تابعت المسلسل وبشكل عام، لم يكن متماسكًا دراميًّا، وقد اعتمد بشكل كبير على نجومية عادل إمام في الأساس وفريقه وهم ممثلون كبار، كمصطفي فهمي وشيرين ولبلبة وخالد سليم وتامر هجرس وخالد سرحان وكمال أبو رية وغيرهم، والمتألقة هنا الزاهد وهو ليس أول ظهور لها، ولكنه ظهور متميز يبشر بسندريلا جديدة للشاشة المصرية، ولكن الرسالة المرسلة من خلال المسلسل رسالة سلبية للغاية، فلم يظهر أجواء التسامح المرجوة من المسلسل، وقد غضب المسيحيون من ظهور الأسرة الإيطالية بشكل سلبي للمسيحية، وإن كان الأمر لا يتعلق بالمسيحية بقدر ما يتعلق بالثقافة الأوروبية الأكثر تحررًا من قيود الحلال والحرام، أو فلتقل عنها تحللًا إن أردت، ولم يوضح المسلسل الفرق بين علاقتنا باليهود وعلاقتنا بالصهاينة، فليس كل يهودي صهيونيًّا، وليس كل صهيوني يهوديًّا، فهناك صهاينة مسيحيون، يتبنون نفس العقيدة اليهودية، بما يسمي أرض الميعاد، ويبررون استيلاء الإسرائيليين على الأرض، وللعلم فما زال هناك يهود في مصر، وقد عقدوا في المعبد اليهودي في رمضان هذا العام حفل إفطار للمسلمين حضره عدد من القادة السياسيين وقادة الفكر، وهو تأكيد على روح التسامح المصرية، فهؤلاء يهود رفضوا الهجرة من مصر سواء إلى إسرائيل أو لأي جهة أخرى، وربما تحملوا مشاعر العداء والكراهية التي يبثها مشايخ التطرف، وهو موقف جيد من قادة الفكر والسياسة أن يستجيبوا لتلك الدعوة، ولكن المشكلة أن يتورط كاتب كبير كيوسف معاطي ونخبة من الفنانين الكبار، في تسطيح المسألة وإبراز مشاعر العداء والكراهية لجميع الأطراف.
ولم يكن معتز ممثل التطرف في المسلسل هو الوحيد، وازداد الموضوع سوءًا في مشهد هجرس والملياردير الهندي، فقد وقعوا في خطأ كبير، وهو أن كمار خان هندوسي، فأي مشاهد للأفلام الهندية يدرك أن خان هو لقب للمسلم، فشاروخان الممثل الهندي الأشهر ليس هذا اسمه، فالاسم هو شارو فقط وخان لقب مسلم، وسلمان خان وهكذا، فكمارا خان بالطبع ليس هندوسيًّا، كما روج المسلسل. ثانيًا الغضب الشديد من لبلبة تجاه ابنها الذي سيسافر للهند كان أكثر غضبًا من سفر خالد سليم لإسرائيل، رغم أن الهند لم تغتصب لنا أرضًا، بل على العكس يتوفر للمسلمين فيها فرص جيدة للحياة والعمل والتسامح، والدليل هذا العدد من الأبطال في السينما الهندية من المسلمين وهم أهم أبطال السينما الهندية على الإطلاق، ويلقون محبة كبيرة من الشعب الهندي، دون الاعتبار للديانة.
وكان المهاتما غاندي هو زعيم السلمية في العالم، وسيظل مُنظر السلمية الأول، الذي استطاع قهر الاحتلال دون طلقة رصاص واحدة، ودفع حياته للحفاظ على سلمية الهند وبها أكثر من ألف طائفة، والهند الآن على قمة الدول في إنتاج البرمجيات، وهي أفضل الديمقراطيات في الشرق على الإطلاق، وتصعد محتلة مكانة اقتصادية كبيرة في العالم الآن، وهي دولة نووية.
