تجسس روسي وفضائح إلكترونية و"خلع قفزات"
فور اختتام الحزبين الجمهوري والديموقراطي مئتمريهما في الأسبوعين الماضيين والإعلان عن مرشحيهما للانتخابات الرئاسية الأميركية دخلت الولايات المتحدة في ما أطلق عليه الأميركيون تسمية "حرب المئة يوم" بين المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون ومنافسها الجمهوري دونالد ترامب من أجل الفوز بالسباق إلى البيت الأبيض في انتخابات الثامن من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.
هذه الحرب، التي انطلقت رسمياً من منصتي الحزبين في كليفلاند وفيلادلفيا بحملات انتخابية متبادلة استهدفت كل من كلينتون وترامب، تأججت نيرانها على وقع الاختراق الإلكتروني لبريد الحزب الديموقراطي واتهام الاستخبارات الروسية بتسريب الرسائل الإلكترونية المسروقة إلى موقع ويكليكس الذي نشر منها 20 ألف رسالة كانت كافية للإطاحة برئيسة الحزب الديموقراطي ديبي شولتز التي كشفت الرسائل الحزبية الداخلية المقرصنة انحيازها لكلينتون وتورطها في التحريض ضد المرشح المنافس السيناتور بيرني ساندرز.
وتكشف الرسائل أن قياديين كباراً في الحزب تواطأوا لمصلحة كلينتون ضد ساندرز خلال الانتخابات الديموقراطية التمهيدية لاختيار المرشح الرئاسي. وأنهم حرضوا الناخبين في ولايات الجنوب المحافظة ضد ساندرز من خلال إثارة مسألة انتمائه للديانة اليهودية وأفكاره اليسارية المتطرفة.
وبانتظار جلاء نتائج التحقيقات التي بداها "أف بي آي" للكشف عن الجهة التي تقف خلف عملية القرصنة وعلى رغم نفي موسكو فان مسئولين أميركيين لم يستبعدوا احتمال تورط الاستخبارات الروسية في التجسس الإلكتروني على قيادة أحد الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة. ويعتبر هئلاء المسئولين أن الخطير والجديد في الاختراق الإلكتروني الاستخباراتي الروسي لا يتعلق بقيمة وحساسية المعلومات والرسائل المقرصنة من سيرفر الحزب الديموقراطي بل يتعلق بتقصد نشرها أمام الرأي العام الأميركي والدخول المباشر على خط المواجهة الانتخابية بين كلينتون وترامب.
وتفيد تحقيقات خبراء الشركة التي تدير الخدمات الإلكترونية للحزب الديموقراطي بأن مجموعتين من القراصنة الروس تتبعان لوكالتي استخبارات روسية ممولة من الكرملين تقفان وراء الهجوم الإلكتروني على مئسسات الحزب الديموقراطي وقيادته.
وقالت صحيفة "نيويورك تايمز" أن المجموعتين الروسيتين معروفتان لدى أجهزة الاستخبارات الأميركية ولدى مكتب التحقيقات الفيديرالي بعد قيامهما العام الماضي بهجمات إلكترونية ومحاولات تجسس وقرصنة معلومات استهدفت البيت الأبيض ووزارة الخارجية ومئسسات وحكومية أميركية أخرى.
وبمعزل عن صحة الاتهامات التي وجهتها الحملة الانتخابية لكلينتون حول دعم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدونــالد ترامب وتدخل أجهزة الاستخـــبارات الروسية في معركة الرئاسة الأمـــيركية لصالح رجل الأعمال النيويوركي، فإن الخبراء الأمنيون والسياسيون في العـــاصمة الأميركية يرون أن تعمد الأجهزة الاستخــــبارية الروسية تسريب المعلومات والوثـــائق لموقع ويكيليكس قبل يومين من انعـــقاد مئتمر الحزب الديموقراطي يعزز فــــرضية التورط الاستخباراتي الروسي في الحملات الانتخابية الأميركية ضد المــــرشحة الديموقراطية ولصالح المرشح الجمـــهوري تلبــــية لرغبة سيد الكرملين في وصـــول صــديقه الثري إلى البيت الأبيض.
وفي مقابل تجاهل المتحدثين في مئتمر الحزب الديموقراطي لعملية التجسس الإلكترونية الخطيرة التي تعرضت لها مئسسات الحزب والأزمة التي أثارها نشر الرسائل المقرصنة تجنباً لإثارة الانقسامات الحزبية الداخلية فإن حملة ترامب الانتخابية سعت لاستغلال الفضيحة الإلكترونية في الحزب الديموقراطي من أجل تعميق الخلافات والانقسامات الداخلية ومحاولة استمالة الناخبين الديموقراطيين المئيدين لساندر وإقناعهم بالتصويت لصالح ترامب ضد كلينتون.
أما البليونير النيويوركي، الذي قال إنه حان وقت "خلع القفازات" للدلالة على تصاعد حرارة المعركة الانتخابية مع كلينتون وشراستها في الأشهر الثلاثة المقبلة. وعلى رغم نفيه الاتهامات الديموقراطية بتنسيق حملته الانتخابية مع بوتين إلا أنه في الوقت ذاته حض الاستخبارات الروسية على قرصنة آلاف الإيميلات التي كانت قد مسحتها كلينتون قبل بدء تحقيقات أف بي آي في قضية استخدام بريدها الإلكتروني الخاص خلال عملها في وزارة الخارجية.
هذه الدعوة العلنية من المرشح الجمهوري، لجهاز استخبارات دولة أجنبية ما زالت تعتبر عدوة، للتدخل في قضية لها أبعاد سياسية وأمنية أميركية داخلية، اعتبرت سابقة تاريخية خطيرة لم يشهد تاريخ الانتخابات الأميركية مثيلاً لها.
ولا شك في أن الفضيحة الإلكترونية الجديدة ساعدت حملة ترامب في تسجيل نقاط ضد كلينتون وإلحاق مزيد من الأذى في صورة المرشحة الديموقراطية والنيل من صدقيتها لدى الرأي العام الأميركي. فالهجوم على كلينتون وشيطنة شخصيتها والتشكيك في كفاءتها لتبوئ منصب الرئاسة، غلبت على خطابات مئتمر الحزب الجمهوري.