لا تتعلق أسئلة الإصلاح الاقتصادى بضرورته، فلا خلاف على ذلك، ولكنها تتعلق بمضمونه وأهم ما فيه توجهاته الاجتماعية لأن صحتها تقود بالتأكيد إلى تقليل صعوباته وبالذات تلك المتعلقة بقدرة المواطنين على تحمله، ومن ثم ضمان استمراره حتى يصل إلى غايته ، كذلك تتعلق الأسئلة بكيفية إخراجه أى بخطواته المتتابعة ومدى وطأتها وبالذات على الطبقات الفقيرة والشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة، ولا خلاف أيضاً على أن الشعب المصرى قد تحمل بقدر عالٍ من المسئولية أعباء الخطوات السابقة من الإصلاح وربما يعود هذا إلى شعبية الرئيس وشفافيته فى شرح المشكلة وضرورة التصدى لها.
لكن أحداً لا يستطيع أن يتجاهل المعاناة الهائلة للطبقات الفقيرة بالذات التى ترتبت على خطوات الإصلاح السابقة والتى يمكن أن نستشفها بسهولة من تجاوز معدل التضخم حاجز الـ 30 بالمائة قبل الخطوات الأخيرة التى يقدر الخبراء أن النسبة سوف تصل إلى 35 بالمائة على الأقل، وأعتقد أن الخبرة الأكيدة للحلقة المفرغة للخطوات السابقة تشير إلى أن قرارات رفع أسعار الوقود بالذات تفضى إلى حلقة مفرغة من ارتفاعات أخرى فى الأسعار تبدأ بأسعار النقل التى يتحملها المواطنون جميعا على نحو مباشر أولاً فى شكل ارتفاع تعريفة المواصلات أو تكلفة البنزين المستخدم فى السيارات الخاصة، ثم يتحملها المواطنون مرة أخرى فى شكل ارتفاع أسعار جميع السلع سواء نتيجة ارتفاع أسعار النقل وبنسب مغالى فيها عادة أو لأن منتجى هذه السلع يرفعون أسعار منتجاتهم حتى يحافظوا على القيمة النسبية لأرباحهم ، وينطبق الأمر نفسه على أسعار الخدمات لأن أصحابها يريدون الشييء نفسه .
لا خلاف كذلك على أن الحكومة قد مهدت لقراراتها الأخيرة بحزمة من الإجراءات المنحازة لأصحاب الأجور الثابتة والفئات الأكثر فقراً كما يتمثل فى العلاوات الاجتماعية الأخيرة وزيادة المعاشات وزيادة نصيب الفرد فى البطاقات التموينية بنسبة كبيرة، وتوسيع نطاق المشمولين بشبكة الحماية الاجتماعية وزيادة مخصصاتهم فى إطارها، لكن أسئلة الإصلاح هنا تتعلق بمدى كفاية هذه الإجراءات وهو أمر يحتاج دراسة، وبالنسبة لى على سبيل المثال باعتبارى من أصحاب الدخول الثابتة فإن زيادة المعاش تغطى بالكاد الزيادة فى تكلفة البنزين، أما بالنسبة للطبقات الفقيرة فقد أكد الرئيس غير مرة أن ما تفعله الدولة لهؤلاء غير كافٍ لكنها صعوبة ظروف الدولة ذاتها، غير أن أسئلة الإصلاح تمتد لتشمل منطق الإصلاح ذاته وأقصد به البدائل التى تلجأ إليها الحكومة لتحقيقه من وجهة نظرها.
وقد دافع رئيس مجلس الوزراء عن القرارات الأخيرة بقوله إن البديل سوف يكون أسوأ بكثير وهو صادق بالتأكيد، لكن السوء هنا بالتأكيد أيضاً من وجهة نظر الحكومة لأن المواطن العادى يرى أن هذه النوعية من القرارات هى الأسوأ بكثير من وجهة نظره وهو ما يفتح الباب لحديث البدائل وفيه يأمل الكثيرون فى ثورة فى النظام الضريبى المصرى وكفاءة عملية التحصيل بما يجعل القادرين يتحملون نصيبهم العادل من تبعات الإصلاح ، وفى حديث البدائل أيضاً يحن الكثيرون لإحداث طفرة فى تفعيل النظام التعاونى الذى يلغى كثيراً من حلقات الاستغلال بين المنتج والمستهلك، وعن نفسى أرى بعينى رأسى يومياً أن أسعار المنتجات التى يعرضها أصحابها بأنفسهم فى الطريق العام تساوى ثلث الأسعار الموجودة فى المحال «الراقية»، وفى حديث البدائل كذلك يطمح الكثيرون إلى التوسع فى دور الدولة فى التوزيع من خلال مزيد من المجمعات الاستهلاكية مادامت أجهزة الدولة عاجزة حتى الآن عن ضبط الانفلات غير المسئول فى الأسعار رغم أن هذه الفكرة تزعج الكثيرين من أصحاب المصالح وهى بالتأكيد تلقى بمزيد من الأعباء على كاهل الدولة هى فى غنى عنها لكنها المقابل الموضوعى لعجز الأجهزة المسئولة عن الرقابة على الأسعار .
تبقى أسئلة الإخراج، فمن المفهوم أن الحكومة تريد أن تكون لقراراتها صفة السرية حتى لا تؤدى المعرفة المسبقة بها إلى سلوكيات تزيد الأزمة كأن يقبل البعض على تخزين الوقود قبل ارتفاع سعره ، ورغم أنى لست مقتنعاً بما يكفى بهذا المبرر فإن مسألة الحفاظ على سرية القرار لا يمكن أن تصل إلى حد أن يصرح الوزير المسئول قبل اتخاذ القرار بساعات بأنه «لا موعد لتحريك أسعار البترول حتى الآن» لدرجة أن ردى على أول من أخبرنى فى الصباح الباكر بمشاجرات الركاب والسائقين بسبب ارتفاع تعريفة النقل نتيجة رفع سعر البنزين كان أن حرب الشائعات قد بلغت مداها، ويجب أن تعرف الحكومة أن المفاجآت السارة تقتل أحياناً وقد مات مشجع كروى مرة لأن ناديه أحرز هدف الفوز فى الدقيقة الأخيرة من المباراة فما بالنا بالمفاجآت السيئة؟
كان أمام الوزير ألف صيغة أخرى يحافظ بها على سرية القرار دون أن يدلى بتصريح منافٍ للحقيقة التى يرفض العقل أنه كان لا يعرفها ، وقد نشرت «الأهرام» فى اليوم التالى اعتذاراً »نيابة عن الحكومة« وكان هذا التعبير المهذب تلخيصاً بليغاً للموقف، وأخيراً وليس آخراً - فملف الإصلاح سيبقى مفتوحاً - كان أستاذنا الراحل الدكتور خيرى عيسى رحمه الله يدرس لنا فى مبادئ العلوم السياسية أن ما يحافظ على وحدة الأحزاب رغم هزائمها المتكررة هو «الأمل فى الانتصار» وأستعير منه الآن هذا التعبير ذلك أن ما يمكن أن يحافظ على وحدة الشعب المصرى فى ظل المعاناة الهائلة من آلام الإصلاح هو الأمل فى أن يرى ثماره وقد تجسدت فى تحسن مستوى معيشته فهلا بعثت الحكومة فينا هذا الأمل بوعود محسوبة؟ وقد سبق لها أن فعلت ذلك، لكن المطلوب هذه المرة هو ارتباط الوعود بالتنفيذ.