لماذا توجد فجوة بين تصوراتنا عن الدولة المدنية الحديثة، التي أطلق الشعب المصري الدعوة إليها يوم 30 يونيو، وما يجري في هذا البلد اليوم؟ هل نقف علي حافة الدولة المدنية الحديثة أم مازال المشوار طويلا؟ هل تصنع النيات وحدها الدولة المنشودة؟ وهل نملك مواصفات التقدم أم نحن علي مسافة ليست بالقليلة من قيم التحديث التي توجد في تجارب أخري؟
بداية، لا أفضل أن نناقش أمورنا من منطلق يائس، مثلما يروج بعض المنتمين للنخب السياسية والفكرية في كتاباتهم وأقوالهم، لأن ما يجري اليوم هو مجرد حلقة من حلقات تاريخية متتابعة، وليس بالضرورة حكماً نهائياً علي حالتنا أو مصير عملية التحديث والتقدم. فمن الأفضل أن نتحدث عن معايير وضعناها لأنفسنا في السنوات الأخيرة ونحكم علي قدرتنا علي إنجاز تلك المعايير من عدمه.... لقد كان المعيار الأساسي في إقامة الدولة المدنية الحديثة، وفقا لبيان الثالث من يوليو عام 2013 ، هو توحيد القوي الوطنية علي قلب رجل واحد، والاتفاق علي احترام سلطة القانون والعدالة وتحقيق المساواة الكاملة لكل المواطنين بعد طي صفحة مؤلمة من تاريخنا الحديث علي تيار رجعي يرفض قيم الدولة المدنية، حتي لو ادعي أنه يروج لها، ويزيف خطابه السياسي لخداع الجماهير وتحقيق مآربه الخبيثة.
كان المعيار الأساسى فى إقامة الدولة المدنية الحديثة، وفقا لبيان الثالث من يوليو عام 2013 ، هو توحيد القوى الوطنية على قلب رجل واحد والاتفاق على احترام سلطة القانون والعدالة، وتحقيق المساواة الكاملة لكل المواطنين بعد طى صفحة مؤلمة من تاريخنا الحديث على تيار رجعى يرفض قيم الدولة المدنية..
الرئيس يدرك أن المنظومة الواحدة لا غنى عنها حيث قال فى كلمته الأخيرة أن المصريين كافة مسئولون عن استقرار الدولة المصرية واقتصادها، وهو ما يحتاج من المسئولين والنخب وأعضاء البرلمان إلى الحرص خلال حديثهم. ومادام فى مرحلة التنبيه على المسئولين بالحرص فى كلامهم وتصريحاتهم، فإن الأمر يبدو كمن يفتقد وجود مسئولين أكثر احترافا فى ممارسة العمل السياسى ومخاطبة المواطنين، وهو ما اعتقد فى صحته تماماً. فكثير من التصريحات الأخيرة أضرت بالاقتصاد والحالة النفسية للمصريين.
وبعد ثورة 30 يونيو جاء رئيس ، لا يحمل أجندة خاصة ولا يراوغ في أحاديثه وينقل للناس وأحيانا بعفوية، كل ما يجري في أروقة الدولة والحكم، دون حسابات أو خشية عواقب، وفي حديثه الأخير في الإسكندرية تطرق الرئيس عبد الفتاح السيسي إلي ما ينشده في المستقبل القريب، وقدم كشف حساب مقدماً يحمل تنوعا ملحوظا في قطاعات الإقتصاد المصري من الطرق والإنشاءات إلي المدن العلمية، مرورا بمشروعات عملاقة في البتروكيماويات والإكتشافات البترولية والغاز الطبيعي والصناعة بشكل عام. وعلي قدر ما يعمل الرئيس السيسي من أجل تنشيط قطاعات الاقتصاد، يواجه الرجل تحديات جمة، بعضها نتيجة عوامل معاكسة تماماً، لا دخل لنا مباشرة بها، مثل تأثير الموجة الإرهابية العاتية في منطقة الشرق الأوسط علي الاقتصادات الوطنية في دول عديدة، وتحديات أخري من صنع أيادينا، ومن المؤلم أن التحديات التي يفترض أننا نملك القدرة علي السيطرة عليها وترويضها، لا نقوم بالمجهود المناسب لكبح جماحها.
