الجمعة 3 يوليه 2026 — القاهرة

مقتل أستاذ بأيدي اثنين من طلّابه يطرح أزمة الجامعة في الجزائر

مقتل أستاذ بأيدي اثنين من طلّابه يطرح أزمة الجامعة في الجزائر

اهتزت الجامعة الجزائرية أخيراً على خبر مقتل أستاذ جامعي يدعى قروي بشير سرحان على يد طالبين توأمين استخدما في تنفيذ جريمتهما، سكيناً ومطرقة. حادثة هالت الوسط الجامعي والشارع في الجزائر، بالنظر إلى خطورة الجريمة وارتفاع منسوب العنف الذي بلغ حد القتل في وسط من المفروض أن يتحاور ويتناقش رواده ويتباروا بالأفكار والعلوم والبحوث لا بلغة العنف المفضي إلى القتل.

وسارع أساتذة جامعيون بدعوة من نقابتهم التي تعاني أصلاً من انقسامات إلى تنظيم وقفات احتجاجية على مقتل زميلهم، وتبعتها وقفة أخرى أمام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تحت شعار «لا لاغتيال العقل» نظمها مثقفون وأساتذة، للتنديد بالعنف المستشري، وللدفع بالوصاية إلى التحرك بغية وضع حد لهذه الظاهرة التي أصبحت تهدد مستقبل الجامعة كصرح للعلم والمعرفة من خلال تدخل صارم وجاد، بعد أن تواترت أحداث عنف كانت الجامعات مسرحاً لها وكان أبطالها طلبة وأساتذة على السواء.

وفي تفاصيل الحادثة فقد وُجد أستاذ القانون في جامعة خميس مليانة (120 كلم غرب العاصمة الجزائر)، قروي بشير سرحان، جثة هامدة تسبح في دمائها، إثر تعرضه لأكثر من عشرين طعنة سكين، إلى جانب إصابته بجروح نتيجة تعرضه للضرب بواسطة مطرقة.

وتضاربت الروايات حول الأسباب الحقيقية وراء إزهاق روح الأستاذ، إذ شاع مع انتشار خبر الفاجعة، أن الضحية منع أحد الجناة من الغش في امتحان نهاية السنة، وهو ما أكدته عائلة الضحية في تصريحات إعلامية بلسان شقيقته. غير أن وزير التعليم العالي والبحث العلمي الطاهر حجار، نفى أن تكون للجامعة أي صلة بالحادثة، إذ شدد على أن المتهمين لا يَدرُسان في الجامعة التي يشتغل فيها الأستاذ المغدور، والجريمة وقعت بعيداً من أسوار الحرم الجامعي وبالتحديد في ولاية تيبازة (نحو 80 كيلومتراً غرب العاصمة الجزائر)، وعليه استغرب أن تنظم وقفات احتجاجية أمام وزارته.

وأوضح الوزير أن الجانيين بين أيدي العدالة ويتم التحقيق معهما، في انتظار الكشف عن تفاصيل الجريمة وأسبابها. تصريحات زادت من الغموض المحيط بالأسباب الحقيقية للواقعة. وفي الوقت ذاته قلل الوزير من ظاهرة العنف في الوسط الجامعي، معتبراً أنها ليست بالحدة التي يروج لها!

وتباينت وجهات النظر حول من يتحمل مسؤولية العنف الذي تشهده الجامعة، بين من يلقي الوزر كاملاً على الإدارة، فيما آخرون يلقون اللوم على الأستاذة والطلبة. ويرى الدكتور عبدالحفيظ ميلاط المنسق الوطني للمجلس الوطني لأساتذة التعليم الجامعي أن المنظومة الجامعية تشهد انتشاراً للعنف في كل أشكاله. ودعا ميلاط في ندوة إعلامية نظمت حول موضوع العنف في الجامعة، إلى تدخل المسؤولين عن القطاع لمعالجة الظاهرة والحد من استفحالها، محملاً مسؤوليتها للإدارة والمسؤولين في الجامعات، ومعتبراً أن الضحية هي الطالب والأستاذ على حد سواء.

