لمعة في عيناها، وضحكة تشق بها طريقها لتخدع زمانها، منذ نعومة أظافرها وهي لاتعرف عالم آخر يناسبها، سوى هذا المكان وزحمته المعتادة خاصة في الأعياد، ليبقى "المدبح" وأمجاده هو مابقي في ذاكرتها الطفولية، ولعلها تلك الأيام هي من سردت أمامها تلك السنين التي كان فيها كل شئ مزدهر يعمه الخير .
"أم محمود" ركن من أركان المدبح بالسيدة زينب، ترعرعت به ولا تعرف مكان آخر غيره لعملها، هو بيتها الأول قضت فيه معظم أوقات حياتها، بداية منذ أن كانت طفلة ونهاية بأولادها .
تقول "أم محمود"،ل"الفجر"،"إنها عندما بلغت11عاما، كانت تنزل المدبح وتقف بجوار أبيها، تساعده ولكنها لم تكن تقدر على حمل السكين، وكانت تسعد عندما يصحبها أبيها في يده، إلى محل الجزارة الخاصة بهم، وكان من أكبر محلات الجزارة في المنطقة .
وبنظرة رضا في حديثها تحس من كلماتها بنوع من التباهي وتجعلك تنصت إليها لتعرف ماهي تلك المهنة، التي تجعل صاحبها بكل تلك الإيجابية، والإقبال على الحياة .
وتذكر "أم محمود"، أنها تزوجت من جزار أيضا، ورغم تعلمها العالي وخوضها لمرحلة التعليم، التي لم تكن حائلا لعدم نزولها إلى المدبح ، أو حتى شغفها الشديد بالبيع والتعامل مع الزبائن، وسلك أولادها نفس المهنة، ولكن بعد إنهاء رحلتهم الدراسية، قائلة: "تبقي في أيديهم صنعة ياكلو منها، بدل قعدتهم في الشارع".
وبحركة بطيئة بالسكين تقطع حلويات اللحوم،"أكلة الغلابة"حسب وصفها، ونظرة في معالم السوق ووجوه الزبائن ، حتى تتغير ملامحها وتتبدل ضحكتها، ويصحب نبرة صوتها شئ من الحسرة، لتستكمل حديثها" زمان كانت الدنيا بخير، الواحد كان بيحب ينزل ويشوف الناس، ام الآن وجوه الناس ملئية بالتجاعيد لتفكيرهم في تدبير حياتهم ومعيشتهم، وحال الغلابة بقي يصعب على الكافر، وربنا يرحم إللى مات منهم من الجوع .