في يونيو، عام 1968 كنت أعيش في
بالرغم من أنني فُزت بمسابقة شعر صغيرة في
لم أعد أتذكر من منّا راودته الفكرة لأول مرة، وهي أن نجعل
متوترة ومنفعلة، قضيت الساعة هائمةً على وجهي أخطو في طرقات إيسلا نيجرا الريفيّة بلا هدفٍ. رغم أنها لم تكن جزيرة فعلًا، فإن نيرودا هو من سمّاها، فكانت إيسلا بسبب عزلتها، ونيجرا بسبب نتوءات الصخور المظلمة في الخارج.
عندما عدت، تمامًا عند الواحدة، كان نيرودا رجلٌ ضخم الجثة على وجهه تعبير محقق- وماتيلدا، وامرأة شابة يجلسون على مائدة عشاءٍ مستديرة، وقدّ أعدوا مكانًا لي. قدّمني نيرودا إلى تيريزا كاسترو، سكرتيرته الأدبية. قدمّت لنا الخادمة عشاءً من أربع أطباق; أتذكر الطبق الرئيسيّ.. سمك سالمون طازج شهيّ. بعد انتهاء كلّ طبقٍ كان نيرودا يأكل الكثير من السردين كأنه توابل، كان هذا من طقوسِه. كان السردين برّاق وطازج، ينتظر على طبقٍ صغير أن يتم التهامه.
الزوجة الثالثة، برأيي، عادةً ما تكون قليلة الثقة. بالرغم من أن نيرودا وتيريزا يتكلمان الإنجليزية، فإن ماتليدا -زوجته الثالثة- لا تتكلمها. لكي نتضمنّها في محادثات الغداء وكي لا تظن أنني أتيت لسرقة زوجها، فقد أكملت حديثي بالرتغالية -فقد عشت عامًا كاملًا في البرازيل- بينما تحدثت هي ونيرودا وتيريزا بالأسبانية.. وتمكنّا من فهم بعضنا بصورة لا بأس بها.
تحدثنا عن رفض حكومتي دخول نيرودا إلى الولايات المتحدة، وبما أنه عضوٌ بالحزب الشيوعيّ التشيليّ فليس بوسعه الحصول على فيزا، كذلك. لقد كان ساخطًا، فهو لديه العديد من المعجبين داخل الولايات المتحدة ودعوات كثيرة من مؤسسات ذات مقامٍ عالٍ. تذكّر نيرودا بولع المرة الوحيدة التي سُمح له فيها بدخول الولايات المتحدة، عندما أصرّ الكاتب المسرحي
عندما كان يقيل نيرودا، أخذتني تيريزا في جولة داخل المنزل وخارجه، فقد كان يبدو من الخارج كما لو كان منزلًا عائمًا مع إضافات عشوائية. أما من الداخل، فكان مزدحمًا بتراكمات من كافة الأنواع. هوس نيرودا بالبحر كان ظاهرًا في كل مكان، مئات من الأصدافِ البحرية كانت تصطفّ على أرفف الكتُب وتغطّي أعلى كل طاولةٍ. كان هناك أدوات بحرية، سفن في زجاجاتٍ، رسومات لسفن، وسنةٌ حوت عنبر. أخبرتني تيريزا أسماء بعض التماثيل المثبتة في مقدمة السفن;
تيريزا وأنا كنا متقاربتان في السن، فاندمجنا بسهولة. حوالي الساعة الرابعة استدعى نيرودا تيريزا وأعطاها
قرأت قصيدته المكتوبة على الآلة ويدايْ ترتجفان. إنها مثالية لكتابنا.
أبلغته شكري من خلال تيريزا، وأوصلتني لمحطة الباص حتى أعود لسانتياجو. على
عندما وصلت إلى فندقي في سانتياجو، تلك الليلة، كان كينيدي مازال يحارب من أجل حياته، وأنا أشعر بالضعف اتخذت قرارًا في اللحظة الأخيرة. بدلًا من أن أحلّق فوق الإنديز، سأركب مواصلة عبر الجبال إلى مدينة مندوزا الأرجنتينة، وفي آخر مراحل الرحلة سأستقل طائرةً من مندوزا إلى بوينس آيرس.
