الأحد 5 يوليه 2026 — القاهرة

من "إيلان " إلى "عمران".. أطفال سوريا يسددون فاتورة الصراع

من "إيلان " إلى "عمران".. أطفال سوريا يسددون فاتورة الصراع

مُنذ ذلك التاريخ الأسود للثورة المشئومة، وهم مُشردون في الأرض، مُهددون بالعِرض، يعانون من قسوة ‏الزمان، فقد ضاعت الأوطاون.. يمشون في بلادهم ونظراتهم تنطق بالخوف: "يا موطني عذرًا لكل ذل ‏وهوان"، فهذا طفل أمسى بلا دار أو عنوان، فكل ما تبقى معه كأسًا من الآلام والأحزان، يتجرعه كل ‏صغير في ذلك الوطن، بات يصحو على صوت المدافع والرشاشات ويمسي تحت الأنقاض.‏

هم أطفال الوطن الضائع سوريا، الذي تحول إلى كتلة من الصراع المُشتعل، بعدما مر الربيع العربي عليه ‏خريفًا، كُلًا يُغني على ليلاه، فالمُعارضة اشعلتها صراعًا داميًا منذ ستة أعوام، والسلطة مُتمكسة بالحكم، ‏فباتت كل الطرق في الشام تؤدي إلى الموت، ولعبت الأقدار بدمشق الخضراء، وسدد فاتورة طمع الحُكام ‏أطفال صغار، فُتِحت أعينهم على ذلك المشهد الدامي الذي يشيب له شعر الولدان .

الطفل "عمران"
في دقائق معدودة، وجد نفسه وسط مئات الجثث، على يمينه أشلاء، ومن يساره تحده الدماء، وتحيطه ‏أحجار داره المتراكمة، تقهقر جسده إلى الخلف في ركن صغير لعل القصف يغشى عنه، ظل يصرخ ‏لثلاث ساعات متواصلة مُستغيثًا: "وينك يا أمي؟ بدي تديري بالك عليّ"، لا أحد يسمعه فقد فر المرء من ‏أبيه فهي أهوال تشبه يوم القيامة، لكي ينهي ذاك المشهد الدامي علّه يكون كابوسًا يستيقظ منه قريبًا ‏سقط مغشيًا عليه.‏

مُصدومًا ومُصابًا طل الطفل السوري "عمران" على العالم، بعدما قُصف منزله عنوة داخل حي ‏‏"قاطرجي" بمدينة حلب الضائعة، فقد مات الأب ورحلت الأم وشُرد الأخوة، تلتقطه عدسات المصورين ‏بالأضواء، وتعول عليه الأقلام بعبارات الآسى، وتُقام لأجله المُباحثات بكلمات إدانة لا تمثن ولن تغني من ‏جوع.‏

حكى "عمران" ما حدث لمنزله وعائلته الصغيرة، بملامح غير مُصَدقة من هول الصدمة، يغطيها الدماء ‏مُختلطة بالأتربة، جالسًا على كرسي صغيرًا ينتظر المساعدات الطبية لتطيب جراح وجهه، التي أصابته ‏بعد انتشاله من تحت الأنقاض، فأما جراح القلب فهي شهادة جديدة على الجرائم التي تحدث بحق الشعب ‏السوري.‏

ينظر "عمران" إلى الكاميرا التي تنقل مأساته إلى العالم أجمع، ليُضاف إلى سجل الجرائم السورية، فهم ‏أكثر من مليون سوري صامودن أمام وجوه الطغيان وصور الإرهاب، فهو شهادة أخرى على الملحمة التي ‏تسطرها حلب في وجه الجميع .

