من ناحية مبدئية، كانت الفترة التي أعقبت هزيمة الخامس من حزيران (يونيو) لا سيما في مصر، فترة تراخت فيها الرقابة بعض الشيء. ويمكننا أن نقول أن ذلك التراخي لم ينبع يومذاك من ضعف أحسته السلطات السياسية، ولا طبعاً من قناعة بأن الوقت حان أخيراً لإعطاء الشعب عموماً والمبدعين خصوصاً إمكان التعبير عن أنفسهم وتحمّل مسؤولياتهم في إعادة البناء، بل كان للوصول إلى نوع من التنفيس يخفف الاحتقان العام ويعطي انطباعاً بوجود قدر من حرية ما. وضمن هذا الإطار نعرف أن أعمالاً فنية وأدبية كثيرة ظهرت، وبعضها أثار الدهشة لجرأته. والحقيقة أن بعض تلك الأعمال كان مخلصاً في موقفه وفي رغباته الإصلاحية، فيما كان بعضها الآخر يلعب لعبة السلطات التنفيسية، أما بعضها الثالث فكان من إبداع كتّاب وفنانين هم أصلاً من المناوئين أيديولوجياً للسلطات القائمة، بصرف النظر عما إذا كانت مخطئة أو مصيبة. وهؤلاء بالتحديد وجدوا الفرصة سانحة للتعبير عن عدائهم المزمن للثورة نفسها، بخاصة لـ «زعيم الثورة»، وذلك تحت قناع الرغبة في الانتقاد. وطبعاً ليس هنا مجال التصنيف بالنسبة إلينا وليس من همومنا أن نفرز بين شتى أنواع المنتقدين وتطلعاتهم، خصوصاً أن مثل هذا التوجه سيوصلنا إلى محاكمة للنيات ليس هنا، كذلك، مجالها. كل ما نريد من هذا التقديم هو أن يشكل مدخلاً للحديث عن واحد من الكتّاب المصريين الذين تبدوا الأكثر شراسة وراديكالية في الانتقاد، وعن واحدة من مسرحياته التي كانت الأكثر تعبيراً ليس عنه هو فقط، بل عن تيار بأكمله من مبدعين مصريين.
> نعني هنا طبعاً الكاتب رشاد رشدي، وبالتحديد مسرحيته «بلدي يا بلدي» التي اندلعت كالقنبلة وسط الحياة الفنية والثقافية المصرية عام 1968 على اعتبارها واحدة من أكثر المسرحيات التي «تجرّأت» على انتقاد ما اعتبر يومذاك عبادة الشخصية، وطبعاً في شكل موارب. والحقيقة أن هذه المسرحية لم تكن في ذلك الحين فريدة في موقفها، بل حتى في موضوعها المباشر، فهي تزامنت تقريباً مع أعمال عدة مشابهة لكتّاب لا يقلّون أهمية عن رشاد رشدي، بل حتى لكتّاب كانوا أكثر منه بكثير انتماءً إلى الثورة المصرية وقائدها. وحسبنا أن نورد هنا مثلين أساسيين: مسرحية «الفتى مهران» لعبدالرحمن الشرقاوي ومسرحية «إنت اللي قتلت الوحش» لعلي سالم. وكانت كل من هاتين المسرحيتين تحاول أن تقول الشيء ذاته: إن البطانة المحيطة بالرئيس والمنتفعة من حكمه، فصلته تماماً عن الشعب الذي بجّله في البداية وأعطاه مكانته، وبالتالي فإن الكوارث التي تحل بالبلد والناس هي نتيجة لذلك الفصل بين هؤلاء وبطلهم.
> ولم تقل «بلدي يا بلدي» في الحقيقة أي شيء آخر. لكن اللعبة الفنية أتت لدى رشاد رشدي متميزة، إذ إنه قسم الزمن المسرحي إلى زمنين متباعدين، وجعل لغته المسرحية مزدوجة فيها تفاوت واضح بين الماضي والحاضر. لكن البطل ظلّ هو نفسه في الحالين: السيد البدوي حين يطالعنا جزء من زمن المسرحية وهو يدور بعد مئة عام من موته وقد بات الآن ولياً من أولياء الله الذين يبجلهم الشعب البسيط، ثم يطالعنا الجزء الآخر من المسرحية بأحداث تدور في حياة الولي حين كان في طنطا بطلاً شعبياً يقاوم إحدى الحملات الصليبية بنجاح صحبة مناضلين من الشعب الذي ما لبث أن حوله من زعيم شعبي إلى واحد من الأولياء جاعلاً له مقاماً وكرامات ومعجزات تصل إلى حد الخرافات. فكان أن تحول البطل المقاوم إلى أسطورة وحكاية شعبية، لا سيما على أيدي أولئك المنتفعين الذين إذ جمّدوه في الضريح أفقدوه أي تماسّ مع الناس وعاثوا في البلد فساداً ونهباً. لقد كان الرمز هنا واضحاً، لا سيما حين يحدث آخر المسرحية أن ينزل البطل ليتجول في الشارع فلا يتعرف إليه أحد!
