أكثر مرة رأيت فيها العالم الكبير الراحل أحمد زويل منشرحًا وسعيدًا، عندما كان يتحدث عن الطلاب المصريين المتفوقين الذين تقدموا للاختبار فى الجامعة التى تحمل اسمه.
يومها ــ قبل حوالى عامين ــ كنا مجموعة من الإعلاميين نلتقى به فى المقر الإدارى للجامعة فى جاردن سيتى.
فى هذا اليوم تحدث الدكتور زويل كثيرًا عن المقاييس العامة لنسب الذكاء والتحصيل، وكيف أن من يحصل على 95? فى الثانوية العامة المصرية هذه الأيام، فإن نتيجته الحقيقية قد لا تزيد على 65?. ورغم ذلك فإن عيون الدكتور زويل كانت تلمع بشدة وهو يتحدث عن مستوى ذكاء الطلاب المصريين، ثم يتحول لمعان العيون إلى حزن وأسى، بسبب المناخ الذى لا يشجع هذه المواهب، بل يصيبها بالإحباط وأحيانًا يحاربها ويقتل فيها روح الإبداع.
هناك عبارة يتداولها كثيرون على صفحات التواصل الاجتماعى منسوبة للدكتور أحمد زويل تقول ما معناه إن «الغرب ليسوا عباقرة ونحن أغبياء.. هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل».
لا أعرف إذا كان الدكتور زويل قد قال هذه العبارة أو الحكمة نصًا أم لا، لكن المؤكد أنها قريبة من تفكيره وتفكير أى شخص عاش الإحباط العلمى فى الداخل، ثم جرب أن يسافر ويعمل وينجح فى الخارج.
أعتقد أنه لا يوجد شعب أكثر ذكاء من شعب آخر. يولد الجميع متساوون فى كل شىء تقريبًا. البيئة والمناخ وكل ما هو محيط بك، إما يجعلك ناجحًا ومتفوقًا أو فاشلًا ومتعثرًا.
يحسب للدكتور زويل أنه كان دائم الحديث بفخر وتقدير عن التعليم الذى تلقاه فى الخمسينيات والستينيات فى مدارس مصر الناصرية. خرج من المدارس المصرية الحكومية العادية جدًا إلى جامعة الإسكندرية، ليذهب إلى الولايات المتحدة ويحقق النجاح الباهر ويحصد جائزة نوبل.
رغم كل الانتقادات التى يمكن توجيهها لسياسات جمال عبدالناصر فى مناحٍ كثيرة، فإن حق الجميع فى التعليم المجانى والمساواة الكاملة بين الجميع فى المدارس والحصول على رعاية صحية ذات كفاءة فى المستشفيات الحكومية، ظلت واحدة من أفضل ما قدمته تلك الفترة، كانت هناك سياسة تكفل لابن البواب أن يتلقى تعليمًا مشابهًا لابن الوزير فى فصل واحد، وأن يكون النجاح للأكفأ وليس للأغنى، ومكتب تنسيق يوزع الرغبات طبقًا للدرجات قبل أن يتم تفريغ كل شىء من مضمونه.. فى هذا العهد اضطرت ابنة عبدالناصر للذهاب إلى الجامعة الأمريكية بمصاريف، لأنها لم تتمكن من الحصول على درجات تؤهلها لدخول الجامعة المصرية التى كانت متميزة وأفضل فى ذلك الوقت من الجامعة الأمريكية.
تجربة زويل ونبوغه فى الخارج تقول لنا بوضوح كامل إنه من دون إصلاح التعليم والصحة فى مصر فإنه لا أمل فى أى إصلاح، مهما كانت النوايا طيبة، ومهما تدفقت إلينا مليارات الدولارات سواء كانت مساعدات أو منح أو قروض من صندوق النقد ومؤسسات التمويل الدولية.
هل هى صدفة أن معظم المتميزين فى الفترات الأخيرة لمعوا ونجحوا فى الخارج؟! ألا يعنى ذلك أن نعيد النظر بسرعة فى العقبات التى تجعل الهم الأكبر لكثير من الناس هو السفر إلى الخارج سواء للإقامة أو التعليم؟!.
أفضل تكريم للراحل الكبير أحمد زويل أن نبدأ فى إصلاح التعليم فعلاً.. إذا حدث ذلك فسوف يظهر مئات النماذج من زويل فى داخل البلاد وليس فقط فى خارجها.