يفتقد جزء من الشعب الفلسطيني قافية المقاومة وأبجديات المبادئ الوطنية التي ضاعت في معمعة التنسيقات والاتفاقات، وهذا الجزء مهما كان قليلًا قد لا يعبر عن الصورة المشرفة المأخوذة عن أهل فلسطين، إلا أنه في صدد إعدادنا بحثًا شاملًا لا يمكن أن نغض الطرف عنه، فهذه الجزئيات تُعيق حركة المقاومة ونجاعتها، بل تعتبر ضمائر عميلة للعدو الصهيوني. أوليس المنافق الذي يحمي ظهر الأعداء؟ فإن كان في فلسطين أهل نفاق وجبت محاربتهم باللسان، أمّا الكفار فوجبت محاربتهم بالسنان.
فكرة القعود عن جهاد الصهاينة هو فكر مُنتكِس، وهذا الفكر لدخيل لم يكن موجودًا قبل سنوات قليلة وإلا لما قامت الانتفاضات، السبب أن البيئة الجهادية اختلفت وفق بُعد المصلحة والبقاء، ومع ذلك ظلت الجماهير الأنانية تقدم الولاء المطلق لفصيلهم وما هذا إلا (انعدام وعي). وأصبحت تلك المجاهَدة في خضم قائمة أولويات قد تتخطاها مصالح أخرى، وكل تلك الأولويات نابعة من سلطة وطنية تخاف على مصلحة البلد، والتي وبشكل غريب تفشل في فرض أي سلطة وفي توحيد أيّما وطن.
مثّل القعود الأول عن الجهاد حينما وُضعت مسألة الاعتداء على الصهاينة موضع الخلاف، واشتعلت المقاهي مناقشةً للمدنية اليهودية، فكيف لكم أن تقولوا بمدنية اليهود الذين استوطنوا الأرض؟ أين مفهوم المدنية حينما يشغر هذا اليهودي جغرافيا ليست له، وعلى هذا الأساس فإن دماء اليهود المستوطنين غير معصومة ووجب تطبيق شرعية الجهاد إذا ما حققت شروطها ويحق للفلسطيني سرقة المستوطن (ما لم يترتب عليه مفسدة أكبر)، ومن يتثاقل عن هذه الأمور فهو يحسِم الجهاد المسلم ويطور من منظومة الجهاد اليهودي، وعليه فإني أخاطب العقول المخدوعة المتخاذلة، علّهم يعلمون أهمية تخاذلهم هذا عند اليهود في جهادهم.
وفق نتائج استطلاع أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية قبل أسبوع أظهرت نتائجه أن أغلبية اليهود يرفضون فكرة الانسحاب من الضفة بل هناك مطالبات بتضييق الخناق أكثر، يحلل زئيف كام عن عضو الكنيست الإسرائيلي يوآف كيش خطته السياسية التي تتضمن خمسة مبادئ أساسية؛ أولها إقامة دولة يهودية واحدة في المنطقة الواقعة بين الأردن والبحر المتوسط، ثانيها مبدأ أحقية الشعب الإسرائيلي في أرض إسرائيل كلها وإقامة دولة يهودية ديمقراطية داخلها، ثالثًا عدم إخلاء أي يهودي من بيته – والذي هو أصلًا مُلك فلسطيني -، المبدأ الرابع يقوم على رفض منح الفلسطينيين المقيمين داخل إسرائيل حق التصويت في الكنيست، وأخيرًا يقول كيش إن أي حل مستقبلي بين إسرائيل وفلسطين لا بد أن تكون الأردن حاضرة فيه وشريكة في أي اتفاق.
من تلك الحملات التي أسميها دومًا «الجهاد اليهودي» ما نشهده من اقتحامات متكررة طفح بها الكيل لباحات المسجد الأقصى المبارك، في ظل حماية الجنود للمستوطنين ناهيك عن الاعتداءات لأبناء وبنات جلدتنا المرابطين على جنبات المسجد، كذلك تعسير أمر تصاريح دخول القدس لما هم دون عمر الخمسين أو الخمس والخمسين سنة، وتجريف الأراضي الزراعية التي يعد خراجها رمزًا في الحياة الفلسطينية، والاستيلاء على الأراضي الإستراتيجية والتضييق على البناء والإعمار. وتزداد الاعتقالات الإدارية والأحكام التعسفية على كافة شرائح المجتمع، طلبة جامعات وأطفال قاصرين ونساء وشيوخ ثكالى في ظل صمت السلطة الفلسطينية التي بدورها تعتقل وتساند الاحتلال في هجومها الشرس على حاملي الأسلحة «أسلحة مقاومة» والقضاء على أي خلايا جهادية بحجة بعث الاستقرار، في حين لا يتخطى هدف غرفة العمليات الواحدة هذه إلا إعطاء اليهود أهدافًا سهلة، وتسهيل مهامها لاجتياح المناطق.
أما ما يربض على عاتق أهلنا وأحبائنا في فلسطين فهو أمر الإعداد المثالي لمواجهة هذا المحتل الغاشم، فقلما تجد عائلات توفر الحس الجهادي في تربية أبنائها على سنة السلف وإعطاء دورات تدريبية في ردع الاحتلال وزرع مفاهيم مقدسية، وللأسف هذه التربية عكست جيلًا متواضعًا ها هو اليوم نراه طاغيًا، نرى المشاكل الأسرية التي تنهش أفراد العائلة الواحدة ونرى العصيان في الشوارع، في حين لا يخفى على أحد يعيش في فلسطين حجم روتين شتم الله الذي هو أسهل من أي أمرٍ آخر.