> «قصة حياتي هي قصة طفل مصري نشأ في ظل الاستعمار البريطاني، فعشق الحرية كما عشق مصر وأصبح كل هدفه تحريرها أرضاً وإنساناً وفكراً وروحاً. ولقد نشأت منذ بدايتي على عشق المسرح والتدريس والصحافة (...). لقد مررت في حياتي المتجددة الأطراف بتجارب كثيرة، ولكن إذا سألني سائل بماذا خرجت أو سأخرج في هذه الحياة فسيكون جوابي: حب الله وحب الجمال في كل ما صنعه الله وما صنعه الإنسان... بهذا، عشت ونعمت وسعدت». هذا الكلام الشفاف والرقيق كتبه عن نفسه واحد من الكتّاب المصريين الذين أقل ما يمكن أن يقال عنهم أنهم كانوا، في بداياتهم كثيري الوعود، تنم أعمالهم وتحركاتهم عن موهبة وعن ثقافة لا شك فيهما، لكن الظروف شاءت لهم في ما بعد أن يكونوا موضوع استخفاف وكراهية الكثيرين. والكاتب الذي كتب عن نفسه هذا الكلام هو الدكتور رشاد رشدي الذي يحمل توقيعه ما لا يقل عن 35 كتاباً، ويعتبر بعض أعماله علامات فارقة في تاريخ القصة والمسرح في مصر، ومع هذا نجده في السنوات الأخيرة من حياته مرفوضاً من قبل الجسم الثقافي المصري، بسبب مواقف سياسية اتخذها، وممارسات سلطوية مارسها، جعلته، في نظر خصومه «يخون نفسه قبل أن يخون الآخرين».
> ولئن بدا رشاد رشدي ملعوناً ومرفوضاً من جانب كثرٍ، طوال عهد الرئيس أنور السادات الذي حضنه ودافع عنه، فإنه في الوقت ذاته ظل محافظاً على مكانته لدى فريق آخر من الكتّاب والمثقفين، من الذين إما كانوا يرون آراءه في السياسة والفن، وإما كانوا يجدون أن في كتاباته وماضيه ما يمكن أن يشفع له. ومع هذا، حين رحل رشاد رشدي عن عالمنا عام 1983، تنفس كثرٌ الصعداء، وإن أعلنوا حزنهم على مواهب يقتلها الانغماس في العمل السياسي ورغبات السلطة القاتلة.
> ولد رشاد رشدي في القاهرة عام 1912، ودرس في مدارسها الابتدائية والثانوية ونال ديبلوم معهد التربية العالي فيها قبل أن يتوجه إلى إنكلترا حيث درس الأدب الإنكليزي في جامعة ليدز العريقة ونال فيها شهادة الدكتوراه. في بداية حياته العملية، اشتغل الدكتور رشاد رشدي مدرّساً في المدارس الابتدائية والثانوية قبل أن يصبح أستاذاً للأدب الإنكليزي في جامعة القاهرة التي أصبح فيها، لاحقاً، رئيساً للقسم الإنكليزي، وهو سيظل يدرّس هذه المادة، متفرغاً أو غير متفرغ، حتى الشهور الأخيرة من حياته. على الرغم من أنه ابتداء من السنوات الأولى من الخمسينات راح يهتم أكثر وأكثر بالأدب، لكن اهتمامه به، ظل في البداية محصوراً بكتابة القصة القصيرة حيث أصدر عام 1954 مجموعة في عنوان «عربة الحريم وقصص أخرى»، وهو سيصدر بعد ذلك ثلاثة كتب قصصية وروائية، كما سيصدر كثيراً من الدراسات الأدبية والنقدية مثل «فن القصة القصيرة» و «فن الدراما» و «نظريات الدراما من أرسطو إلى آلان» و «ما هو الأدب» و «تأملات حول مصر»... إلخ. غير أن إبداع رشاد رشدي كان، خصوصاً، في مجال الكتابة المسرحية، حين كان خلال مرحلة ازدهار القطاع العام المسرحي، إبّان العصر الذهبي للثقافة الناصرية، واحداً من أبرز كتّاب المسرح إلى جانب ألفريد فرج وميخائيل رومان وسعد الدين وهبه ومحمود دياب، حتى وإن كان اعتاد في ذلك الحين على إثارة الاحتجاج ضده. ففي الوقت الذي كان زملاؤه المذكورون يكتبون مسرحيات ناقدة للنظام، من داخله غالباً، تحاول إصلاحه، كانت مسرحياته هو، إلى جمالها وإبداعها الشكلي، تبدو غارقة في التبريرية، وفي مقدمها «اتفرج يا سلام» و «خيال الظل» و «بلدي يا بلدي» و «حبيبتي شامينا» و «حلاوة زمان»، هذا إذا لم تتهم بالرجعية وبالحنين إلى «ماضي ما قبل الثورة». من هنا، استناداً إلى تلك التفسيرات، اعتبر رشاد رشدي منذ ذلك الحين «كاتب النظام». وتم تأكيد ذلك من جانب خصومه بعد رحيل الرئيس عبدالناصر ومجيء حكم الرئيس أنور السادات، إذ بدأت مسرحيات رشدي منذ تلك اللحظة تؤيد النظام الجديد، وتندد ولو خفية بالنظام السابق له، وبدا ذلك في شكل واضح في «حبيبتي شامينا» كما في «محاكمة عم أحمد الفلاح» و «رحلة خارج السور» وغيرها.
> مهما يكن من أمر، فإن الرجل رحل في ذلك اليوم البارد من عام 1983، أي بعد أعوام قليلة من رحيل أنور السادات، ولا شك في أن الوقت حان لدراسة أعماله في شكل أكثر جدية، بعيداً من احتدام العواطف السلبية والإيجابية تجاهه، هو الذي كان في حياته وعمله قادراً، فعلاً، على إثارة تلك العواطف.