أما المحلل السياسي والكاتب نجيب بلحيمر فيعتبر أنه «بصرف النظر عن دوافع المجرمين فإن الأهم في القضية أنهما طالبان، وعندما يصبح الطالب بهذه الوحشية فإن الأمر يستحق أن يدرج ضمن المآسي التي تعاني منها الجامعة والتي تتطلب تحركاً فوريا». وأوضح بلحيمر أن العنف «بات يستعمل داخل الجامعة في شكل يومي من قبل أطراف عديدة، وهو يدفع الجامعة إلى إفلاس أخلاقي محقق، وقضية مقتل الأستاذ لم تفعل إلا أن أعادت فتح الموضوع».

أما رئيس القسم السياسي في جريدة «الخبر» محمد شراق فقدر أن «ما حدث للأستاذ الجامعي، هو واحدة من العواقب المتوقعة بالنظر إلى أن منظومة الحكم رفعت يدها عن الجامعة منذ الفترة التي أعقبت العشرية السوداء». وأضاف: «هذه المنظومة سخرت الريع النفطي من أجل تحسين صورة الحكم وتلميعه على حساب الكثير من الجوانب التربوية والاجتماعية التي أخذت في التآكل بفعل انهيار العلاقات الاجتماعية وانتقلت العدوى إلى الجامعة، التي لم تعد تنتج الأفكار بل غرقت في تكرار ما هو موجود منها».

ويحدد شراق أسباب ترهل الجامعة بأنها بدأت بضعف مستوى الطالب وانتقلت إلى ضعف مستوى الأستاذ، ما جعل الرداءة هي القاسم المشترك الذي يجمع الطالب بالأستاذ»، ومن هنا، «فقدت الجامعة قدسيتها وارتهن الحرم الأكاديمي لدوامة تورط الأستاذ والطالب في علاقة بيع وشراء».

ويحمل المتحدث الحكومة المسؤولية باستقالتها «من تسيير الحرم الجامعي من حيث غياب سلطة العقاب وترك الشركاء الجامعيين يتدبرون شؤون الجامعة فتدبروها على مقاسات خاصة».

الدكتور نوري إدريس أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة سطيف يرى أن ما حصل هو «نتيجة استقالة الأساتذة الجامعيين من إدارة الجامعة، ومساءلة طريقة إدارة شهادة البكالوريا، كما وعزوفهم عن المطالبة بالمشاركة في تحديد الخيارات التربوية الكبرى، وانبطاحهم أمام كل القرارات الفوقية وكأنهم غير معنيين بها».

ويغوص الدكتور نوري إدريس في تحليله الوضع، بالقول إن «الأساتذة حولوا بأنفسهم وبأيديهم نجاح الطالب من استحقاق علمي إلى حق نقابي التقى وتفاعل مع سياسة التساوي في المجتمع، وهي بدورها تسير جنباً إلى جنب مع الإقصاء، والمحسوبية، والرشوة، والفساد، والزبائنية». ويضيف: «حينما يلتقي كل هذا، سيتحول العنف والبلطجة ممارسة يومية نتعايش معها إلى أن يصبح الاعتداء والقتل والنهب أشياء عادية لا تثير أي رد فعل في المجتمع».

ويبدو أن قضية مقتل الدكتور سرحان هي انعكاس لوضع تعيشه الجامعة والمجتمع الأوسع، حذر من تبعاته الدكتور ناصر جابي أحد ابرز الأكاديميين في الجزائر والمختص في علم الاجتماع، في رسالة استقالته من الجامعة وتفضيله خيار التقاعد بدل مواصلة التدريس. وجاء في الرسالة أن الجامعة الجزائرية، لم تعد قابلة للإصلاح، وأنّ أوضاعها ستزداد سوءاً مع الوقت. وتضيف الرسالة أن «الاعتداء على الأساتذة والعنف داخل الحرم الجامعي على سبيل المثال، سيزدادان ويتطوران، لأن شروطهما الموضوعية والذاتية متوافرة كلها في معظم المؤسسات بدرجات متفاوتة. وأن المستوى التعليمي للطلبة والأساتذة، سيتجه نحو الأسفل في شكل أوضح».


مصدر الخبر
الحياة

أخبار متعلقة