الواقع الاقتصادى يقول إننا فى أمس الحاجة إلى مصارحات لابد منها، وإلى مكاشفات لا غنى عنها. فمن يملك أو يجرؤ أن يخرج اليوم من قلب الحكومة ليعلن عن مسئوليته فى قضية أو أزمة تشغل الرأى العام..؟ نسمع فى الإعلام الخارجى فقط عن المسئول الذى يتقدم باستقالته طوعاً عندما يستشعر المسئولية المباشرة فى قضية عامة .. ونسمع عمن يفتح تحقيقا فورياً فى شأن عام .. ونسمع عن إحالات للمحاكمة، أو تبرئة سريعة لمن طالته التهمة بالتورط فى فضائح بعينها. عندنا لا نعرف سببا للتأخير وربما التراخى فى القضايا التى تشغل اهتمام قطاع عريض من الرأى العام.
أقصر الطرق لكسب قطاعات واسعة من المواطنين هو تفعيل الشفافية وسلطة القانون وكشف الحقائق..... فى الإسكندرية، فى مطلع الأسبوع، أكد السيسى أهمية تعريف المواطنين بالتحديات الاقتصادية وإيضاح الحقائق وتوضيح الخطوات التى سيتم اتخاذها، مؤكدًا أنه سيتم الإعلان عن كل القرارات التى سيتم اتخاذها لضمان الشفافية وتجنب إرباك الأسواق. وقال كل القرارات الصعبة، التى تردد كثيرون على مدى سنوات طويلة فى اتخاذها، والناس خافت أن تتخذها، لن أتردد ثانية فى اتخاذها.
حدد الرئيس، فى كلمته خلال افتتاح مصنع البتروكيماويات العملاق فى الإسكندرية، للحكومة خطوات محددة من أجل التفاعل مع الرأى العام فى مرحلة من القرارات الصعبة القادمة وهى (التعريف بالتحديات- إيضاح الحقائق- توضيح الخطوات المقبلة). ولو شئنا أن نكون أكثر جدية لوضعت كلمات الرئيس السابقة فى صورة تكليف رئاسى يقوم فريق متخصص بمتابعة أداء الحكومة عن قرب، ويحدد معها نوعية الرسائل المطلوب توجيهها للرأى العام فى أوقات بعينها، ويقيم حجم استجابة الحكومة لإستراتيجية التقارب مع الرأى العام، ثم يوصى الرئاسة بما يجب عمله لتحسين الأداء الإعلامى للحكومة.
فالرئيس يدرك أن المنظومة الواحدة لا غنى عنها، حيث قال، فى كلمته الأخيرة، إن المصريين كافة مسئولون عن استقرار الدولة المصرية واقتصادها، وهو ما يحتاج من المسئولين والنخب وأعضاء البرلمان الحرص خلال حديثهم. ومادمنا فى مرحلة التنبيه على المسئولين بالحرص فى كلامهم وتصريحاتهم، فإن الأمر يبدو كمن يفتقد وجود مسئولين أكثر احترافا فى ممارسة العمل السياسى ومخاطبة المواطنين، وهو ما اعتقد فى صحته تماماً. فكثير من التصريحات الأخيرة أضرت بالاقتصاد والحالة النفسية للمصريين ولو أضيفت التصريحات إلى ثقل الأوضاع الاقتصادية وتأثير الإرهاب على أصعدة عدة، فسنجد المجهود مضاعفا اليوم على السلطة السياسية التى كانت تأمل فى قفزة نوعية فى الأداء الاقتصادى لكنها أصطدمت بكل ماسبق.
