كانت علاقة وزارة الأوقاف بمشيخة الأزهر يسودها الوئام والتقدير والالتزام بقرارات الأزهر وفتاواه، فلم تعترض الأوقاف على أي من فتاوى الأزهر، وسلمته مهمة رصد وتحليل ودحض الفتاوى الإرهابية دون تدخل من الوزير محمد مختار، الذي دومًا ما كان يقدر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، ولم يعكر صفو هذا الوئام إلا الخطبة المكتوبة، التي أرادت وزارة الأوقاف إقرارها؛ لكي تسيطر على المساجد، بعد عهد بائد سيطر فيه السلفيون والإخوان على المنابر, وبدأت أولى خطوات فرض السيطرة من الأوقاف على المساجد، بمنع السلفيين من صعود المنابر إلا بتصريح من الوزارة، حيث إن عدد المساجد في مصر وصل لـ100 ألف مسجد وزاوية، كانت الأوقاف لا تسيطر إلا على نصفها, ونجحت الوزارة في منع أي خطيب غير معين من قبلها من صعود المنبر، ثم قامت بتوحيد موضوع الخطبة؛ لكي يتم منع تجنيد الشباب من التنظيمات الإرهابية، إلا أن كل هذه الإجراءات الصارمة لم تؤتِ ثمارها، بل على العكس استمر الشباب في الاتضمام للتنظيمات الإرهابية، وكذلك استمر صعود السلفيين للمنابر مرة بالقانون عن طريق إذن من الوزارة وأخرى بالقوة, فلجأت الوزارة لحيلة جديدة، تعتقد أنها ستجعلها تصل لمأربها، وهي الخطبة المكتوبة التي يتم توزيعها على المساجد؛ ليلتزم بها كل خطيب في كل مساجد الجمهورية, وهو ما أثار حفيظة مؤسسة الأزهر.
وأعلن شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب وهيئة كبار العلماء بالأزهر رفضهم للخطبة المكتوبة، وذلك في بيان رسمي صدر عن المؤسسة, ووجه الدكتور الطيب تعليماته لقيادات المشيخة بعدم الحديث في هذا الأمر وتجاهله تمامًا.
فيما تمسك وزير الأوقاف محمد مختار بالخطبة المكتوبة، رافضًا الالتزام برأي الأزهر في هذا الأمر.
وقال جابر طايع، رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف، إن كل خطباء الوزارة ملتزمون بالخطبة المكتوبة، ولن يحيدوا عنها طبقًا لقرار وزير الأوقاف، محذرًا من يخالف القرار أنه سيعرض نفسه للمساءلة القانونية.
وأضاف طايع في تصريح لـ “البديل” أن الخطبة المكتوبة تأتي ضمن سلسلة إجراءات منهجية تتخذها الأوقاف؛ لتوجيه خطاب ديني معتدل، يبتعد عن بث العنف والطائفية في نفوس الناس، وذلك بعد سلسلة الأحداث الكارثية التي تشهدها البلاد.
وأكد طايع أن الخطبة المكتوبة يتم وضعها من قبل شيوخ أجلاء بوزارة الأوقاف، وتحوي أفكارًا تؤصل لوسطية الإسلام، وأنه دين السلام، وليس دينًا يدعو للقتال كما يروج البعض.
جدير بالذكر أن وزارة الأوقاف كانت أعلنت أن الخطبة المكتوبة مجرد اقتراح منها للأئمة في المساجد، ومن لا يلتزم بها، لن يعاقب على هذا الأمر, وهو ما أثار حفيظة هيئة الأزقاف بمحافظة الغربية، التي رفضت الأمر، وأصدرت بيانًا تعلن فيه عدم التزامها بالخطبة المكتوبة، مستعينة برأي هيئة كبار علماء الأزهر, وأعلنت الهيئة أنها ستلجأ للقضاء في حال إصرار الوزارة على القرار.
من جانبه قال الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر الشريف، إن الأزهر يرفض الخطبة المكتوبة؛ لأن عيوبها أكثر من منافعها، منها على سبيل المثل لا الحصر أنها تقولب العقول، وتقتل الإبداع، كما أنها لا تستطيع معالجة مشاكل المجتمع؛ لاختلاف فئات الأمة، وبهذه الطريقة تفقد خطبة الجمعة الغرض منها في الأساس.
وأضاف شومان لـ “البديل” أن وزارة الأوقاف تدعم الخطبة المكتوبة؛ لأنها تعتقد فائدتها في الحد من إشاعة الخرافات والدجل والتطرف والمذهبية، حيث إنها سمات مشتركة لكثير من الخطباء الجهلة والمتعصبين، وهؤلاء كثيرون، ويضرون بالدين أبلغ ضرر، ولكنها أيضًا لا تفيد في كونها تفقد خطبة الجمعة بريقها؛ فالجمعة بمثابة عيد للمسلمين.
وأوضح أن حل هذه الأزمة في التعليم الذي يضمن حصول خطيب المسجد على شهادة من معهد متخصص للدعاة، مطالبًا بإحداث ثورة فى مناهج هذه المعاهد التعليمية؛ لكي تزكي المزايا، وتقضي على العيوب.
مقرًّا في ذات الوقت أنه أمر صعب تحقيقه؛ لذا ليس هناك حل يلوح في الأفق غير إلغاء الخطبة المكتوبة وتطوير وسائل الرقابة على الدعاة بأسلوب علميى وليس بخطبة مكتوبة يتلونها من ورقة، وكأن وظيفتهم القراءة فقط.