الأربعاء 1 يوليه 2026 — القاهرة

«البنات دول»

«البنات دول»

فى الليل تعود المصاطب الأسمنتية، أعلاها وأسفلها، على محطات الترام فى الإسكندرية؛ لأصحابها الليليين. هذه الجماعات من "أولاد الشوارع"، أولاد وبنات، الذين يعودون من سعيهم النهارى، ويحتلون هذه المصاطب، ويحولونها إلى أسرَّة مفروشة بكراتين علب المنظفات والسمن وأجهزة الكمبيوتر الثخينة، وأحيانا ببطانية متسخة يضعها أحدهم بينه وبين الخرسانة الأسمنتية. لو مررت صباحا، أثناء استيقاظهم، فستجدهم يحاولون أن يمرروا تلك اللحظات الصعبة، بعد خروجهم مباشرة من الحلم للحياة، ينظرون لك بتعجب كأنك سرقت منهم لحظة ليست من حقك. يتناغشون بأرجلهم، كما يتناغش الإخوة فى الغرف الدافئة، ثم تتطور المناغشة لمداعبات ثقيلة تستخدم فيها الأيدى واللسان، وربما تتطور المناغشة وتصل إلى سب الدين. لا يزالون يحتفظون بروح طفولة البيوت الدافئة. ثم يبدأ ملعبهم فى الاتساع، ليشمل المحطة بأشجارها، بأرصفتها، بزواياها، بركابها، وأيضا بعابريها.

نوع من الحياة الصعبة التى لا تُبقى على أى خصوصية، كخصوصية لحظة النوم، وانفراج الفم وسيلان اللعاب، أو البث المباشر لحلم الانتصاب، للذكور منهن، أو الكلام أثناء النوم. جميع هذه اللحظات الخاصة تتعرى أمام المئات من راكبى الترام، والعابرين. ربما النوم هو الحالة الوحيدة التى تتوفر فيها الخصوصية بالنسبة لهم، ويرجعون فيه أولادًا عاديين، وملوكا على وعيهم الباطن. 

لم تعد تؤثر فيه هذه العين المبحلقة التى تنظر لهم من الخارج. فهذا الخارج، بعيونه المتلصصة والمتأنفة، حتى والمتعاطفة؛ لم يعد يعنيهم، صار عدائيا ويمكن أن ينالوا منه، حتى دون أن يكون غرضهم هو الانتقام، فسلوكهم العادى أصبح مؤسسا على الاقتصاص من هذا الخارج ليوفروا لأنفسهم مكانا آمنا بداخله يتنازع عليه الملايين.

يحتلون شريط الترام، فى الإسكندرية، حتى فى غير أوقات النوم. ربما ليحرسوا هذه الملكية الوحيدة لهم فى المدينة، وربما ليكونوا مرئيين، بطول هذا الشريط الحضرى، بعيدا عن ظلمة الحوارى وأسفل الكبارى.هم أيضا يريدون مكانا مشمسا وحضاريا ليمارسوا فيه ضياعهم وشم الكلة، وتدخين البانجو، وبلبعة البرشام، هذا العرض المرئى والمتوالى لأشكال متنوعة وبائسة من "عمل الدماغ". 
هذا الشريط أصبح مكان التمثيل، دائرة الجريمة التى لا يبتعدون عنها. 

مصدر الخبر
التحرير

أخبار متعلقة