الأربعاء 1 يوليه 2026 — القاهرة

«حرب» العلاقات الدولية في هامبورغ

«حرب» العلاقات الدولية في هامبورغ

ليس في عاصمة الشمال الألماني ما يوحي بأنها دمّرت بالكامل تقريباً في الأسابيع الأخيرة من الحرب العالمية الثانية على أيدي القوات الجوية البريطانية والأميركية. لكن أجواء حرب، من نوع آخر، تخيّم منذ أيام على هامبورغ التي تستضيف قمة الدول العشرين و «نجمها» الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي استطاع، في أقل من خمسة شهور، أن يحدث بلبلة غير مسبوقة في العلاقات الدولية بإخراجه الولايات المتحدة من معظم الملفات الوفاقية الكبرى التي تطلّب الاتفاق حولها عقوداً من المفاوضات والجهود الديبلوماسية الدولية، وأطلق موجة عارمة من الاحتجاجات ضد أسلوبه ومواقفه داخل الولايات المتحدة وخارجها.

أكثر من عشرين ألف جندي نشرتهم الحكومة الألمانية في وسط هامبورغ وأرباضها، تحسّباً للتظاهرات التي بدأت طلائعها تنذر منذ يومين بمواجهات عنيفة أعلنت مجموعات معارضة استعدادها لتصعيدها إلى أقصى الحدود، فيما تجهد المستشارة أنغيلا مركل ومعاونوها منذ أسابيع لرصّ الصفوف في محاولة شبه يائسة لإقناع سيّد البيت الأبيض بالعدول عن مواقفه من تغيّر المناخ والتجارة الحرة.

على غير عادتها، وربما لكونها تدرك استحالة دفع الإدارة الأميركية إلى تغيير موقفها أو تليينه، وجّهت مركل انتقادات مباشرة وشديدة اللهجة في الأيام الأخيرة ضد «من يصرّون على تجاهل أخطار تغيّر المناخ أو ينكرونها... ويعودون بالعالم عقوداً إلى الوراء بفرض إجراءات حمائية على التجارة الدولية». ونجحت مركل في مسعاها إلى توحيد الصف الأوروبي الرافض إعادة التفاوض حول اتفاقية تغيّر المناخ، لكن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي أقرّ بأن ثمة تبايناً واضحاً في وجهات النظر حول معظم الملفات الرئيسية، قال: «إن الهدف ليس إحراج الرئيس الأميركي أو حشره في عزلة، بل إقناعه بالعدول عن بعض مواقفه». ويدرك الأوروبيون جيّداً مدى حاجتهم إلى الولايات المتحدة عسكرياً وأمنياً، ولا يغيب عنهم أن الذهاب بعيداً في محاصرة الموقف الأميركي أو إضعافه، من شأنه تعزيز موقف موسكو التي لم تعد تخفي مسعاها لزعزعة البنيان الأوروبي فيما تواصل توطيد محور جديد يمتدّ من الصين إلى تركيا.

ليس من يعتقد هنا أن «قمّة العشرين» ستنجح في معالجة الملفات الرئيسية الثلاثة المطروحة على جدول أعمالها: تغيّر المناخ والتجارة الحرّة واللاجئين. ولا تزال ذكرى قمّة الدول الصناعية السبع الأخيرة التي عقدت في تاورمينا أواخر أيار (مايو) الماضي نديّة في بال المراقبين الذين لا يغيب عنهم أن واشنطن يومذاك لم تكن أعلنت بعد انسحابها من اتفاقية تغيّر المناخ. لذلك، تركزت الأنظار في شكل شبه حصري على اللقاء بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، والذي يعتقد أنه حاول أن يعالج اثنين من أكثر الملفات الدولية إلحاحاً في الوقت الحاضر: الوضع في سورية وجوارها والأزمة المتفاقمة في شبه الجزيرة الكورية.

الأميركيون أعلنوا استعدادهم للتعاون مع موسكو من أجل تحقيق الاستقرار في سورية، ولن يدّخروا أي جهد لتوجيه اهتمام القمة نحو معالجة الملفّين السوري والكوري وتخفيف التركيز على الملفات الأخرى التي يعرفون مدى عزلة مواقفهم منها. أما الروس الذين يتابعون عن كثب ارتفاع منسوب الضغوط الخارجية التي تواجه إدارة ترامب المترنّحة داخلياً، فلم يصدر عنهم أي تلميح أو إشارة إيجابية في شأن القمة الثنائية التي لا شك أنهم يرون فيها فرصة أولى لقطف الثمار من الإدارة الأميركية الجديدة التي يتفرّغ مئات الديبلوماسيين والخبراء والمحللين النفسيين منذ أشهر لفك طلاسم مواقفها ومسالكها وتحديد المعايير للتعامل معها.

مصدر الخبر
الحياة

أخبار متعلقة