«من قال لا فلم يمت».. حقيقة آمن بها، ضمنت له الوجود والحياة بعد وفاته، حاضرًا بكفاحه في سبيل الحرية، حيًا بكلماته ومواقفه التي أحيا بها أمم من بعده، امتدت مسيرته المناضلة لأجل العدالة والمساواة، من إفريقيا إلى العالم العربي، يعترض ويشجب ويندد في أوجه الاستعمار المختلفة، حتى وافته المنيه حاملًا معه تاريخًا لا ينسى من الكفاح.. هو الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا.
التصقت فكرة المعارضة السياسية خلال فترة الأربعينات في جنول إفريقيا باسم مانديلا، حيث بدأها بمعارضة قوية لنظام الحكم، الذي كان في يد الأقلية البيضاء، حيث كان جنوب إفريقيا يعيش حالة من الاضطراب خلال هذه الفترة، بسبب خضوعه لحكم يقوم على التمييز العنصري الشامل.
فلم يكن يحق للسود الانتخاب ولا المشاركة في الحياة السياسية أو إدارة شئون البلاد، وكان يحق لحكومة الأقلية البيضاء أن تجردهم من ممتلكاتهم أو أن تنقلهم من مقاطعة إلى أخرى، مع انتهاك للمقدسات وحرمان من حق العيش على أرض الآباء والأجداد وإلى جانب الأهل وأبناء النسب الواحد.
وروى في مذكرات له بعنوان: «مسيرة طويلة نحو الحرية» التي كتبها عندما كان معتقلًا لمدة 27 عامًا في «روبن آيلاند»، كيف أصبح رمزًا دوليًا لمقاومة الفصل العنصري، ثم رمزًا للمبادئ السامية لحقوق الإنسان والحرية.
وتحدث فيها عن أن معاناته من الحياة الصعبة الفقيرة التي يحياها كثير من السود مثله، عمل خلالها في أحد المناجم، ثم انغمس في هموم شعبه من خلال مكتبه للمحاماة؛ حيث حصل على إجازة الحقوق، ثم من خلال العمل السياسي، حين انضم عام 1942 الى المؤتمر الوطني الإفريقي.
وكان له مواقف لا تنسى بدأت عام 1948، الذي صدر فيه قانون التفرقة العنصرية بين البيض والسود، وخطط «مانديلا» وقتها لأول عمل من أعمال المقاومة، عندما انتقل متخفيًا إلى جوهانسبرج وأقام في منزل يملكه حليف من الحزب الشيوعي تحت اسم «ديفيد موتسماي».
وأصبح حينها رئيسًا للجناح العسكري للمؤتمر الإفريقي، علاوة على إنشائه جماعته المسلحة التي تسمى بـ«اومكونتو وي سيزوي» أو رمح الأمة، والتي جاءت في أعقاب «مذبحة شاربفيل» التي قتل فيها 69 متظاهرًا أسود مناهضين لنظام الفصل العنصري على أيدي الشرطة، حيث رأى أن تشكيل جماعة مقاومة مسلحة بات وسيلة ضرورية لمحاربة الطبيعة الممنهجة والمتزايدة للعنف والقمع الذي تمارسه الحكومة.
كما سجل التاريخ مواقف لن تمحى في مسيرة المناضل مانديلا، الذي خرج من إفريقيا لينشر فلسفة الحرية التي تزعمها إلى الدول العربية، حيث كان أول من زعيم إفريقي يعترض على احتلال القوات الإسرائيلية للأراضي الفلسطينية.
وخرج وقتها قائلًا: «الأمم المتحدة اتخذت موقفًا قويًا ضد نظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا، وعلى مر السنين، بنيت إجماعًا دوليًا وضع نهاية لهذا النظام الجائر، لكن نعلم جيدًا أن حريتنا ناقصة بدون تحقق حرية الفلسطينيين».
وخاص معارك ضارية ضد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية في فلسطين والجولان وجنوب لبنان، وطالب بخروجها من الأراضي العربية، وفضحها في المحافل الدولية، قائلًا:«على إسرائيل الانسحاب من جميع المناطق العربية التي استولت عليها في عام 1967، وعليها خاصة أن تنسحب من مرتفعات الجولان والضفة الغربية وجنوب لبنان».
