الجمعة 3 يوليه 2026 — القاهرة

أحمد جودة.. راقص سوري يحارب داعش بسلاح الباليه «تقرير مصور»

أحمد جودة.. راقص سوري يحارب داعش بسلاح الباليه «تقرير مصور»
وقع أحمد جودة الذي كان يعيش في حي اليرموك بالعاصمة السورية دمشق في غرام الرقص منذ نعومة أظفاره.. منذ تلك اللحظة التي وقعت فيها عيناه على أداء فرقة باليه في إحدى الحفلات وعمره لم يتعد الثامنة بعد.. شعر الراقص ذو الأصول الفلسطينية حينها أن للرقص سحرا خاصا يدفعه للشعور بأنه ملكًا.. فالدنيا تأتي طواعية بين يديه بمجرد أن ينطلق بجسده راقصا.. ينسى الدنيا وقيودها ويحرر روحه بعيدًا.. رافعًا شعار "بهرب لأرقص من الحياة البشعة للحياة الحلوة".

ظل هذا العشق للباليه كامنًا بداخله حتى تفجر في السادسة عشر حينما قرر أن يَتتبع حلمه وأن يتعلم الباليه في مسرح "إينانا" للرقص بدمشق ليحضر أول درس باليه في حياته مع أحد الخبراء الروسيين، دون أن يعرف أحد بالمخيم أنه يرتاد المسرح للرقص.. كان عمره متقدمًا على تعلم هذا الفن لكن يبدو أن حبه للرقص بصفة عامة والباليه بصفة خاصة كان أقوى من كل القواعد وكل ما هو متعارف عليه.. فقد كان الرقص سبيله الوحيد للحياة.

أحمد جودة.. راقص

"كانت ماما تشجعني كتير.. لكن بابا قرر إنه يوقفني عن رقص الباليه لأنه كان بيعتبر إني بعمل شيء عيب".. هكذا قال أحمد لـ"فيتو" مسترسلًا في حكاياته عن الطفولة: "المجتمع كان كتير بيضغط عليه لأن ابنه راقص فحاول بكل الطرق يمنعني لكن أنا لم أستسلم وكان جوايا إصرار إني أستمر في التمرين".. لكن والده هو الآخر استمر في معارضته "مرة بابا حاول يحرقلي ملابس الرقص الخاصة بي وخيرني وأنا 14 سنة إني أدرس أو أرقص.. ووقتها جاوبت إما أرقص أو أموت". 

أحمد جودة.. راقص

"لما قامت الحرب في سوريا.. كان صعب عليا أشوف بيتي بيتهد وبلدي بتتهدم ثقافيًا وفنيا والأمان بيضيع".. كلمات وصف بها أحمد كيف رأى بلاده التي تربى على أرضها تتحول أمام ناظريه من النور إلى الظلام؟.. بينما يتحكم التطرف في كل جنباتها.. وكيف أنه فقد البيت بصورته المادية حتى أنه كان يعيش في خيمة أقامها فوق سطح منزل صديق له وسط برد قارس ينخر العظام.. واعتاد على أصوات الرصاص.. لكنها لم تكن المعاناة الوحيدة التي يعيشها أحمد، فقد وجب عليه أن يتحمل كل شيء وأن يحمل لواء مسئولية أسرته بعدما تركهم والده، فكان يدرس في معهد الفنون المسرحية بسوريا، ويعمل كراقص ومعلم للرقص لكي يوفر لأسرته المال حتى إنه تخرج في 7 سنوات لكي يتمكن من تحقيق التوازن بين الدراسة والعمل. 

أحمد جودة.. راقص

ولأن الإصرار سمته فلم يتوقف لحظة عن مطاردة حلمه "قررت أشترك في برنامج so you think you can dance يلا نرقص في 2014 للحصول على فرصة إني أظهر أكتر.. كان عندي أمل إني أكسب.. بس ما مشي الحال"، وعلى الرغم من أنه لم ينجح في حصد اللقب في البرنامج، إلا أن المكاسب كانت متعددة وكانت التجربة في مجملها مفيدة "اتعاملت في البرنامج مع مصممي رقص من جميع الدول وقدرت أوصل للناس ودي مكاسب كتير".. فقد كان البرنامج "نقلة" نوعية في حياة أحمد جودة.. وكان وسيلته للعبور إلى فرص عمل أكثر في مجال الرقص فأصبح مصمم رقص في دار الأوبرا السورية.. "كانت ظروفي كويسة وكنت من أهم الراقصين في البلد".



في ظل التطرف الذي يحيط سوريا من كل جانب، كان من الطبيعي أن يواجه أحمد خطرًا، خاصة أن أمتارًا قليلة تفصله عن مخيم اليرموك الذي تسيطر عليه داعش، والفنون في نظر الإرهاب إثم لا يغتفر.. والرقص للذكور يتعدى بالنسبة للدواعش مراحل العيب.. لذا فقد كان أحمد من المغضوب عليهم، ويستحق أن يلقى عقابًا على تعليمه الرقص للأطفال "تلقيت 3 تهديدات من داعش.. في البداية اخترقوا حسابي على فيس بوك ووضعوا صوري وكتبوا عليها مطلوب.. بعدها أرسلوا لي برسائل تهديد على الماسنجر وكلموني على الهاتف عشان أتوقف عن دروس الرقص للأطفال، وهددوني إن لم أتوقف هيعذبوني لأنهم حتى مش عايزين يموتوني وهددوني بقتل أمي وتقطيع أختي".

