بدت تحركات الكيان الصهيوني الدبلوماسية المضادة لحزب الله في المنطقة العربية والساحة الدولية واضحة وظاهرة بشكل واسع في الفترة الأخيرة؛ إذ استخدم الاحتلال الإسرائيلي علاقاته المتشعبة بالولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية والعربية، لتشديد الخناق على الحزب سياسيًا واقتصاديًا، في إطار الحرب الباردة التي تشتعل عسكريا من حين لآخر على الحدود الجنوبية للدولة اللبنانية، لكن يؤكد أغلب المراقبين أنها لم تؤثر بشكل واسع، في ظل اعتماد الحزب على قاعدته السياسية والشعبية.
وظهرت هذه التحركات مؤخرًا في العديد من القرارات، بداية من تطبيق قانون أمريكي أقره الكونجرس في ديسمبر الماضي يفرض عقوبات على المصارف اللبنانية التي تتعامل مع حزب الله، مرورًا بقرار الجامعة العربية بتصنيف الحزب إرهابيًا، رغم غضب مؤيدي الحزب الذين وصفوه بأنه إيعاز من الاحتلال الإسرائيلي، وصولًا إلى رصد الكيان الصهيوني لقاءات المسؤولين الدوليين بأعضاء حزب الله وإدانته لها.
غلق الطريق أمام الكيان الصهيوني
في الأونة الأخيرة، سعى الكيان الصهيوني إلى تضيق الخناق مع عدوه اللدود حزب الله؛ من خلال التهديد بوقف العلاقات مع كل من يتعامل أو يتعاون مع الحزب سياسيًا أو عسكريا، لكن مراقبين أكدو أن لحزب الله تواجدا واسعا في البرلمان اللبناني، وله قاعده سياسية وشعبية ترفض التطبيع مع الكيان الصهيوني، حيث يشارك الحزب بالعديد من الوزراء في الحكومة اللبنانية، الأمر الذي يؤدي إلي صعوبة أن تنصاع القوى الدولية إلى دعوات الكيان الصهيوني، كما التقي وزير الخارجية الفرنسي، جان مارك آيرولت، الأسبوع الماضي، مع بعثة سياسية من حزب الله في لبنان، الأمر الذي أغضب الاحتلال الصيهوني كثيرًا الذي خرج ببيان إدانه للزيارة.
ودعا الناطق باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية، عمانوئيل نحشون، فرنسا إلى اتخاذها نفس المواقف المتبعة من جهة الدول العربية، قائلا إن الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية لا تفرق بين الذراع العسكرية والذراع السياسية لحزب الله، وليس هناك أي سبب يدعو فرنسا لأن تتصرف بشكل مغاير عن جامعة الدول العربية التي تعتبر الحزب إرهابيًا، بحسب قوله.
وبعيدًا عن الدعوه الصهيونية، تعلم فرنسا أن خيوط الحياة السياسية في لبنان بأيدي جميع القوى السياسية المتمثلة في 14 آذار، و8 آذار، التي تشمل حزب الله، تسعى باريس في الفترة الأخيرة إلى حلحة الوضع الرئاسي في لبنان ودفع القوى المختلفة إلى الاتفاق بشأن من يصعد إلى سدة القصر الرئاسي في بعبدا بعد عامين من الفراغ، حيث أكدت التقارير أن زيارة وزير الخارجية الفرنسية تهدف إلى التأكيد على الدعم الذي سبق أن وعد به الرئيس فرنسوا هولاند للبنان فيما يخص ملف الرئاسة وتقريب وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين، لذا لزم على وزير الخارجية الفرنسي لقاء القوى السياسية كافة.
عدم تأثير العقوبات الأمريكية
يبدو أيضأ أن تحرك الحليف الأمريكي بشأن زيادة الخناق على حزب الله داخليًا وفرض عقوبات على المصارف والبنوك اللبنانية التي تتعامل مع الحزب فشل هو الآخر؛ حيث أكد الخبير الاقتصادي اللبناني، غازي وزني، أن التزام المصارف اللبنانية بتطبيق هذه العقوبات ستكون “تأثيراتها محدودة جدًا” على منظمة “حزب الله”؛ كون معاملات الأخيرة المالية تتم بشكل مباشر دون وسيط مصرفي.
وأضاف وزني أن حزب الله لا يمتلك حسابات مصرفية أو أنشطة مالية مع القطاع المصرفي اللبناني، ما يسهل عمل هذا القطاع في تطبيق العقوبات الأمريكية، لافتاً إلى أن لائحة العقوبات الأمريكية تضم أسماء 8 شركات تابعة لحزب الله، ونحو 92 شخصا، موضحا أن عمليات حزب الله المالية تتم بشكل نقدي مباشر وليس عبر المصارف، وأن القطاع المصرفي اللبناني يدرك ذلك جيدا، بحسب تعبيره.
لبنان تصد هجومًا صهيونيًا موجهًا للحزب في مجلس الأمن
أمام مطالبة الكيان الصهيوني ومندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة، داني دانون، مجلس الأمن الدولي بالعمل على إزالة حزب الله من جنوب لبنان، كان لدبلوماسي لبنان ردة فعل قوية تصدى بها لما وصفها بالمهاترات والادعاءات الإسرائيلية؛ حيث تصدى المندوب اللبناني الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير نواف سلام، لإسرائيل مفنداً الهجوم الدبلوماسي الواسع الذي شنه مندوب إسرائيل في الذكرى السنوية العاشرة لحرب تموز 2006.
وسخر سلام من الادعاءات، مذكراً بأن إسرائيل شنت قبل عشر سنين حرباً لجأت فيها إلى استعمال أخطر ما عرفه الدهر من الأسلحة الفتاكة وأبشعها “الذخائر العنقودية”، وأنها ارتكبت آنذاك ما لا يقل عن 11 ألفا و856 انتهاكاً للسيادة اللبنانية، فضلا عن استمرار احتلال الجزء الشمالي من الغجر ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا.
وذكر بأن إسرائيل قصفت في يوليو 2006 محطة الجية، متسببة بتسرب بقعة نفطية لا سابق لها على الشواطئ اللبنانية، نجمت عنها آثار بيئية بالغة، لا سيما على الثروة السمكية والتنوع البيولوجي، موضحا أن الجمعية العمومية للأمم المتحدة تصدر منذ عشر سنين قرارات تطالب إسرائيل بدفع تعويضات للبنان تصل قيمتها إلى 856 مليون دولار بسبب هذه البقعة.
ومن الواضح أن محاولات الكيان الصهيوني الساعية إلى فرض خناق سياسي ودولي من خلال العقوبات أو ترهيب المتعاملين مع حزب الله فشلت، خاصة في الشهور القليلة الماضية، لكن يتضح من هذه التحركات أن الحرب الباردة من خلال المعارك الدبلوماسية بين الحزب والكيان الصهيوني وصلت إلى أشدها، ومع فشل التحركات الصهيونية في تحقيق أهدافها واستنفاد أوراقها، قد تصل الحرب في الفترة المقبلة إلى المواجهة العسكرية الشاملة.