيط المتجمد الشمالي في غير فصل الشتاء، بل وصولاً إلى أيلول (سبتمبر) سنوياً، عند نهاية القرن 21، مع العلم أنّ مساحة الجليد في ذلك المحيط كانت 8 ملايين كيلومتراً مربعاً في عقد الخمسينات من القرن العشرين.
- في حال استمرت المستويات الراهنة في انبعاث غازات التلوّث المرتبطة بتفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري، ترتفع الحرارة بـ4 درجات مئويّة عند نهاية القرن 21. وفي المقابل، إذا نجحت جهود خفض انبعاثات تلك الغازات، فلربما لا يزيد هذا الارتفاع عن 0.9 درجة مئوية.
- زيادة الاضطراب في نُظُم الرياح والأعاصير والأمطار بطريقة تتسبّب في كوارث متوالية وواسعة، وهو أمر يعتبر استمراراً لظاهرة سادت معاناة كبيرة منها منذ مطلع القرن الحالي. وينطبق الوصف عينه على اندلاع النيران في غابات أوروبا وأميركا الشمالية وأصقاع من آسيا وغيرها.
- تصل طبقة غاز الأوزون إلى ما يزيد على ضعفي معدّلاتها حاضراً فوق أوروبا، بل تلامس الـ110 ميكروغرام في المتر المكعب من الهواء في 2100.
- تشهد 39 في المئة من الكرة الأرضية أحوالاً مناخية مضطربة لا سابق لها إطلاقاً.
في البحث عن الماء المفقود
نعم، ومع الاعتذار من عنوان رواية الكاتب الفرنسي مارسيل بروست «في البحث عن الزمن المفقود»، لنبحث بجهد وجدٍّ عن الماء لأنه مفقود فعلياً وحرفياً، إذ تبرهن معطيات علمية كثيرة التضاؤلَ المستمر في موارد المياه (إضافة إلى الانقراض المستمر في أنواع النبات والحيوان)، بأثر من هدر الموارد وسوء استخدامها. ويتخوّف البعض من تأثير ذلك في المعدل المتوقع حسابياً لحياة الفرد، وهو الذي سعت المجتمعات الحديثة إلى زيادته دوماً. وكذلك تبذل جهود كبرى لتقليص الفارق بين أرقام ذلك المعدل عينه في الدول النامية من جهة ونظيره في الدول الغنية من الجهة الثانية.
ما هي الوقائع في شأن ذلك الأمر؟ تفيد أرقام حديثة باستمرار الارتفاع في المعدل المتوقّع لحياة الفرد مع توقع وصوله إلى مئة عام عند منتصف القرن 21. ويرجع ذلك الإنجاز التراكمي إلى نجاح مجموعة من الاستراتيجيات العالمية في شأن مواجهة تحدّيات البيئة والغذاء، ونجاح العلماء في السيطرة على الأمراض المُعدية، وكذلك الأمراض المزمنة غير السارية كالسكري وارتفاع ضغط الدم، وهي كانت من الأسباب البارزة للوفيات المبكرة نسبياً في عقود ماضية. وكذلك تقدّر استطلاعات عالمية أن الفرد بات يعيش عمراً مديداً مع حياة أشد غنًى بالتجارب والذكريات.
في المقابل، يؤدّي ارتفاع منتظر في المعدل الحسابي لسني حياة الفرد، إلى زيادة عدد سكان الأرض، وارتفاع نسبة أمراض الشيخوخة المتأخّرة، إضافة إلى ضرورة توفير أعمال مناسبة لمن تجاوزوا سبعين سنة عمراً!
وإذ ينتظر ظهور عالم يرافق فيه الفرد ابنه وحفيده وابن حفيده في مسار حياتهم، تضحي حياة الفرد مرشحة لأن تتضمن تجارب مختلفة عما نعيشه حاضراً. وعند نهاية القرن 21، تتغيّر أحوال السياسة والاقتصاد والثقافة، وتتبدّل أنماط الرسم والغناء والرقص وغيرها. وقياساً على تجارب الحاضر والماضي، يتوقّع أن تشهد تلك المناحي تنوّعاً عند نهاية القرن الحالي، يفوق أشد المخيلات شططاً وسوريالية!