الجمعة 3 يوليه 2026 — القاهرة

شاشات عربية تُربك بوصلة المشاهد

شاشات عربية تُربك بوصلة المشاهد

يلوّح بعضهم بانتهاء شهر العسل بين العرب وقنواتهم الوطنية. ويشير بعضهم الآخر إلى أنه لم يكن هناك شهر عسل أصلاً وأن المسألة لم تكن أكثر من نزوة طائشة. ويرجح فريق ثالث أن يكون الوضع العربي التلفزيوني الراهن في مرحلة مخاض ثوري أو عودة لتثبيت ما قبل الثورات أو إعداد وتجهيز لما هو آت، ومن ثم ليس مقياساً أو معياراً. ويؤكد فريق رابع أن الشاشات – أي شاشات – لن تكون يوماً صوتاً للحق وأداة للحقيقة وانعكاساً للواقع لأنها سياسة.

السياسة التي تنضح بها الشاشات العربية في هذه اللحظات الفارقة في تاريخ المنطقة ليست أخباراً سياسية أو تحليلات استراتيجية أو عروضاً كشفية لما يجرى، بقدر ما هي أدوات بناء ومعاول هدم وأقلام لوضع التعديلات (الرتوش) النهائية لمستقبل المنطقة المقبل.

«قريباً نطالع حدوداً جديدة لدولنا وتقسيمات فريدة لمناطقنا التي نعيش فيها، بينما نحن أمام الشاشات. وسيشاهد كل منا حدوداً غير تلك التي يشاهدها جيراننا وذلك وفق القناة التي يشاهدها. وسيستمع لشرح تحليلي يجعل من تلك الحدود الجديدة أفضل ما حدث للعرب أو أسوأه وذلك وفق توجه المحلل وأجندة القناة التي يحلل منها».

لم يشر المواطن المصري العادي الذي أدلى بدلوه هذا، بينما يدخن نارجيلته في مقهاه المفضل أمام إحدى الشاشات العربية الإخبارية، إلى «أجندة» هذه القناة أو تلك باعتبارها سبة أو وصمة، بل اعتبرها من بديهيات الشاشات الفضائية المعروفة عند المشاهد العربي، الذي شبّ ونضج وعرف أن ليس كل ما يلمع ذهباً، وليس كل ما يقدم إليه عبر استوديو إخباري خبراً، وليس كل ما يقوله خبير استراتيجي تحليلاً، وليس كل ما ينشب من صراع في برنامج حواري خلافاً، ولا كل ما يعرض عليه باعتباره «توك شو» هو مجرد «توك» (كلام) أو حتى «شو» (عرض).

 

شك وريبة

عرض سريع لعلاقة المشاهد العربي بالشاشات يشير إلى نشوء المحتوى وارتقائه (على الأقل وفق المشاهد) من علاقة شك وريبة في محتوى ما تقدمه شاشاته الوطنية في ستينات القرن العشرين مروراً بسبعيناته وثمانيناته، وهو ما واكبه الاحتماء بشاشات وإذاعات أجنبية موجهة للعرب، ثم علاقة احتفاء وانتشاء بهبوب رياح القنوات الخبرية العربية التي حلت باقتدار محل قريناتها الأجنبية. هكذا علا الحس الخبري وارتقى المحتوى المقدم واكتسبت ثقة المشاهد باعتباره الخبر والمعلومة والتحليل من دون ميل أو هوى أو توجيه أو اضطرار لعودة إلى الشاشات الموجهة. ومنها إلى مرحلة في العلاقة اكتسبت زخماً ونالت عاطفة مع هبوب رياح الربيع ونسائم التغيير حين لعبت شاشات عربية بعينها دوراً مساعداً وعاملاً مؤججاً.

