"مرات الأب" .. لقب يرتبط فى أذهان كثير من الناس بالقسوة والكره والتجرد من كافة المشاعر الإنسانية ، ربما يرجع ذلك لكثرة تداوله فى جرائم القتل والتعذيب والتنكيل بأطفال أزواجهن، وتعد قضايا الأحوال الشخصية من أكثر القضايا التى استطاعت أن تقترب وترصد الفظائع التى ارتكبتها زوجات الأباء فى حق أبناء أزواجهن.
وخلال السطور التالية يرصد "صدى البلد" عددا من القضايا التى كان البطل الرئيسى فيها "مرات الأب" من واقع دفاتر وسجلات محاكم الأسرة.
"عقاب"
على بعد أمتار من غرفة المداولة بمحكمة الأسرة بمدينة نصر، جلست الجدة الخمسينية بثيابها السوداء المتواضعة إلى جوار حفيديها "يوسف" و"سيف" اللذين ملآ الرواق بضحكاتهما البريئة، تقلب كفيها على ما ذاقاه من مرارة اليتم والتشرد رغم أن والديهما مازالا على قيد الحياة وما ينتظرهما من مستقبل باهت الملامح إذا ماغادرت روحها جسدها بلا عودة، ولم يخرجها من دوامات التفكير سوى إعلان الحاجب الثلاثينى قرب بدء جلسة دعوى الحبس التى أقامتها ضد طليق ابنتها لامتناعه عن سداد متجمد نفقة ولديه.
تقول الجدة الخمسينية فى مستهل حديثها لـ"صدى البلد":"تزوجت ابنتى من ابن عمها منذ سنوات ووقفت إلى جواره وساعدته حتى تبدل حاله وتحول من مجرد رجل بسيط يتنقل بين المهن ويلهث وراء بضعة جنيهات لاتسمن ولاتغنى من جوع إلى تاجر يمتلك محال وأموالا، وبمجرد أن عرف المال طريق جيبه الخاوى تنكر لها وأدار ظهره لطفليه وبحث عن زوجة أخرى ينفق عليها نقوده التى كونها بفضلها، وكف عن إرسال مصروفات لها ولولديه، وكأنها لم تكن سوى مجرد محطة فى حياته أو كما يقولون" مصلحة وعدت"، وبعد فشل الوسطاء فى حل الخلافات بين ابنتى وزوجها وتمسكه بحياته الجديدة وإصراره على سوء معاشرتها وإهانتها وقع الطلاق، وظل الصغيران بيد والدتهما وفى حضانتها".
تواصل الجدة العجوز روايتها بصوت مرتعش:"وبعد سنوات قليلة تزوجت ابنتى هى الأخرى، وانتقل الصغيران للعيش مع والدهما وزوجته الجديدة التى تفننت فى إساءة معاملتهما وتأليبه عليهما والوسوسة إليه بمنعهما من الذهاب إلى المدرسة وتوفير نفقات تعليمهما، وكأنهما أعداء لها، حتى ساءت حالتهما النفسية وصار حفيدى الكبير يتبول بشكل لاإرادى أثناء نومه، وبدلا من أن يتنبه والده إلى حاله ويحاول أن يداويه ويغمره بحنانه أمسك بولاعته وأحرق يده وأجزاء من جسده عقابا له على فعلته وإرضاء لزوجته التى أعلنت رفضها لبقاء أولاد زوجها معها وأصرت على طردهما، وفور علمى بما قررت أن أضمهما لحضانتى، واتولى أنا رعايتهما، وأرحمهما من حياة التيه والتشرد التى يعيشونها ".
تختتم الجدة الخمسينية حديثها سريعا فقد حان موعد جلسة دعوى الحبس:"وبعد انتقال الصغيرين للعيش معى طلبت من والدهما أن يرسل لهما نفقاتهما خاصة أن معاشى بسيط لكنه تهرب كعادته، فلجأت إلى محكمة الأسرة وأقمت ضده دعوى نفقة للصغيرين باعتبارى حاضنة لهما بعد سقوط حضانة والدتهما لزواجها بأخر وبالفعل صدر حكم لصالحى لكنه امتنع عن سداد مبلغ النفقة حتى تراكم عليه، فطرقت أبواب المحكمة للمرة الثانية وحركت ضده دعوى 3199 رقم لسنة 2015 وطالبت فيها بإلزامه بسداد مبلغ متجمد النفقة أو حبسه شهرا، وها أنا أنتظر الحكم، كل مااتمناه أن يساعدنى أحد فى تأسيس مشروع صغير كى أؤمن به مستقبل هذين الطفلين وأكفيهما شر الحاجة والعوز إذا ما وافتنى المنية".
