لا بد من التأكيد، قبل أي شيء آخر، ان الطريق كانت طويلة في هوليوود قبل الوصول الى نوع من الخجل إزاء كل ما يمكن ان يكون داعياً للعنصرية. فاليوم، لن يكون أمراً عادياً أو مقبولاً ان يطلع من عاصمة الفن السابع الأميركي فيلم واضح في عنصريته، على الأقل تجاه مكوّن من مكوّنات الشعب الأميركي. أما قبل اليوم بقرن وأكثر قليلاً، فإن هذه العنصرية بدت لصانعي السينما عادية ويمكن التعبير عنها والدفاع عن ممارساتها، ويمكن تبريرها. وليس من الصدفة ان تتطابق ولادة العنصرية يومها في السينما الأميركية مع ولادة السينما السياسية، وتحديداً في فيلم واحد رُجم ولُعن وهوجم على أي حال من كثر، كما دافع عنه كثر، لكن الأمر انتهى بصانعه، كما سوف نرى بعد سطور، الى القول انه حين كتب ذلك «الجزء العنصري من الفيلم» لم يكن يدرك مقدار عنصريته وما فيه من أذى لوعي الأمة الأميركية. والحقيقة إذا كان الأميركيون الغاضبون على الفيلم وغيرهم من المبدعين في العالم كله، قبلوا فعل الندامة من صانع الفيلم، فإنهم كانوا على حق، لأن الرجل نفسه سرعان ما حقق بعد ذلك الفيلم بعامين أو ثلاثة فيلماً تالياً أتى متحدثاً عن «التسامح» وعن «حكاية الحب عبر العصور». والفيلمان اللذان نتحدث عنهما هنا هما بالطبع: «مولد أمة» (1915) و «تعصّب» (1918). أما مخرجهما فهو دافيد وورك غريفيث الذي سيقول عنه السوفياتي الكبير إيزنشتاين: «لقد كان غريفيث هو الذي اخترع كل شيء. بحيث إن أفضل ما في السينما السوفياتية ذاتها إنما خرج من عباءة فيلمه «تعصّب». أما أنا فإني أدين له بكل شيء».
> مهما يكن، من المؤكد ان إيزنشتاين لم يكن أول سينمائي كبير يثني بهذا الشكل على ذاك الذي لُعن كثيراً حين عرض «مولد أمة». والمخرج السوفياتي نفسه لم ينتظر «تعصّب» ونفسَه التقدمي لكي يعبر عن تقديره لغريفيث، إذ نجده قبل ذلك حتى وهو يصف الفيلم بالعنصرية، يقول انه استوحى منه كثيراً. أما في أميركا، فإن راؤول وولش الذي سيصبح بعد سنوات قليلة من «مولد أمة» واحداً من مخرجي هوليوود الكبار، قال عن هذا الفيلم: «حتى العام 1915 لم يــــكن جمهور السينما قد عرف سوى أفلام لا قيمة فكرية لها تتراوح أطوالها بين بكرة وبكرتين. ومن هنا احتاج الأمر الى ظهور فيلم «مولد أمة» لإقناع الجمهور بأن عالم هوليوود قد وصل الى سن الرشد. لقد كان هذا الفيلم الطويل منعطفاً في تاريخ السينما..». ولــنذكر هنا أن وولش نفسه عمل في الفيلم ممثلاً، حيث قام بدور قاتل الرئيس لنكولن. لكنه لم يكن السينمائي الوحيد الذي كانت هناك بداياته، فقد كان ثمة بين مساعدي غريفيت في الفيلم كل من إريك فون شتوهايم ووودي فان دايك وجاك كونواي الذين صار كل واحد منهم مخرجاً كبيراً في زمن لاحق. أما القاسم المشترك بينهم فهو أنهم، على غرار وولش وإيزنشتاين، مجدوا الفيلم فنياً وتقنياً في وقت استنكروه فكرياً وسياسياً.
> وحتى اليوم لا يزال هذا هو الموقف العام من فيلم سيقال دائماً إنه كان الرحم الذي ولدت منه السينما السياسية والتاريخية الأميركية، مع إضافة عبارة كان لا يفوت كثر قولها: «... يا لبئس الولادة!». وذلك بالتحديد لأننا هنا أمام فيلم عنصري واضح لا يحاول أن يخفي مواقفه في هذا المجال. فهل ثمة ما هو في أميركا أسوأ من منظمة الـ «كو كلاكس كلان» تلك المنظمة العنصرية الفاشية معبّرةً عن موقف معاد للسود بعد سنوات من انقضاء الحرب الأهلية الأميركية؟ إن «مولد أمة» يقف الى جانب هذه المنظمة ويبرر أفعالها بكل وضوح، مصوّراً الجرائم التي ترتكبها في حق السود وغيرهم من «الغرباء» كمجرد ردود فعل على ما «يقترفه هؤلاء من جرائم سرقة ونهب واغتصاب إذ جاء تحريرهم الذي نتج من انتصار الشماليين ولنكولن في الحرب الأهلية ليعطيهم القدرة والرغبة في فعل ذلك». فلا يكون أمام «الأميركيين الشرفاء... أي البيض» إلا أن يتحركوا لحماية أنفسهم وأملاكهم وأعراضهم.