وغياب الفكر السليم في الكِبر يعكس سوء التربية في الصِغر والتي بدورها تعلن مدى غياب الأفراد عن المساجد وانشغالهم عن الطاعات، المساجد التي يجتمع بها الناس لتنمية حس القيادة وتحمل المسؤولية ناهيك عن كونها دار عبادة، يقول الراحل علي عزت بيجوفيتش في مقالاته عن (الإسلام- الوحدة ثنائية القطب): «أما الفرق بين المسجد والكنيسة فهو أن المسجد هو مكان للناس بينما الكنيسة هي معبد للرب، في المسجد يسودُ جو من العقلانية وفي الكنيسة جو من الصوفية، في المسجد من المفروض أن يناقش الناس فيه بعد انتهائهم من الصلاة هموم دنياهم».
سببٌ آخر يُشغل الشارع الفلسطيني عن الجهاد هو انشغالهم بالتجارة وانغماسهم في تدبير أمور دنياهم من زراعة وصناعة ورأس مال، وفي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم». وفي هذا الحديث الشريف إسقاط صحيح على واقع أهل فلسطين، وهذا الحديث لا يعيب مهنة الزراعة إنما ينتقد فكرة أن تكون الزراعة والحرث أكبر هم، وترك الجهاد الذي بدا واضحًا في السنوات الأخيرة وبدأت مفاهيم الجهاد في فلسطين وقفًا على مفاهيم عالمية مثل: (العيش الديمقراطي لليهود، مدنية اليهود، خريطة السلام). فوجب تحذير الناس من هذه الملهيات التي استبدلها الناس على نعيمٍ مقيم لا يزول أبدًا.
والتطبيع الأعمى مع الصهاينة ما هو إلا علامة شر بجانب علامات شر كثيرة حولت مهجع القضية الفلسطينية من مسألة مقاومة وشرف إلى مسائل تفاوض وتقديم تنازلات على حساب هذا الشعب الغلبان، إن التنسيق على سبيل المثال لا الحصر يحمي المستوطنين وبث في قلوبهم الاطمئنان حتى في الشغب الصادر منهم، في ظل هذا الخذلان فإن السلطة ليس لمصلحتها انفجار الموقف أكثر، فهي تنعم بهذا التنسيق وانفجار الموقف سيضعها في موقف محرج. فأسأل الله الذي صنع بإرادته أذنابًا لهذا المحتل أن يصنع بإرادته توبة لهذه الشريحة المتخاذلة ويعيدهم إلى العقيدة والموقف السليميْن ردًا جميلًا قولوا آمين.
رسالتي إلى أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل فلسطين، الذين يودون مجاورة اليهودِ وينتقدون كل أمنيات المقاومة في دحر هذا المحتل من حيث أتى، كم يدفع لكم العدو لشراء مواقفكم الوطنية؟ أين نقدكم هذا في وجه المحتل بملف الأسرى؟ حجم الاعتقالات للشريحة القاصرة، ما قولكم بطلبة التوجيهي الذين استشهدوا، كيف لكم أن تتغاضوا عن صور طرد العمال والمزارعين والصيادين، أين نخوَتكم للمناطق المحاصرة اليوم، أين رؤوس أموالكم لبيوت المقاومين المهدمة وأين الشرفاء من تهجير الأهالي ومن تهويد القدس. وما زال الحرمان يغلب المرأة الفلسطينية في غياهب السجون، حرمان صحي وعلاجي وغذائي، تفتيش عارٍ وتحرش وتعذيب جسدي ونفسي. وهذا كله ليبكي القلب، والحساب عليها عسير ونحن أمة لا تنام على ضيم.
يعزّ على الشرفاء أن تكون القضية الفلسطينية مجدلةً مخضبةً بالعوام، وما يصيب القلب حزنًا أن هذه الأرض مباركة والجهاد فيها إعلاء ديني وليس قومية أو عاطفة وطنية، شهدت هذه الأرض تولية المسلمين لشوكة العجم وملوكهم، أما الآن فأجهل كيف وصل الحال ليكون المجاهد هو الشاذ والأزعر في الشارع هو النمط. وما يحفظ الأمل أن هناك خيرًا كثيرًا في بيوت هذا الوطن الضيّق، وكذلك همة تُحسب لإخواننا في جمهور الفصائل القومية ولجبهات النضال الشعبية الذين يملكون إصرارًا طيبًا على المضي بشيء من المقاومة وتفعيل الحراك الشعبي (مع اختلافنا معهم في العقيدة والغاية)، ونحن جميعًا نعلم أننا وبملء رغبتنا وحريتنا نستطيع فعل أي شيء، ما دمنا نملك الخيار على ذلك وإلى الله أشكو عُجْري وبُجْري، أدعوكم يا قوم إلى الانتفاض وتجديد البيعة، جهادٌ عقائدي بكل ما نملك من قدرة، يكفينا أننا طردنا من الشرق إلى أقصى هذا الصقع، ونُحسد اليوم على لقمة تبقي الرمق، اكسروا جفون السيوف فالموت أولى أو الظفر.