"أفلام إباحية"
وسط زحام المتنازعين والمهمومين جلست"سامية" الزوجة الاربعينية فى رواق مفضى الى احدى قاعات الجلسات بمحكمة الأسرة بمصر الجديدة، ترتدى عباءة سوداء اللون تكشف عن جسم هزيل انهكته الهموم، وانحناءة خفيفة فى اعلى ظهرها، تزين رأسها بحجاب حريرى مزين بخيوط خضراء ونقوشات فضية، تطل منه شعيرات تظهر ما اصابها من شيب، توهم به الناظرين اليها بكبر عمرها الذى لايزال فى عامه الاول من العقد الرابع، وتنتعل حذاء اسود رثا، يفضح قدمين احتلتهما التشققات من مسح ارضيات المول التجارى الشهير الذى تعمل به لسد جوع اطفالها الاربعة.
بدت الزوجة الاربعينية شاردة الذهن، شاخصة البصر، تصارع شبح ذكريات عاشتها مع رجل اربعينى ضحت بشبابها وصحتها من اجل اسعاده وفى النهاية طلقها غيابيا بعد 13 عاما وتزوج باخرى "سيئة السمعة" - حسب تعبيرها- اجبرت اولادها على مشاهدة الأفلام الإباحية فى غياب والدهم، لم يخرج"سامية" من دوامة احزانها الا صوت الحاجب الثلاثينى الأجش الذى أذن لها بالمثول أمام القاضى فى دعوى نفقة صغارها.
تقول الزوجة الأربعينية:" ما أصعب الاحساس بالظلم، وما أمر من طعنة الغدرعندما تأتى من رفيق دربك وعشرة عمرك الذى افترشت الارصفة لأجله، وخدمت فى بيوت العباد لتساعده على اعباء الحياة، ورضيت ان تعيش معه فى غرفة مسقوفة بألواح خشبية تقع فى احد الاحياء الشعبية الفقيرة، شتاؤها قارس وصيفها كنار الله الموقدة، يغمرها ماء الصرف ويشاركك الحياة فيها الفئران والثعابين، وبمجرد ان عرف المال طريق جيبه، وبات صاحب محلات ومالك سيارات بعد ان كان موظفا بسيطا يعمل فى المصنع الحربى خان العشرة وبحث عن امرأة اخرى".
ترتسم على وجه الزوجة الاربعينية ابتسامة تخفى وراءها علامات الشماته والسخرية وهى تكمل روايتها:" وياليته أحسن الاختيار، لكنه ارتمى فى أحضان سيدة خمسينية الكل يعرف ماضيها فى حينا الفقير، الصغير قبل الكبير، وسيرتها تتناقلها الالسن بسبب سوء سلوكها وترددها على بيوت الرجال لافراغ شهواتها، زوجها نفسه يعلم بحقيقتها لكنه صامت على افعالها خوفا من أن تطرده من البيت فهى من تمسك بزمام الامور، أما هو فلا حول له ولاقوة، لكنى اعترف أننى اخطأت عندما غضضت بصرى عن علاقة زوجى المحرمة بتلك السيدة العجوز، وأوهمت نفسى بأنها مجرد نزوة وستمر، ثلاث سنوات كاملة وأنا أمنى نفسى بأنه سيعود الى رشده وينتبه ألى أولاده الاربعة وبيته، حتى فوجئت به يطلقنى غيابيا ، ويهدم البيت الذى حافظت على استقراره لمدة 13 عاما، مستغلا شجارا نشب بينى وبينه بسبب سكوته على اهانة أخته المتسلطة لى، خاصة أنها لم تكن المرة الأولى التى أهان فيها من أحد افراد عائلته، فقد سبق وأن صفعنى شقيقه على وجهى وعندما علم اكتفى بكلمة"معلش" كالعادة" .
وبصوت يتلون بنبرات الألم تكمل:"عدت بعدها إلى منزل اهلى وأنا أجر أذيال الخيبة بعدما طردنى زوجى من الشقة رغم أننى حاضنة ويحق لى البقاء فيها، تركت فلذات أكبادى لوالدهم لعله يتراجع ويردنى لعصمته، لكنه تزوج عشيقته وأتى بها لتحيا على أنقاض بيتى ولتذيق اولادى المرار، والحقيقة أنها لم تقصر فى تعذيبهم والتنكيل بهم، ومنعت عنهم المصروف، وحرمتهم من الطعام ورفضت اعطاءهم نفقات الدروس الخصوصية، والأدهى أنها أجبرت ابنتى الكبرى البالغة من العمر 16 عاما على مشاهدة أفلام اباحية لتثير غرائزها وتستدرجها إلى طريق الرذيلة وتحولها إلى نسخة مصغرة منها".
تختتم الزوجة روايتها:"وحينما وصل إلى مسامعى مافعلته مع ابنتى أصررت على أن يعيش الأولاد معى، وأقمت دعوى لتمكينى من شقة الزوجية، ودعوى آخرى خاصة بطلب نفقة للصغار، وشهد معى زوج ابنة "ضرتى" التى تبرأت من أمها اللعوب مع باقى اخواتها بعد طلاقها من أبيهم وإصرارها على الزواج من رجل يصغرها بسنوات عدة، وأنا الان أعمل عاملة نظافة بمول تجارى شهير لأتمكن من الإنفاق على أطفالى الأربعة حتى يصدر حكم النفقة".