كما أعلن مانديلا رفضه استعداد الولايات المتحدة لغزو العراق، وكان في مقدمة من عارضوا العدوان الأمريكي على العراق، ومن أوائل من فضحوا الأهداف الاستعمارية، والإمبريالية، والإمبراطورية، لهذه الحرب الظالمة التي ضربت عرض الحائط بالقانون الدولي والرأي العام العالمي.
وخرج وقتها قائلًا: «إذا نظرت إلى هذه الأمور سنصل إلى استنتاج مفاده أن اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية للعراق يهدد السلام العالمي».
وتبعها بموقف لا ينسى له برفضه لقاء الرئيس الأمريكي جورج بوش أثناء زيارته جنوب إفريقيا، وأعلن ان سبب مقاطعته للرئيس بوش هو إظهار احتجاجه على السياسة الأمريكية تجاه العراق.
وقال: "إن إصرار الرئيس بوش على انتهاك ميثاق الأمم المتحدة، وازدراء المنظمة الدولية، ومهاجمة بلد مستقل ، هو عمل أدنته من قبل بأشد الكلمات، وإنكم تفترضون إني سأقابله، ولكني لا افترض ذلك، وقد قلت ما أردت قوله، وليس على أن أكرره".
وفضح الهدف الأمريكي من غزو العراق في المحافل الدولية والمؤتمرات، فكان دومًا يردد أن دوافع الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش من غزو العراق هو النفط فقط، قائلًا: «إذا كانت هناك دولة في العالم ارتكبت فظائع لا توصف، فهي الولايات المتحدة، إنهم لا يهتمون ببني البشر».
كما أعلن مانديلا دعمه الكامل للثورة الكوبية التي وقعت في كوبا عام 1959 بقيادة "فيدل كاسترو"، وإسقاط الديكتاتورية العسكرية للرئيس الكوبي "لفولجنسيو باتيستا"، في مقولة شهيرة له: "منذ الأيام الأولى للثورة الكوبية، أصبحت الثورة مصدر إلهام للشعوب المحبة للحرية".
وتابع: "نحن معجبون بتضحيات الشعب الكوبي من أجل الدفاع عن استقلالهم وسيادتهم في مواجهة الحملة الاستعمارية لتدمير المكاسب التي حققتها الثورة.. عاشت الثورة الكوبية.. عاش الرفيق فيدل كاسترو».
كما عُرف عنه دعمه المستمر لنظام الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي السابق، ضد العقوبات المفروضة عليه من قبل مجلس الأمن عام 1970، بحظر تصدير السلاح إلى ليبيا وسفر رعاياها للدول الأعضاء، فقال وقتها مانديلا: «إن واجبنا يحتم علينا تقديم الدعم للأخ القائد خاصة فيما يتعلق بالعقوبات التي لا تستهدف ضربه شخصيًا، وإنما ضرب جماهير الناس العادية.. إنهم إخواننا وأخواتنا الأفارقة».
ولم يكن نشاطه مقتصرًا على النضال ضد العنصرية، بل أسس مؤسسة نيلسون مانديلا لمكافحة مرض الإيدز والتنمية الريفية وبناء المدارس، وأعلن بعدها عن وفاه نجله بمرض الإيدز.
وفي عام 2003، أعلن رئيس جنوب إفريقيا "جاكوب زوما"، عن رحيل مانديلا بكلمة شهيرة له قال فيها: "رحل حبيبنا نيلسون مانديلا الرئيس المؤسس لبلدنا الديمقراطي.. فاضت روحه إلى بارئها بسلام في منزلة"، آمرًا بتنكيس الأعلام في البلاد.
8 مواقف لا تنسى للمناضل «نيلسون مانديلا».. رفض مقابلة «بوش» بعد غزو العراق.. وفضح «العدوان الإسرائيلي» على فلسطين.. وآخر كلماته: «من قال لا فلم يمت»
مصدر الخبر
الدستور