‏"إيلان الكردي "

صغير آخر مُلقى على وجهه، يرتدي كامل ملابسه وحذائه الصغير، قذفته الأمواج إلى إحد شواطئ تركيا، ‏ظل هكذا لساعات طوال مُنتظرًا يد الرحمة التي تنقله إلى مثواه الأخير، هو "إيلان الكردي"، طفل سوريا ‏الذي لم يتعد الثلاثة سنوات، وتعاطف معه العالم فيما سبق وسريعًا تنساه.‏

مات غريقًا وسط اثنا عشر مهاجرًا سوريا؛ بعدما غرقت مركبة عائلته التي كانت تنقله من "بودروم" ‏جنوب غرب تركيا إلى جزيرة "كوس" اليونانية، فهو واحد من اللاجئين الهاربين من الحرب في سوريا ‏عبر البحر مُتجهين إلى أوروبا، صعد مع أبيه وأمه وسار ركبهم في البحر وغرقوا جميعًا بالكامل مع ‏ثلاثة من إخواته.‏

سقط "الكردي" وتطلامته الأمواج بعدما غرق المركب في البحر، يعافر بكلتا يديه الصغيرتين لينجو من ‏الغرق، يطلق الصرخات فتملأ المياه جوفه، يتمسك بالحياة فتسحبه قوة المياه إلى أسفل، جسده يمتلىء بها ‏شيئًا فشيئًا ومع كل شبر من المياه يحلم بذكريات وطنه الهادىء الذي صغرت صورته أمام عينيه، حتى ‏سكنت حركته على شواطىء تركيا.‏

"وسيم زكور"‏

عاش يتيمًا بعدما قضى والداه نحبهما في قصف وحشي بطائرات لا نعرف انتماءها في سوريا، أضحى من ‏بعدهما الطفل السوري "وسيم زكور" يتميًا مُشردًا في الأرض، لم يجد تحت الركام سوى حذاء والده

وكيسًا يجمع فيه فتات الخبز، حتى مات جوعًا .

جسد "زكور" مأساة ليست بجديدة على العالم في سوريا، بعدما تناقل الجميع صورته، وهو مُسجى على ‏الأرض وعظامه بارزة بدون لحم يغلفها بعدما قرصه الجوع حتى الموت، وتقبض يديه بقوة على كيس ‏الخبز الصغير الذي لم يكن طوقًا للنجاة.‏

"موناليزاسوريا"

كانت من المشردين الذين خرجوا من بلادهم قهرًا وظلمًا، صورتها كتبت سطرًا جديدًا في تاريخ معاناة ‏الشعب السوري تحت القصف، فهي طفلة سورية لم تقترف ذنب، ولم تكن من الخطائين، لكنها دفعت ‏فاتورة الوطن المنكوب كأي طفل سوري آخر. ‏  ‎

صورتها وهي تجوب شوارع العاصمة الأردنية عمان لتبيع علكة، تارة محاذية الأرصفة، ومرات تساير ‏الزحام، ورغم الأتربة الي عفت على وجهها وآثر الدماء التي لوثت ملابسها، ألا أنها آثرت الجميع ‏بجمالها وعمق عينيها فكانت أشبه بـ"موناليزا"، فلا يزال في عيونها الوطن على شكل دموع، ولا تزال ‏آمالها معلقة بحلم العودة إلى وطنها على أمل أن تعود سوريا كما كانت عروس الشام.‏

"فادي السوري"‏

منذ ثلاث سنوات مضت، طل على العام الطفل السوري"فادي" وهو يذرف الدموع، تحيطه لفافات القطن ‏التي تغطي وجهه بالكامل، بعدما استقرت إحد شظايا الحرب في رأسه تألمه، بسب القاذفات التي تلقى ‏يوميًا بطريقة عشوائية على منازل سوريا المُتألمة.‏

يحاول الطبيب مداوته وإخراج الشظية من رأسه ألا أن صرخته المتواصلة كانت جمعًا لصرخات أطفال ‏سوريا المُتألمين، ما بين غارق ومقذوف ومشرد، بسبب ما يعاصرونه من أحداث مروعة، تودي في ‏النهاية بحياتهم في أي لحظة دون ذنب أو جريرة سوى كونهم ينتمون إلى هذا الوطن المنكوب .

أصيب فادي، إثر هجوم من قبل الروس في شمال ريف حمص، حيث استقرت بعض الشظايا الكبيرة ‏بجبهته، مما جعل الأطباء يصرحون بأن نجاته ستكون أعجوبة، حتى كتب الله له عُمرًا جديدًا واستطاعوا ‏إخراج الشظية من رأسه، فرحون بإنجازهم، لا يعرفون أن جسد الوطن لازال مليئا بالشظايا فهل من ‏طبيب لها؟.‏

مصدر الخبر
الدستور

أخبار متعلقة