يقف المرء من ماضيه موقفاً غالباً ما يكون ملتبسا. ففى لحظات الرضاء عن النفس، يكون الفرد فخوراً بماضيه، ويردد مع الشاعر الفرنسى أراجون: لو عاودت المسيرة لقطعت الطريق نفسه وفى لحظات أخرى يقوم بنبش الماضى بحثاً عن الفرص المهدرة ووعود الحب الضائعة ويأسف لحياته التى ذهبت سدى.
والواقع أن ارتباك الشعوب إزاء ماضيها أكبر جدا من ارتباك الأفراد. الفارق الأساسى هو أن الفرد يعتقد أن حياته قد ولت وهذا هو نصيبه من الدنيا أما الشعوب فترى المستقبل مفتوحا على وعود لا نهاية لها. ويتخذ موقفها من ماضيها صوراً متنوعة تتراوح بين تقديس هذا الماضى والبكاء عليه، بل محاولة إعادة إنتاجه، وبين إدارة الظهر له والسعى إلى نسيانه تماماً بدافع التوجه إلى المستقبل.
فكلنا يعرف المثل القائل: ليس فى الإمكان أبدع مما كان، وهذه الحالة تعبر عن الحنين والتشاؤم فى الوقت نفسه، لأنها تؤكد استحالة العودة إلى ما كان وفى الوقت نفسه استحالة الوصول إلى ما هو أفضل منه. وهناك أيضاً النظرة نفسها فى تقديس الماضى واعتباره يتضمن افضل اللحظات فى تاريخ الأمة، وإن كانت هذه المرة مصحوبة بنزعة إرادية تعتبر أفراد الشعب لو صدق عزمهم وأخلصوا لطموحهم لتمكنوا بإرادتهم من إعادة إنتاج الماضى كما كان. وهذه هى النزعة السلفية التى تعتبر كل مظاهر التحديث والتجديد إنحرافاً يمكن الرجوع عنه.
وقد عرفت الثقافات المختلفة هذه النزعة بصورة أو بأخرى ولم يقدم لنا التاريخ شاهدا واحدا على نجاح هذه النزعة فى مسعاها. النظرتان السالفتان لا تأملان خيراً فى المستقبل وتتعاملان مع الإنسان على أنه تائه، مهموم بالبحث عن بيته القديم وليس مغامرا ولا مستكشفا ينتظر وعوداً مازالت فى علم الغيب. ولكن لحسن الحظ هناك من يطمحون فى مزيد من التقدم وفى التحرر وفى العدل ويأملون فى أن يتمكنوا من تحقيق ذلك فى المستقبل. أى أنهم يطمحون فى تحقيق صورة جديدة لمجتمعهم لم تتحقق من قبل.
وهؤلاء أيضاً يقفون من الماضى مواقف متنوعة منها محاولة تنقية الماضى من الأفكار التى أنتجت الظلم والقهر. فى قصة "بيت العالم" للشاعر الهندى طاغور، تحكى عن امرأة مات زوجها فقصت شعرها تماماً وحبست نفسها فى البيت كما تقتضى التقاليد، لكنها بحثت لابنتها عن مدرس للبيانو. ووقع المدرس فى حب الأم وأراد أن يغريها بالعودة إلى الحياة فقال لها أن ثقافتنا الهندية لا تعرف اضطهاد المرأة وكل هذه التقاليد دخلت إلى ثقافتنا مع المسلمين.
وفى مقال للأستاذ حسين أحمد أمين، أورد أن مظاهر النقاب والحجاب لم تعرفها ثقافتنا العربية فى الأصل، حيث كانت النساء متحررات ولكنها دخلت إلينا بسبب الثقافة الهندية. وهكذا يحاول أفراد النخبة الطامحون إلى تحرير المرأة تبرئة ماضيهم من هذه النقيصة.
فالهنود يرون أنها دخلت إليهم بسبب العادات الإسلامية، والمسلمون يرون أنها وفدت إليهم من الثقافة الهندية. لا يهم الآن أن نفتح تحقيقا لنقف على أصل الداء.
ولكن المهم أن نبرز أنهم يروجون لفكرة أن المظاهر التى يرفضونها وافدة حتى لا يتمسك لها البعض باسم الهوية والحفاظ على الذات، رغم أن التاريخ مليء بآلاف الشواهد على تجاوز الشعوب لأفكار أصيلة فى ثقافتها.
وعلى أى حال هذه النزعة فى التعامل مع الماضى تسعى لأن يكون الماضى محفزاً على المستقبل المأمول. هناك صورة أخرى تسعى إلى أن تتخلص من الماضى بمجمله. فليست المعاناة الحالية للإنسان إلا نتيجة طبيعية لهذا الماضى، ولا خلاص منها إلا بالتخلص من هذا الماضى بكل تفاصيله. وهناك من نبه إلى أن المستقبل يحمل للإنسان وعودا تفوق ما يطمح إليه وسيكون بالفعل مختلفاً اختلافاً جذرياً عما هو قائم وعن كل ما مضى. ولكنهم لا يعتبرون التاريخ نهراً طويلا هادئا يحملنا فى تياره إلى هذا المستقبل المنتظر، بل طبقات متراكبة وتسوده الصراعات والثورات والتحولات. ولهذا لا يمكن رفضه بأسره، وفى الوقت نفسه لا يمكن إعادة إنتاج أى فترة من الفترات الماضية، وإنما على الإنسان الذى يسعى للمستقبل أن يبحث فى ماضيه عن أسطورة مؤسسة لمشروعه.
هكذا كان الاشتراكيون المسيحيون الطوباويون يقدمون المسيح والحواريين، ليس باعتبارهم يمثلون فترة ذهبية يريدون إعادة إنتاجها، ولكن بوصفهم نماذج لبشر تركوا الثروة والملكية وعاشوا حياة جماعية بسيطة وسط الفقراء. وكان هذا هو موقف الفيلسوف نيتشه الذى قدم محاكمة قاسية للتاريخ الأوروبى منذ ظهور المسيحية حتى العصر الحديث وبشر بالسوبرمان أو إنسان المستقبل، لكنه بحث عن تأصيل لهذا المشروع فى فترة اليونان القديمة، ليس بوصفها واقعا نعيد إنتاجه ولكن أسطورة، أى غير قابلة للتحقيق، ولكن تزرع فى البشر تطلعات إلى التفوق.
انظـر وراءك فى غضـب
مصدر الخبر
الأهرام