وحين انقلب الربيع خريفاً وتحول حلم التغيير كابوساً، دخلت العلاقة مرحلة صاخبة، بعضها تباعد وبعضها الآخر تقارب وذلك وفق الهوى السياسي والميل العقائدي. وحالياً، وبعد ست سنوات من الهبوب الشتوي /الربيعي تبدو ملامح هزة في العلاقة ورجة في الترتيب بين المشاهد والشاشات.

 

تحوّل عنيف

لقد خاضت الشاشات العربية نفسها مراحل تحوّل عنيف ودرجات متفاوتة من ضبط الزوايا وإعادة توجيه الغايات والأهداف والأولويات. فالشاشات الوطنية الرسمية استعادت قدراً من قيمتها المهدورة وبعضاً من هيبتها المنثورة. هذه الاستعادة سببها صحوة وطنية ومشاعر قلق شعبية مما تتعرض له دول المنطقة من جهود تفتيت منظمة ومحاولات إعادة رسم ممنهجة. بمعنى آخر، لم تخرج هذه القنوات بمحتوى فتاك أو تخضع لتحديث رهيب أعاد لها قواعدها الجماهيرية، بل إن العودة سببها رغبة فطرية لدى بعضهم في اصطفاف وطني يقيها شرور التقسيم وغبن التفتيت. والمقصود هنا تفتيت المواقف المتخذة في شأن الشاشات العربية الأخرى غير الرسمية، بين فقدان ثقة واستقطاب قوى ودق على أوتار عقائدية وشعبوية.

وبين جموع ترى هذه القناة مثالاً للموضوعية، وأخرى تعتبرها نموذجاً للتحيّز، وثالثة تعتبر تلك القناة قدوة في كشف الفساد وفضح الأنظمة القمعية ورابعة تتعامل معها باعتبارها أساس الفساد ورأس القمع، استيقظ المشاهد العربي على تبدد حلم شاشات عربية تغنيه عن الأجنبية الموجهة.

وجهة العلاقة الجديدة بين المشاهد والشاشات لم تصل محطتها الأخيرة بعد. فالشاشات الوطنية الخاصة التي توالدت وتكاثرت في سنوات ما بعد الهبوب الربيعي – والتي استحوذت على جانب غير قليل من الاهتمام الجماهيري- تتعرض لهزات عنيفة هذه الآونة. وبين متمسكين بمشاهدتها باعتبارها طريقهم إلى المعلومة وسبيلهم إلى الفهم المنزه عن الارتباط بالأنظمة والحكومات، ومعرضين عنها باعتبارها لسان حال النظام أو ناطقة باسم أصحاب المصالح، تمر القنوات العربية الخاصة بمرحلة إعادة هيكلة العلاقة مع المشاهد لم تتبلور بعد.

وإلى أن تتّضح معالم العلاقة بينهما في ضوء الهزات السياسية العنيفة والضربات الأمنية الخطيرة والتفسخات العربية الكثيرة واستقطابات المصالح العديدة، يجد المشاهد العربي نفسه مخيراً (وربما مضطراً) للجوء إلى أحد خيارين. الأول عودة إلى القنوات الأجنبية الموجهة، والثاني لجوء إلى البرامج الترفيهية ولا سيما فارغة المحتوى.

وعلى رغم ذلك، تظلّ هناك ملامح تحديث وعلامات تغيير. فالعودة إلى القنوات الموجهة باتت تصطبغ هي الأخرى بألوان التوجهات والانحيازات. فمن كان مع هذه الجماعة ضد تلك المجموعة يختار قنوات أميركية وبريطانية وألمانية. ومن كان يناصر تلك المجموعة على حساب تلك الجماعة يجد في قنوات روسية وصينية مراده. أما في ما يختص بالبرامج المفرطة في الترفيه، فهي حيلة قديمة للهروب من الواقع، سواء كان خبرياً موجهاً أو تحليلياً مستقطباً، لكنه يظل الأمثل والأوقع والأضمن في الظروف الراهنة.

مصدر الخبر
الحياة

أخبار متعلقة