ورغم كل ذلك اختار «أحمد» الرقص مجددًا.. وقرر أن يرد على هؤلاء بطريقته.. "وقتها قررت إني أعمل تاتو على رقبتي Dance or Die باللغة الهندية أي الرقص أو الموت، وهي الكلمة التي سبق وقلتها لأبي حينما خيرني بين الدراسة والرقص".. واجه أحمد مخاطر عدة لكن الرقص كان الحياة بالنسبة إليه، أي إنه ميت لا محالة إذا ما مُنع من الرقص "لو عايزين يموتوني أنا كتبت على رقبتي من المكان اللي بيقطعوا منه الرءوس شعاري عشان يكون آخر شيء ممكن يشوفوه قبل ما يقتلوني".

أحمد جودة.. راقص

أحمد جودة.. راقص

لكن القدر كان رحيمًا بأحمد وأسرته الصغيرة.. وبعث إليه بصحفي هولندي قرر أن يخاطر بحياته ويذهب إلى سوريا فقط ليصور فيلمًا وثائقيًا عن حياته، الذي رد فيه «أحمد» على كل التهديدات التي واجهته بالرقص في أماكن تقع تحت سيطرة داعش، منها مسرح تدمر الذي كان الكيان الإرهابي قد ارتكب فيه مجزرة إعدام جماعي من قبل.." وأنا برقص هجموا علينا 3 مرات لكن ما حدثت أي إصابات وأنا أصريت إني أكمل لحد ما أخلص".

أحمد جودة.. راقص

أحمد جودة.. راقص

هذا الفيلم الذي عُرض على التليفزيون الهولندي كان سببًا في تغيير حياة «أحمد» إلى الأبد، وكان هدية من القدر رسمت ملامح جديدة لمستقبله، فأحمد الذي كان على وشك أن يضيع حلمه، خاصة أنه كان يوشك أن يلتحق بالتجنيد الإجباري للعسكرية، جاءت له منحة لم تخطر على باله يومًا "بعد الفيلم الباليه الوطني الهولندي أرسلوا لي منحة لاستكمال دراستي بجامعة أمستردام، وبالفعل أدرس الفنون هناك، وأعمل أيضًا، كما أن لي مشاريعي الخاصة وأبذل كل طاقتي لكي أكون على قدر المسئولية".
تجربة أمستردام هي الأخرى كانت نقلة جديدة في حياته "الحياة في أمستردام مختلفة بكل معاييرها وكان صعب عليَّ في البداية أتأقلم مع الوضع بس دلوقتي تمام.. والحياة هنا تدفعني للإبداع أكثر وإني أوصل لأحلامي حتى أنا بشتغل هنا أكتر كتير من قبل"، أحمد يعيش في هولندا ويعمل مع عدد من مصممي الرقص من بلاد عربية، ويسعى معهم لدمج الثقافة العربية بالغربية "بنخلق شغل جديد مع بعض وبحاول أوصل صورة جيدة للثقافة العربية".

أحمد جودة.. راقص

"كل ما مررت به من ظروف ومعاناة دفعتني إني أخلق ثورتي الشخصية كفنان عربي يحمل بداخله رسالة".. لذا فإنه يقوم حاليًا بجولات في دول عدة بأوروبا حاملًا في قلبه رسالته بإبراز الصورة الحقيقية للعالم العربي والثقافة العربية بعيدًا عن الصورة المشوهة المنتشرة حاليًا عن العرب والمسلمين في العالم، كما أن قلبه يحمل هدفًا آخرًا "أنا لاجئ وطول عمري كنت لاجئ، فأنا ولدت بمخيم.. وهدفي أقول للعالم كله إن كلمة لاجئ ليست وصمة على الجبين أو كلمة تدفع الناس أن يتعاملوا بطريقة معينة مع حامليها بس لأن بلادهم راحت.. لا اللاجئين قادرين يكونوا فنانين وأن يقدموا أشياء جديدة بما لديهم من خبرات ومشاعر".

أحمد جودة.. راقص

أحمد جودة.. راقص

من يتابعه قد يحسده على حظه الذي ساعده في تحقيق حلمه في أوروبا، لكن حاسدي «أحمد» لا يعلمون أنه حتى وإن كان بعيدًا عن الخطر ويخطو خطوات ثابتة نحو النجاح لا يفارقه القلق والخوف لحظة، وأن سعادته ليست مطلقة كما يعتقد البعض، فكلما ازدادت شهرته كلما ازدادت وتيرة التهديدات والخطورة لأسرته في سوريا: "وأنا في هولندا هجم نحو 9 غرباء على أهلي مرتين.. وفي مرة كسروا البيت واللوحات والآلات الموسيقية الخاصة بأخي بس والدتي ما كانت بالبيت وإلا كانوا قتلوها.. وهاجموا أخي في سيارته وكسروا العود الموجود بداخلها.. أنا حالتي النفسية سيئة لأني هنا بأمان والحياة حلوة من حولي لكن أهلي في خطر وفي معاناة.. مش قادر أستمتع بالحياة ومش قادر أرتاح.. بس إيماني برسالتي يخليني أكمل وماما لحد دلوقتي بتشجعني رغم كل شيء".

أحمد جودة.. راقص

"لما الحرب تهدأ في سوريا هنا هيبدأ دوري.. وهو إنشاء معهد الباليه الوطني السوري وده حلمي الكبير".. فأحمد سيستكمل دراسته في أمستردام ويعمل بكل جد لتكون لديه خلفية دراسية تمكنه من تحقيق حلمه، "أحب أقول لكل الراقصين العرب أن يظلوا عند حلمهم، وما يتسغنون عنه أبدًا، وأن يركزوا على أحلامهم وأن يغضوا الطرف على الظروف من حولهم". 

أحمد جودة.. راقص
مصدر الخبر
فيتو

أخبار متعلقة