"الفن يحاكي الواقع ويستنسخه".. هكذا أعتدنا دومًا مطالعة الأعمال الفنية طيلة العقود الماضية، لكنها باتت اليوم تقدم صورًا غير مألوفة، ونماذج لم نعهدها بعد، لتأخذ طريقها في الإنتشار داخل المجتمع إقتداءًا بالبطل هذا أو ذاك.
واستلهمت الدراما المصرية في الآونة الأخيرة كثير من مشاهدها من حياة قاطني العشوائيات، ووجهت الأنظار نحو فئة مهمشة لا تتعدي نسبة 1% من المجتمع، وهي شخصية "المواطن البلطجي"، إلى جانب مظاهر الانحطاط الأخلاقي الأخرى المتمثلة في تقديم أنواع الرقص الشعبي المبتذل التي لا يخلو أي فيلم أو عمل درامي منها علي نحو مغايرة للواقع.
ولجأ مقدمي هذه الأعمال إلى تبرير إظهار مثل هذه النماذج بأنها بالفعل موجودة في المجتمع المصري، يتم تناولها علي سبيل النقد والتحذير من إنتشارها، إلا أن النقاد والروائيين كان لهم رأي آخر رصدته "الدستور" في التقرير التالي:
"القعيد والدولة"
الأديب والكاتب الروائي الكبير، يوسف القعيد، أكد أن الدراما أصبحت تؤثر في الشارع، و ليس العكس كما كان معتاد من قبل، مشيرا الي أن العديد من المشاهد الصادمة والخارجة عن المألوف في الأعمال الفنيه، جري محاكاتها في الواقع مثلما حدث في إحدي قرى الريف بتقليد مشهد خارج بمسلسل فني إذ قام مواطنين بالطواف داخل القرية ومعهم زوج نجلتهم مرتديًا "قميص نوم" بعد ان نشر صورًا جنسية لها.
وأضاف القعيد، في تصريح خاص،" الوضع في المجتمع ليس كما يتم تصويره بقلة الثقافة وانعدام الاخلاق رغم ضحالة ورعب الواقع"، لافتًا إلى أن الحل للقضاء على هذه الممارسات السلبية ليس بتقديم المجتمع بهذه الشخصيات الشاذة، وانما عودة الدولة لإنتاج الأعمال الدرامية ذات القيمة الأخلاقية.
وشدد علي ضرورة قيام الدولة بدورها في النهوض بقطاع الدراما لإنتاج أعمال فنيه غير هادفة للربح، لكنها ترسخ للعادات والتقاليد والسلوكيات الحميدة من خلال المسلسلات الدينية والتاريخية والتعليمية ومسلسلات الأطفال، مضيفًا:إقدام الدولة على هذا سيسحب البساط من تحت الأعمال الردئية ويعيد للدراما المصرية قيمتها ورونقها الحضاري".
"نجلاء والرقابة"
ومن جانبها، أكدت نجلاء فاروق، ناقدة سينمائية، أن الشخصيات المقدمة في غالبية الأعمال الفنية غير ممثلة لفئات المتجمع وطبقاته ولا تمثل سوي حالات فردية، لكن مع تعمد الدراما نشرها سيؤدي ذلك إلى انتشار الآثار السلبية، وتعميمها.
وأضافت:نحتاج إلى إبراز الإيجابيات كما يتم فرد مساحة كبيرة للسلبيات، المتمثلة في التركيز علي شخصيات البلطجة والأعمال المسفة لتقديمها للمواطنين داخل المنازل".
وأردفت الناقدة،:" يفترض في المنتجين والكتاب تقديم فن هادف وهو عكس ما يحدث الآن فالجميع يسعون للربح فقط دون النظر لقيمة العمل الفنية وتاثيره السلبي بالمجتمع".
ولفتت إلى أن هناك دور للحكومة يتمثل في تشديد الرقابة لمنع هذه الأعمال التي يؤثر بالسلب على المجتمع، حيث كان يتم تقديم أعمال مشابهة لهذه الأعمال في الفن قديمًا ولكن يتم إظهارها بمظر السلب وليس التمجيد والترويج لها".
وعن مسئولية الفنانين في تقديم هذه الأعمال، قالت:" الفنان أو الممثل يقتصر دوره على رؤية النص على الورق وتأدية الدور فقط، في حين كاتب العمل والمنتج يتحملوا المسئولية الادبية لذلك، لذا على الإعلام تقديم النقاد لشرح السلبيات للأعمال الدرامية كحملات لمواجهة هذه النوعية الغير هادفة للأعمال الفنية".
ووجهت الناقدة السينمائية، رسالة لمنتجي الأعمال الفنية والممثل محمد رمضان، الذي اتجه لآداء شخصية البلطجي في مشواره الفني، قائلةً:" بقوله خف من السلبيات واعمل دراما هادفة إيجابية، وعلى المنتجين التوجه نحو تنفيذ أعمال المسلسلات الدينية والتاريخية لنقد ورصد العادات السلبية والايجابية في الأسرة المصرية".
"قاسم ينتقد"
وبدوره قال الناقد والمؤرخ السينمائي محمود قاسم،:" إن الدرما تكون لدي المتلقي تراكم بالذاكرة على مدار السنين وقد يستعين بهذه الأفكار المترسخة لديه لتطبيقها على أرض الواقع، فمثلًا عند مشاهدة أكثر من عمل لفنان معين يرتبط المتلقي به كأحد أقرباءه فنجده يحزن لوفاته أو يفرح لتفوقه وإنجازه".
وأضاف قاسم: قيام أحد الممثلين بآداء دور "اللمبي" منذ عام 2002 أصابه بجنون لهذه الشخصية وبات يقدمها إلى اليوم، وآخر يقدم أدوار البلطجي، وهذا ليس تجسيدًا لشخصيات مهمشة وإنما هي تمجيد للبلطجة".
وتابع النقاد والمرخ الفني، :" أنا يمثلني الفنان أحمد حلمي، وأحمد السقا، ولا يمثلني هؤلاء الذين يقدمون ثقافة الشارع الحقيرة، فيما لا يتم تقديم ثقافة المتعلمين أو ثقافة الصفوة، وبات الطلب على أدوار البلطجة، وحُوِّل الفن إلى فن الصِّيَع، مضيفًا:منذ ثورة 25 يناير وأصبح الإقبال على السينما ودور العرض من فئات المنفلتين، ليتم اعتماد هذه الثقافة في تقديم الأعمال الفنية فبدلًا من أن يكون الفن آداة لتغيير السلوك السلبي بات مرسخًا له".
وأشار قاسم، إلى أن المشكلة تكمن في التعليم المصري في ظل انتشار الدروس الخصوصية والتعليم الخاص الفهلوي الذي خرج أجيالًا بعيدة عن الثقافة والمعرفة، الذي يحتاج إلى تعديل وتقويم شامل".
"البلطجة والكيف والدعارة".. ثلاثي الدراما المصرية .. نقاد يفتحون النار على وزارة الثقافة.. القعيد يطالب الدولة بالتدخل.. وقاسم: ثقافة العشوائيات شوهت المجتمع والرقابة في غيبوبة
مصدر الخبر
الدستور