الأربعاء 1 يوليه 2026 — القاهرة

العراق جسر إعمار أو دمار المنطقة

العراق جسر إعمار أو دمار المنطقة
أدهش العراق العالم بانتصاره الكبير والسريع على تنظيم داعش، الذى قال الرئيس الأمريكى السابق أوباما إن التخلص من داعش يحتاج إلى 30 عاما، وأقل التقديرات رأت أن هزيمة داعش فى العراق تحتاج 10 سنوات. فكيف استطاع العراق المنهك بأربع حروب طويلة وضارية وفترات حصار مريرة، وصراعات داخلية مدمرة أن يحقق هذا الانتصار الكبير؟ 

عندما قرر الحاكم العسكرى الأمريكى للعراق بول بريمر حل الجيش العراقى كان يستهدف إضعاف الدولة العراقية وتقسيمها، ولهذا واكب قرار حل الجيش إصدار دستور جديد يسهل تمزيق العراق على أسس مذهبية وطائفية وعرقية، وجرى إنشاء جيش جديد يحمل كل بذور الضعف والانهيار، على أسس من الفساد والطائفية وإضعاف الانتماء الوطنى، أما التدريب والتسليح على أيدى الجيش الأمريكى فلم يكن بمستوى تدريب وتسليح قوة أمن داخلى. 

قبل أن تنسحب القوات الأمريكية من العراق تحت ضربات المقاومة فى عام 2011 كانت قد تركت العراق مهلهلا، وأطلقت عددا كبيرا من السجناء فى أبو غريب وكوبر، أصبحوا قادة تنظيم داعش، الذى وجد فى الدولة المفككة والضعيفة فرصة الانقضاض بمساعدة أجهزة مخابرات اشترت ذمم قادة عسكريين وزعماء عشائر، فكان داعش يجتاح مدنا كبيرة فى ساعات، وتسلموا من قادة عسكريين قواعد ومعسكرات لم تطلق رصاصة واحدة، وسيطر على نحو ثلثى العراق فى بضعة أسابيع. 

كان إيقاف زحف الدواعش على بغداد وكربلاء وأربيل نقطة بداية جديدة، فقد ظهر متطوعون لحماية بلادهم من مجازر ووحشية الدواعش، وأصبحوا يشكلون ما يسمى بـ«الحشد الشعبى»، وكان معظمه ينتمى إلى محافظات الوسط والجنوب ذات الأغلبية الشيعية، التى استجابت لدعوة المرجعيات الدينية بالدفاع عن البلاد، وجاءت بعدها خطوة إعادة بناء الجيش العراقي، والذى تبين أنه كان يمتلئ بأسماء جنود وضباط وهميين، وخضع تشكيله للمحاصصة الطائفية البعيدة عن معايير الكفاءة والانتماء الوطني، وامتد الفساد داخله إلى صفقات التسليح وغيرها، ولم تورد الولايات المتحدة إلا القليل جدا من السلاح الذى تعاقدت على توريده وتسلمت ثمنه، وجاء التلويح بالاعتماد على روسيا وإيران ليضطر الأمريكان إلى الوفاء ببعض التزامات التسليح والتدريب، للحيلولة دون ارتماء العراق فى أحضان إيران وروسيا. 

لقد اكتسب الجيش العراقى والحشد الشعبى مهارات قتالية كبيرة خلال السنوات الأربع الماضية، وتنوعت مصادر تسليحه من أمريكا وروسيا وإيران والصين، واستطاع تحرير معظم الأراضى التى احتلها داعش، ولم يتبق سوى بضع مدن وجيوب تنتظر قرار تحريرها بعد الانتصار الكبير فى الموصل. 

يحرص قادة العراق على الإعلان عن وقوفهم بعيدا عن الاستقطابات الحادة، وإقامة علاقات طيبة بكل من دول الخليج وإيران والولايات المتحدة وروسيا، وتكريس اهتمامهم بالمصالحات الداخلية، ورتق التمزقات التى تركها الاحتلال الأمريكي، وتخفيف حدة الاحتقان المذهبى والعرقى، وإعادة بناء العراق. 

لا يمكن تجاهل العلاقات الخاصة والوطيدة بين العراق وإيران، والتى لها أسباب كثيرة، فى مقدمتها أن العراق هو الدولة العربية الأكبر التى تحكمها أغلبية شيعية، لكن الحرب المريرة مع داعش أضرت السنة قبل الشيعة، وأقنعت كثيرين بأن التعايش على أسس المواطنة والمساواة هو الطريق لعراق مستقر وقوى، وجاءت الهزيمة العسكرية لداعش ومعها هزيمة سياسية لغلاة المتطرفين ودعاة الفتنة، لتفتح الطريق أمام انتقال العراق لمرحلة جديدة، تمكنه من تجاوز صراعاته الداخلية، وأن يصبح جسرا للحوار والتواصل والتهدئة وحل خلافات المنطقة، لأن البديل هو أن يصبح العراق أداة جديدة للاستقطاب والصراع والاشتعال، لأن اللعب على وتر التشنج المذهبى سيمتد من العراق إلى باقى دول الخليج التى بها أقلية شيعية لا يستهان بها، لتدخل المنطقة فى أتون صراع جديد أكثر تدميرا. 

إن العراق بحكم موقعه ومكوناته سيصبح مفترق طرق ونقطة تحول مهمة فى تاريخ وجغرافيا المنطقة، وليس من مصلحة شعوب المنطقة تفجير صراعات جديدة داخل العراق أو ضده، لأن بؤر التوتر والحروب كثيرة وممتدة بطول المنطقة وعرضها، ولا توجد دولة محصنة من عوامل الصراع والتفجير، فلم يكن الرئيس التركى أردوغان يتصور فى بدايات الأزمة السورية أن تركيا ستكون عرضة لخطر التقسيم، وأن النار يمكن أن تصل إلى أنقرة واسطنبول، وكذلك حكام قطر الذين تقدموا بطلب تجميد عضوية سوريا فى الجامعة العربية، وأصبحوا مهددين بالخروج من الجامعة ومجلس التعاون الخليجى، واعتقدت جماعة الإخوان أنها اقتربت من حلم الخلافة، فلم تجد إلا أوهاما وخرافة، وباتت تنخرها الانقسامات، وعادت إلى خطاب المظلومية والاستضعاف بعد أن كانت تتغنى بالتمكين والاستئثار، حتى دول الخليج التى ظنت أن أموالها ونفوذها وعلاقاتها ستحصنها من أى نيران تشتعل فى المنطقة، وجدت النيران تزحف إلى عقر دارها، وأن شظايا الحروب تتنقل بسرعة، ولا يمكن السيطرة على اتجاهاتها. 

إن المنطقة أمام منعطف غير مسبوق فى حساسيته وخطورته، ويمكن أن يصبح العراق بقعة ضوء وأمل فى احتواء الصراعات المريرة، وأن يتحول إعادة بناء العراق وليبيا إلى فرصة للخروج من الأزمات الاقتصادية بالبناء والتعمير، وأن يعود المصريون إلى العمل فى العراق الذى كان وجهتهم الأولي، وكذلك فى ليبيا التى كانت تستوعب نحو ثلاثة ملايين من العمالة المصرية، ولو جرى إنفاق نصف الأموال التى استنزفتها الحروب على البناء لتغير وجه المنطقة، وأصبحت أكثر تحضرا وأمنا، بدلا من اليأس والفقر والموت والخراب والخوف. 
مصدر الخبر
الأهرام

أخبار متعلقة