الأربعاء 1 يوليه 2026 — القاهرة

فبركة الأحلام والرغبات

فبركة الأحلام والرغبات
نشرت صحيفة الأيام البحرينية مقالًا للكاتب «كما الذيب» يقول فيه إن التلاعب بأفكار الجمهور أصبح يشكل ما يمكن أن نطلق عليه مسمى (صناعة فبركة الرغبات)؛ حيث ارتقت هذه النزعة القديمة إلى مستوى العلم، تدرس فى الجامعات ضمن مناهج التسويق والإعلان والإعلام وعلم نفس الجماهير على حد سواء فى مختلف أنحاء العالم.
وتشتغل هذه الصناعة من خلال وسائل الإعلام والدعاية التى أصبحت قادرة ــ ضمن بعض وظائفها فى المجتمعات الرأسمالية والاستهلاكية ــ على سلب الناس وعيهم وبناء عالم بديل من الأوهام والاغتراب، فتقنيات الإقناع ما فتئت تتحسن للتفوق على حاجز العقل، وتفادى الموقف المشكك وإدخال رسالة محددة إلى عقولنا الباطنية، وقدرت إحدى الدراسات المنشورة من عدة سنوات فى فرنسا على سبيل المثال حجم التغطيات الإعلانية فى البلدان المتقدمة بمعدل 2500 لقطة إعلانية يتعرض لها الشخص الواحد يوميًا، حيث بث التليفزيون الفرنسى من خلال قنواته مجتمعة 500 ألف شريط دعائى فى عام واحد.
تشير نفس الدراسة إلى أن 85 فى المائة من مجموع الرسائل الدعائية التى تصل إلى مسامع وأنظار الجمهور لا تخترق انتباهه، ومن أصل الـ15 فى المائة المتبقية هناك 5 فى المائة تؤدى إلى نتيجة معاكسة «المفعول الارتدادى» لما هو متوخى مبدئيًا، وحدها نسبة 10 فى المائة تفعل إيجابًا مع التذكير بأن هذه النسبة تتحول خلال 24 ساعة إلى 5 فى المائة فقط، بفعل النسيان والانشغال والازدحام المعلوماتى، وتكون الـ 95% من الرسائل الإعلانية قد ذهبت هباء منثورًا من دون أى تأثير حقيقى أو فعال. ولكن، ومع ذلك، فإن رسالة مقتصرة على صورة واحدة يكون مفعولها كبيرًا جدًا ولا يتصور فى بعض الأحيان، لأن هذه الوسيلة المسماة «الصورة شبه الواعية» تجعل الدعاية غير محسوسة، إذ يصار إلى إدخال صورة غريبة بين الصور الأربع والعشرين التى تبثها آلة العرض السينمائية فى الثانية، فلا تنطبع هذه الصورة على شبكية العين، فالعين ترى والدماغ يأخذ علمًا لكن تحت عتبة الإدراك، وهذا هو مفعول «ما دون الحد»، وتعتبر هذه الصور غير شرعية لكنها تشغل تفكير العديد من الناس (الجمهور) وتؤثر فى توجهاتهم.
يقول الكاتب إنه بما أن الدعاية الإعلانية بكل أشكالها، تطمح إلى أن تكون فنًا للإقناع، فإن كل رسالة تحقق الغاية المطلوبة والمحددة بعناية بالغة، قائمة على أساس دراسة دقيقة لتوجهات ورغبات الجمهور وأحلامه وإخفاقاته. فقبل بث الإعلان مثلا، تخضع الصورة أحيانًا لاختبار «كاميرا العين»: فيتم تسجيل حركة العينين والحدقتين خلال مشاهد تجريبية يتم خلالها مراقبة ردود أفعال المشاهدين، لرصد تأثير الدعاية وتفاعل هذا الجمهور معها، من خلال آلة تصوير خفية لا يعلم بها الجمهور الخاضع للتجربة.
إن الإكثار من مثل هذه الاختبارات يسهل عملية التحديد الإحصائى لمسار العين وحركتها وتأثير المشاهد على الوعى واللاوعى، وخاصة ما تراه اولا وما يفوتها وما لا تراه أصلا أو تتجاوزه، ويتطلب هذا العمل أبحاثا طويلة المدى تنتج من مساهمة اختصاصيين من فروع مختلفة: علماء الاجتماع، علماء النفس، علماء السيمياء، علماء الألسنية، الرسامون والمزينون إضافة إلى مختصى الدعاية والتسويق.
وتعد هذه الدعاية فى اتجاهها العام بعدد من الوعود وتحقيق الأحلام والرغبات المكبوتة والمعلنة معا وهى تدور فى مجملها حول: تحقيق الرفاهية والراحة والفاعلية والسعادة والنجاح والجمال والصحة والمرح والقوة وغيرها. فهى تلوح بوعد الاكتفاء، تبيع الحلم وتقترح مختصرات رمزية فى اتجاه الصعود الاجتماعى السريع، إنها تفبرك الرغبات وتقدم عالما من العطلة الدائمة فيه الانشراح واللامبالاة، مسكون بأناس سعداء يملكون أخيرا المنتج العجائبى الذى سيجعلهم جميلين ونظيفين وأحرارا وأصحاء، مرغوبين وحديثين.
كما يؤكد الكاتب هنا على أن الدعاية تبيع كل شىء تقريبا إلى الجميع، بمن فى ذلك الفقراء، من دون تمييز بين الفئات الاجتماعية واحتياجاتها، كأن المجتمع الاستهلاكى مجتمع من دون طبقات، وعلى افتراض ان للجميع رغبات وحاجات وأحلام يمكن بيعها. 
وعن طريق التراكم، تكرر الإعلانات وتؤكد الأوهام الكبرى المعاصرة: الحداثة والشباب والسعادة والترفيه والوفرة والصحة والشباب الدائم. وتبقى صورة المرأة مثلا محصورة داخل خطاب الداعية الفج المخاتل، لا يعترف بها فى الغالب إلا كأداة للذة أو كخادمة منزل، وارتهانها لا يتبدل، فهى تظل سجينة لنظرة الرجل. 
ويختتم بأن تركيز القنوات الإذاعية والتليفزيونية على الدعاية كمورد مالى رئيسى، يجعلها تستخدم الومضات الإعلانية التى تتخلل البرامج والافلام، وعادة ما تكون هذه الومضات قد تمت صناعتها فى الخارج ضمن نسق ثقافى وفكرى غربى لمصنعى ومقدمى السلع للترويج للثقافة الاستهلاكية التى هى جزء لا يتجزأ من متطلبات المجتمعات المنتجة، إلا أن الترويج للاستهلاك فى المجتمعات غير المنتجة يصبح مشكلة حقيقة، لأنه يعزز الخلل الحاصل فى دورة الاقتصاد، هذا فضلا عن التأثيرات الجانبية المتعلقة بالقيم الاجتماعية والفكرية وحتى الجمالية. 
مصدر الخبر
الشروق

أخبار متعلقة