جاء صيف القاهرة مبكرا وقائظا هذا العام، وبلغت درجة الحرارة في أحد أيام مايو أعلى مستوى لها عن أي مكان في العالم، رقم قياسي آخر تحققه مصر التي تفوقت مؤخرا على الجميع في الأرقام القياسية السيئة، لذلك قمت بالرحيل مبكرا، سافرت كعادتي كل عام إلى مدينة مونتريال، بعيدًا عن الحر والزحام والتلوث الذي لا يدع نسمة من الهواء صالحة للتنفس، ليس هذا مدعاة للحسد، فالود ودي ألا أغادر القاهرة، او أبتعد عن موطني، لكنها فرصة لالتقاط الأنفاس، ولرؤية ابني الذي لم يعد يملك فرصة القدوم للقاهرة، وعلى أمل التفرغ للكتابة التي أصبحت شاقة وسط تفاصيل الأحداث اليومية.
ومونتريال، أو موريال كما يسميها أهلها، مدينة متقلبة الوجوه والفصول، في الشتاء تصبح مدينة شديدة القسوة، يغطي الثلج أسطح منازلها وشوارعها وساحاتها، ويزيح الأوراق عن أشجارها ويظل جاثما على الغصون لشهور طويلة، ومعظم الأيام فيها تكون معتمة بلا وجود للشمس، وحتى الأيام التي تشرق فيها الشمس تكون الأكثر برودة، لأن السماء العارية من السحب لا تحمي المدينة من الصقيع، وعلينا أن نرتدي دومًا أربع طبقات من الملابس، الملابس القطنية وحدها لا تنفع، ولا الملابس الصوفية، ولكن المعاطف المكونة من الألياف الصناعية هي القادرة فقط على حماية الجسم من وخز قطع الثلج المدببة التي لا تكف عن التساقط، في الشتاء تشبه مونتريال فيلما قديما بالأبيض والأسود، لا وجود للألوان، كل شيء يكسوه بياض الثلج، يتحرك فوقه أناس يلبسون المعاطف السوداء، ويخفون وجوههم تحت أغطية الرأس، لا وجوه ولا ملامح واضحة.