هنا، نحن أمام سقف منخفض فى الكوادر السياسية القادرة على دعم السلطة فى برامج التحول الاقتصادى والانتقال إلى مراحل أكثر تطورا فى صناعة واقع مختلف. أيضاً، الفريق الحكومى الموحد المتناغم والبعيد عن تضارب الاختصاصات يحتاج إلى نظرة جادة وبوعى جديد أن المرحلة القادمة تحتاج إلى الأجدر والأكثر كفاءة والقادر على اقتحام المشكلات دون خشية رد فعل الشارع أو أصحاب المصالح.
عبء على أعباء الرئاسة جاءت أجندة البرلمان تحمل قدرا عاليا من التشويش بما رسخ تلك الصورة لدى الرأى العام الذى لم يعد ينتظر الكثير من نوابه. فمستوى نقاشات البرلمان تبتعد عن أولويات الأجندة التشريعية، التى تتضمن تمرير القوانين المكملة للدستور. أين قانون بناء دور العبادة..؟ وأين التشريعات الإعلامية التى طال انتظارها..؟ وأين كل تلك القوانين التى ينتظر أن تنظم حركة المجتمع وتقليص دور جماعات المصالح سواء فى الإعلام أو الاقتصاد..؟
أعود إلى أسئلة المقدمة.. هل ما سبق يصب فى مصلحة مشروع الدولة الحديثة؟ الأجابة بالقطع لا.. فحسم ملفات التشريعات ومخاطبة الرأى العام، بلغة أكثر احترافية من أجل استيعاب ما هو قادم من قرارات توصف بأنها، صعبة وتهيئة المناخ العام لتضحيات حقيقية بعد نزيف رهيب للاقتصاد المصرى على مدى أكثر من خمس سنوات، يحتاج إلى مسئولين قادرين على الإمساك بالملفات الحرجة دون إبطاء أو ارتباك. وهناك بالفعل قطاع ليس بقليل فى أوساط الرأى العام المصرى يرى ضرورة وجود شخصيات تعرف كيف تمسك بزمام الشأن السياسى، سواء فى فريق المستشارين التابع لرئاسة الجمهورية أو فى الحكومة الحالية، فكل ملابسات الوضع الاقتصادى تقول إننا فى حاجة إلى إعادة تأهيل كل مؤسسات الدولة وكل الهيئات التابعة وتطبيق برامج التحديث من واقع التجارب العالمية التى رأها الرئيس ومستشاروه فى جولات خارجية فى الشرق والغرب على مدى عامين تقريباً.
نعلم أن هناك من يعمل بهمة وعزيمة كبيرتين فى مؤسسة الرئاسة من أجل بلورة الأفكار والرؤى الخاصة بمشروعات تحديث الاقتصاد والتعليم والبحث العلمى ومجالات أخرى عديدة لكن تلك الرؤى لا تجد القنوات الطبيعية حتى تتحول إلى واقع ملموس، وفى توقيتات تعين صاحب القرار فى مواجهة الضغوط الشعبية، وتبقى البيروقراطية العتيقة عائقا أمام التطور وأمام الانتقال بالجهاز الإدارى للدولة إلى المستقبل، فهو جهاز يعيش فى الماضى وحاضره لا يبشر بقدرته على المشاركة فى التحديث.
الإجابة عن كثير من الأسئلة المماثلة يحتاج إلى حلقات وحلقات، لكنى أعتقد أن ما يدور فى عقل الرئيس هو كيفية صناعة ثورة على البيروقراطية والروتين، وعلى خمول الجهاز الإداري، وعلى الأسلوب التقليدى فى عمل نواب البرلمان، وعلى الاستسلام للحلول التقليدية فى الإدارة. ومثلما قلت الإجابة فى تكوين مجموعات عمل سواء داخل الحكومة أو فى الفريق التابع للرئاسة من أجل خلق قوة دافعة جديدة فى جسد الدولة المصرية، يتناسب مع حجم التحديات .. فالنمط الحالى فى عمل الحكومة لا يتناسب مع التفكير فى مستقبل من نوع مختلف، والبديل هو تغيير السياسات واقتحام المشكلات دون خوف من عواقب!