> أجل هذا ما يقوله الفيلم، الذي أراد على هذه الشاكلة أن يصوّر «مولد الأمة الأميركية». الفيلم الذي عُرض للمرة الأولى في شهر نيسان (أبريل) 1915. ولئن كان الفيلم قد حمل اسم «مولد امة» فإن معظم مؤرخي الفن السابع يرون انه كان، في الوقت ذاته، يستحق ان يحمل اسم «مولد السينما». لأنه كان الفيلم الأول الذي احدث تغييراً أساسياً، ليس فقط في شكل السينما ومواضيعها، بل خصوصاً في وظيفتها وفي محمولها الايديولوجي. قبل «مولد أمة» لم يكن الفن السابع عرف اي سجال ايديولوجي يدور من حوله، كان يعتبر مجرد ترفيه وربما ابداع فني. ولم يكن احد يتوقع ان يأتي مشهد، غير مقصود كما سيقول غريفيث لاحقاً، ليثير تلك الزوبعة السياسية ويفتح السجال واسعاً حول موقف الفنان من احداث التاريخ ودلالاتها.
> نبادر أولاً الى القول إن الفيلم يدور حول الصداقة التي تقوم بين أبناء عائلة كاميرون الجنوبية، وأبناء القائد الشمالي «المتعصب بشدة» أوستن ستونمان. والحقيقة ان غريفيث حدد موقفه الفكري، منذ اللحظة التي رمى فيها علامات تثير تعاطف متفرجه مع آل كاميرون، وغضبه على عنف ستونمان وتعصبه. وكان هذا الموقف يسير بالتعارض مع ما هو سائد في الانتاج الفكري الاميركي من تبجيل لموقف الشماليين وإدانه لعنصرية الجنوبيين. غير ان هذا الجانب كان يمكنه ان «يمرّ» لولا المشهد الذي اعتبر خطيراً في ذلك الحين، لأنه حمل كل ما يلزم من تبرير لمنظمة «كو كلاس كلان» العنصرية الجنوبية التي كانت تعتبر العدو الأمثل لكل الديموقراطيين الاميركيين، ورمزاً للعنصرية والتعصب والعداء للسود، وبالتالي لكل الاقليات العرقية. والمشهد يأتي حين يكون بن كاميرون -الذي يدفعنا سياق الفيلم الى التعاطف معه- مكلفاً تنظيم جماعة الـ «كو كلاس كلان»، المستخدمة هنا، بين امور اخرى، للثأر لموت فلورا كاميرون «الشقيقة الصغرى» التي كانت قتلت وهي تحاول الهرب من غاس، «الزنجي العنيف والكريه»، الذي كان يحاول اغتصابها. وجماعة الـ «كو كلاس كلان»، لا تكتفي بهذا، بل انها هي التي تتولى عند نهاية الفيلم مصالحة العائلتين، في لفتة ايديولوجية ذات دلالة صارخة.
> كان اخطر ما في هذا الفيلم، الذي اعتبر -فنياً- كما رأينا ثورةً حقيقية في تاريخ فن السينما، أنه فيلم جيد مشغول بعناية وقادر على اقناع متفرجيه. ومن هنا كان عنف الهجوم عليه من قبل الكثيرين، والحيرة امامه من قبل الآخرين: اذ كيف يمكن القبول بفيلم جيد الشكل والأداء الفني، يكون همه الرئيسي الدفاع عن ذلك التنظيم العنصري وتبرير وجوده وتصرفاته؟
> طوال السنوات التالية، كرّس غريفيث جزءاً كبيراً من وقته لتبرير «فعلته» والقول انه لم يقصد ابداً الدفاع عن الـ «كو كلاس كلان»، «كل ما كنت أريده كان ان افسر السبب الذي قد يدفع بعض الشبان الى الانخراط في تنظيمات عنصرية. لأننا لو عرفنا السبب سنعالجه وبالتالي لن يكون هناك مبرر منطقي يجعل شاباً واعياً يتصرف كعنصري متعصب». طبعاً هذا التبرير لم يقنع أحداً يومها، ولم يقتنع احد طبعاً بكل ما جاء في كتيب اصدره غريفيث مبرراً، بعنوان «بروز وسقوط الفكر الحر في اميركا». ومع هذا، ما ان حقق غريفيث فيلمه الكبير والطويل التالي «تعصّب» حتى بدأ أهل المهنة والمعنيون يتسامحون مع «سقطته» السابقة، مدركين ان «موقفه العنصري» في «مولد أمة» لم يكن متعمداً.
> وخلال السنوات والعقود التالية، بقي من غريفيث اداؤه السينمائي الجيد، وصار يعتبر واحداً من اهم مؤسسي فن السينما، وراح النقاد والمؤرخون يتناسون البعد الايديولجي لـ «مولد امة» ليتوقفوا عند ابعاده الفنية وعند الابتكارات الجديدة التي حققها غريفيث فيه، تلك الابتكارات التي ثوّرت فن السينما (في التوليف وحركة الكاميرا والربط بين المواضيع) قبل بروز إيزنشتاين بعقد من السنين. واليوم حين يشار الى غريفيث والى «مولد أمة» يكون ثمة اجماع على ان المخرج وفيلمه وضعا الحجر الأساسي لثورة سينمائية فكرية سيتابعها لاحقاً ايزنشتاين، ثم اورسون ويلز (في «المواطن كين») وفيكتور فليمنغ (في «ذهب مع الريح»)، وسيظل غريفيث الى الأبد رائدها الأول.
«مولد أمة» لغريفيث: ولادة السياسة و...العنصرية في السينما الأميركية
مصدر الخبر
الحياة