المشهد الغريب أن تامر هجرس وهو ذاهب إلى الهند، عندما قال له عادل إمام: لا إله إلا الله، لم يكمل محمد رسول الله، على أساس أنه ذاهب إلى الهند وكأنها بلد الكفر، رغم أن الهند بها أكثر من 200 مليون مسلم، بما يعادل تقريبًا مسلمي الأمة العربية جمعاء، وعندما عاد قال: محمد رسول الله، مشهد غاية في الغباء وغير واضح ويبعث على البلبلة.
أما قضية الزواج من غير كتابية فهو أمر غير محسوم، فقد قبل ابن حزم والشوكاني زواج المسلم من المجوسية والصابئية، وهم الموحدون، خاصة أن الآية الكريمة، " إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" (62) سورة البقرة .
"إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" (69) سورة المائدة.
"إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" (17) سورة الحج.
ويقال في المنقول إن سلمان الفارسي قال للنبي الكريم إن والديَّ كانا خيرين ويعملان الصالحات، وقد اعتبر الفقهاء أن المجوس أهل كتاب، لأن المجوسية هي الديانة الزرادشتية نسبة لنبيهم زرادشت، ولهم كتاب مقدس يسمي "الأفيستا"، وهم لا يعبدون الله الأعلي، ويعتبرون النار والماء مجرد مطهرات للروح، وهي من مخلوقات الله المقدسة، وإذا كان الفقهاء القدامي قد اختلفوا في أمر هام مثل هذا وفتحوا الباب للمجوسية والصابئية أن تتزوج المسلم، رغم وضوح الآية للجميع، "وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" (221) البقرة، رغم أن الآية لم تفرق بين المسلم والمسلمة، ولكن هل يجوز للفقهاء اليوم الجرأة في التجاوز ما دام هناك مرونة في تأويل النص، وأدعوا القراء لمشاهدة فيلمين هنديين خطيرين، الأول هو مي نيم إذ خان للعبقري شاروخان، وفيلم pk لعمران خان، والفيلمان تعرضا لزواج مسلم بهندوسية، وبعد مشاهدة الفيلمين فعليكم أن تفتوا بقلوبكم.
وفكرة أن الهنود يعبدون البقر هي أكذوبة كبيرة، ربما ليس لهم إله واحد كما لنا، وليس تعدد آلهة أيضًا، فكل طائفة لها إله منفرد يسمونه إله الآلهة، فهو واحد لدى تلك الطائفة، والبقرة لها قداسة، لما تنتجه للإنسان من الوفرة، وذبح البقر ليس مجرمًا في كل الولايات، بل يسمح به في بعض الولايات، وتنقل البقر من الولايات الممنوع فيها الذبح للمسموح وإن كان هذا مجرمًا ولكنه يحدث، وهناك كثير من الهنود لا يأكلون أي لحوم حيوانية، ويعتبرون قتل الحيوانات نوعًا من الوحشية، وقد تأثر بتلك الفكرة كثير من غير الهنود من المسلمين والمسيحيين، وما يطلق عليهم النباتيون.
وقداسة البقرة في الهند تشبه قداسة الحجر الأسود عندنا في الإسلام، ومن العسف والجور أن يتهمنا أحد بأننا نعبد حجرًا، كذلك من العسف والجور أن ندَّعي أن الهندوس يعبدون البقر، فلا تضللوا الأجيال اللاحقة حتي لا يفقدوا الثقة في كل ما تقدمونه من معلومات عن الآخرين.
والهندوسية لهم عدة كتب للحكمة، ويدعون إلى فضائل الأعمال والعمل الصالح، والمحبة، وغير ذلك من القيم الإنسانية.
لا بد أن ننفتح أكثر على العالم، وأن نتسم بدرجة أعلى من التسامح وقبول الآخر، وأن ما وراء الطبيعة من المعتقدات ليس مجالًا للنزاع، لأن لكل عقيدته في ما وراء الطبيعة، ومن المستحيل تأكيد أي عقيدة هي الصحيحة، ولا يملك أحد الحقيقة المطلقة، من هذه النقطة ننطلق للتسامح وقبول الآخر، أما ما قدمه المسلسل في هذه النقطة، فهو طبخة فاسدة للغاية.