في الصباح التالي، شاركت المقعد الخلفيّ للعربة مع رجل في متوسط عمره. وجلس إلى جانب السائق امرأةٌ في منتصف العمر. طوال الرحلة التي استغرقت حوالي خمسَ ساعاتٍ، لم تكف المرأة عن الحديث بصوت عالٍ مع السائق وكيف أنها ستظهر بلا دعوة في ميندوزا وتفاجئ زوجها عديم النفع، حتى تقبض عليه بجرمه هو وصديقته الجديدة، كان غضبها لا حدودَ له، حتى عندما كان يحاول السائق تجاوز بقعٍ ثلجية عند قمة الطريق.
بمجرد أن وصلت العربة إلى وسط ميندوزا، صرخت المرأة في السائق أن يتوقف. قفزت خارج المواصلة، ركضت إلى رجلٍ وامرأة، أخرجت سكينًا من حقيبتها، وغرستها في ظهر الرجل.
لعدة ثوانٍ، تجمّدنا نحن الثلاثة في مقاعدنا، وأما الإمرأتين فشرعتا في الصياح في بعضهما البعض، تاركين الرجل ينزف على الرصيف. ثم قفز السائق، والراكب إلى جواري، وأنا خارج العربة. شاهد المشاة ما حدث غير مصدّقين. ثم صرخت المرأة: "هذا هو زوجي، هذا الزاني، أتمنى أن يموت! يموت وهو يتناول هذه الحلوى! إنه يستحق موتةً كهذه!"، أما
لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا من الشرطة والإسعاف ليأتوا، أخذوا المرأة الغيور. وزوجها، الذي
مبتعدةً عن مسرح الجريمة، مررت بكشك ولمحت العنوان الرئيس "بوبي كينيدي قد مات"، الليلة الماضية، بعد أربعٍ وعشرين ساعة من وقت اطلاق النار عليه. اشتريت جريدةً وقرأت القصة كاملةً. كانت رحلتي إلى بوينس آيرس في المساء الباكر.
بحزنٍ، توترت أعصابي، فقررت أن أقتل الوقت بالذهاب إلى السينما. "
بينما أقف في الصف لشراء تذكرة إلى بوينس آيرس على
باتريك وأنا لم ننهِ كتابنًا قط، تركتُ بوينس آيرس بعد عدة أشهر، ولم أعد قبل اثنين وعشرين عامًا، في 1990 عندما تناولت أنا وزوجي الشاي مع باتريك وزوجته، وحسبت أنا وباتريك أننا قد أضعنا القصيدة التي كتبها لنا بابلو نيرودا. فهو لم يستطع إيجاد نسخته، ولا أنا استطعت إيجاد نسختي.
مات باتريك في عام 2003. في عام 2014، بينما كنت أستعد للانتقال، وجدت قصيدة نيرودا وسط تقارير درجاتي المدرسية. في نفس الوقت تقريبًا، تم اكتشاف القصيدة في سانتياجو بواسطة مؤسسة بابلو نيرودا.
"روا لين وباتريك مورجان
رسوا في هذه المياه
ضلوا في هذا النهر
عدائيّ، متورد، ومهموم
ذهبا إلى البحر،
أم إلى الجحيم
بحبٍ قويّ
يكتنفهم بالنور
أو يقطفهم من الطحالب
لكن المياه تندفع
،خلال العتمة، مليئة بالأصوات
معزوفة من القُبل والرماد
شوارع مدماة الجنود،
..وصال غير مقبول
للكآبة والنحيب
الكثير، تحمله هذه المياه
مشيتنا وموضعنا
صخب العشوائيّات
وأقنعة الغول
فقط انظرا إلى ما تحمله المياه
في هذا النهر ذي المخالب."
______________________
بقلم: روا لين، نشر في «ذا نيويوركر»
1الفيلينالز: هي القصائد الريفية، تحوي
2