متخليّة عن حيادها تجاه الأزمة الخليجية منذ بدايتها في 5 يونيو الماضي، تحاول موسكو مساعدة الكويت في حل الأزمة التي أشعلها قرار كل من مصر والسعودية والإمارات والبحرين بمعاقبة قطر على سياساتها الراعية للإرهاب.
فبعد مرور 84 يومًا على الأزمة الخليجية حطت طائرة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، الاثنين، بمنطقة الخليج في زيارة تبدأ بالكويت وتشمل بعد ذلك قطر والإمارات في محاولة لحل الأزمة المستعصية حتى الآن.
التخلي عن الحياد
تواجد لافروف بالخليج ضوء أخضر بانضمام روسيا لجهود الوساطة للتقريب بين الدول الأربع وقطر، وصاحب هذه الزيارة توقعات كثيرة بقرب انتهاء الأزمة، مستندة على العلاقات الجيدة لروسيا مع دول طرفي الأزمة، ومُدعمة بإعلان موسكو أن الزيارة هدفها دعم الوساطة الكويتية لحل الأزمة الخليجية.
أعلنت روسيا في بداية الأزمة على لسان ديميتري بيسكوف الناطق باسم الرئيس فلاديمير بوتين، أنها لا تتدخل في شؤون دول أخرى، لأنَّها تقدر علاقاتها مع الدول الخليجية مجتمعة ومع كل دولة على حدة.
تبع هذا الإعلان تصريحات روسية تؤكِّد ضرورة حل الأزمة بالحوار والتفاوض ففي تصريح لـ لافروف قبل لقائه نظيره القطري في موسكو أبدى قلقه من تدهور الأوضاع بين أطراف الأزمة ودعا تسوية أي خلافات من خلال الحوار.
تولي روسيا اهتمامًا كبيرًا لما يدور في الخليج بسبب مصالحها في المنطقة، وتحديدًا سوريا، حيث أكَّد الرئيس فلاديمير بوتين أن الأزمة لها تأثير كبير على منطقة الشرق الأوسط، وقد يكون ذلك سببًا في التزامها الحياد.
لماذا تميل روسيا لقطر؟
هناك تعاون اقتصادي كبير بين موسكو والدوحة، فكلاهما يسعى لرفع التبادل التجاري إلى 500 مليون دولار في المرحلة المقبلة، كما أن قطر لاعب رئيسي في اتفاق فيينا بخصوص تخفيض الإنتاج النفطي لامتصاص الفائض من النفط في الأسواق، ويرى اقتصاديون أن انسحاب قطر من الاتفاق وانهياره قد يؤدي إلى هبوط أسعار النفط وتكبّد الاقتصاد الروسي خسائر كبيرة.
وبالنسبة لاستثمارات قطر في روسيا، فقد تنوعت بين الطاقة والعقارات إلى السياحة وغيرها، حيث تستثمر شركة بريميوم كونستراكشن القطرية ببناء مجمع فندقي كبير في شبه جزيرة القرم الروسية بقيمة 100 مليون دولار، وجهاز قطر للاستثمار دفع 239 مليون يورو مقابل 24.99% من أسهم الشركة المشغلة لمطار بولكوفو الواقع في سانت بطرسبورج بشمال روسيا، كما قدَّمت شركة قطر القابضة طلبا لمصرف "في تي بي" الروسي، لشراء أسهم فيه.
وتحدثت تقارير دولية عن ضخ شركة المستثمر الأول الذراع العقارية لجهاز قطر للاستثمار 500 مليون دولار بالاشتراك مع شركة جازبروم" الروسية في قطاع العَـقارات الروسي ولا سيَّما في العاصمة موسكو، كما أبرم جهاز قطر للاستثمار في إطار تحالف مع شركة جلينكور العملاقة لتجارة السلع الأولية، صفقة مع روس نفط في نهاية العام الماضي، اشترى بموجبها التحالف حصة في الشركة الروسية بلغت نسبتها 19.5%، مقابل 10.5 مليار يورو "نحو 11.3 مليار دولار"، ووصفت الصفقة بالأكبر في العام الماضي.
بالإضافة إلى شراء جهاز قطر للاستثمار وشركة "جلينكور" لتجارة السلع والخدمات، ثلث حصة شركة "لوك أويل"، من محطات الوقود في روسيا، ويستثمر صندوق قطر حوالي 500 مليون دولار في أعمال التنقيب التي يتضمنها مشروع "الأورال الصناعي – الأورال القطبي".
خسارة الرباعية
على الجانب الآخر من الأزمة، لا يمكن لروسيا أن تخسر علاقاتها مع المعسكر الآخر، لا سيَّما مصر والسعودية، حفاظًا على نفوذها في المنطقة، وبالتالي فقد أعلنت التزامها الحياد أيضًا في محاولة لعدم الانزلاق في الإغراءات التي تقدم من هذا الطرف.
ولعل ذلك ما دعا خبراء روس، استطلعت آراءهم وكالة نوفستى إلى اعتبار أكدوا موقف بلادهم محايدًا من أطراف الأزمة، وتعمل على موقف متوازن على النقيض من موقف الولايات المتحدة، حسبما قالت الوكالة.
مديرة المعهد الروسى للدراسات الإستراتيجية أيلينا سوبونينا قالت: "موسكو لديها فرصة لتصبح واحدة من الوسطاء في النزاع بين حكومة دولة قطر والدول العربية، وروسيا على عكس الولايات المتحدة أو بعض دول الخليج لا تتحيز لأى طرف من الأطراف".
وأضافت:"موسكو تقوم فى الواقع بدور الوسيط فى هذه الأزمة، لأنها ليست مهتمة بإثارة الشغب والتوتر فى الخليج، مع العلم أن هذا يمكن أن يكون له تأثير سلبى على البحث عن حل سلمى للأزمة السورية".
غير أنَّها أشارت إلى أنها لا يمكن ولا ينبغي أن تكون روسيا الوسيط الوحيد فى الأزمة، لذلك تتولى تنسيق جهودها مع دول مثل الكويت وسلطنة عمان، والتى تعمل بنشاط فى هذه الأزمة كوسيط.
قال السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق، إن زيارة لافروف لكل من الكويت وقطر والإمارات لن تحل الأزمة الخليجية وبلا فائدة، لافتًا إلى أن هدفها فقط اظهار موسكو لحليفتها قطر أنها سعت لإنهاء الأزمة.
وأضاف العرابي لـ" الدستور" أن تمسك الدول الأربع بمطالبهم لن تُجدي معه أي وساطات طالما بقي الموقف القطري كما هو.