الخميس 2 يوليه 2026 — القاهرة

غواية النموذج التركى ـ الإخوانى للأمريكيين

غواية النموذج التركى ـ الإخوانى للأمريكيين
عندما تحمست مؤسسة "راند" الأمريكية لاعتماد التقرير الاستراتيجى الذى أعدته الباحثة المقتدرة "شيرلى بينارد" عام 2003 تحت عنوان "الإسلام المدنى الديمقراطى: الشركاء والموارد والاستراتيجيات" فإنها كانت تتطلع إلى تقديم إجابات لأسئلة شديدة الأهمية والحرج باتت تشغل إدارة الرئيس جورج دبليو بوش عقب تفجيرات 11 سبتمبر 2001 وفى ذروة حرب هذه الإدارة مع أفغانستان ثم العراق وهى الحرب التى حملت اسم "الحرب على الإرهاب" وكان المقصود بالتحديد هو الحرب على "الإرهاب الإسلامى".. كان فى مقدمة هذه الأسئلة : من هم الشركاء الجدد الذين فى مقدورهم الانخراط فى الدفاع بكفاءة واقتدار عن المصالح الأمريكية بعد أن أثبتت التجربة عجز الحلفاء التقليديين فى المنطقة عن القيام بالمهام المطلوبة ضمن إستراتيجية التأسيس للشرق الأوسط الكبير ومن بعده الشرق الأوسط الجديد. 

كانت الإجابة التى وردت فى تقرير مؤسسة "راند" صادمة وهى أن التيار الإسلامى هو الحل، فهو، فى نظرها، البديل الأكثر شعبية والأكثر قبولاً والأجدر بأن يكون حليفاً للولايات المتحدة، وأن يكون وريثاً سواء للنظم الحليفة لواشنطن أو للنظم المعادية خاصة فى سوريا وإيران معاً. 

ولأن الإجابة كانت صادمة فقد تأخر قبول إدارة جورج بوش لدعوة التحالف مع تيار الإسلام السياسى وبالذات "الإسلام الليبرالى" أكثر من عام. وكانت مُعِّدة هذا التقرير "شيرلى بينارد" واعية لتحفظات الإدارة الأمريكية على دعوتها ولذلك تعمدت أن تضمِّن تقريرها ما يقنع الإدارة بما تريده من اعتماد خيار التحالف مع تيار إسلامى ليبرالى يجب إيجاده فى الواقع إن لم يكن موجوداً. 

فقد أكد التقرير أنه بدعوته إلى التحالف الأمريكى، وأيضاً الأوروبى مع فصيل "الإسلام الليبرالى ـ الديمقراطى" يستهدف حل معضلة الغرب مع ظاهرة الإسلام السياسى من ناحية، واختراق هذا التيار وتوظيفه لخدمة المصالح الأمريكية بدلاً من أن يكون تهديداً لهذه المصالح، من ناحية أخرى، ومن هنا حدد التقرير الهدف بالإجابة عن السؤال الكبير وهو: كيف يمكن لصانع القرار الأمريكى والأوروبى أن يتدخل عملياً لتهميش التيارات الإسلامية المعادية للقيم الغربية والأمريكية خصوصاً، والتدعيم المباشر للتيارات الإسلامية التى تندرج تحت ما يُطلق عليه "الإسلام المدنى الديمقراطى". وكانت الإجابة هى: 

"التحالف مع الإسلام الليبرالى باعتباره الأكفأ والأفضل لتطوير ممارسة الديمقراطية فى المجتمعات العربية والإسلامية من خلال تدعيم شراكة مع التيارات العلمانية والحداثية لاقتسام السلطة والدخول بقوة فى حلبة المشاركة السياسية من خلال الضغط المباشر وغير المباشر على الأنظمة الحاكمة"، ومن هنا جاء تأكيد "شيرلى بينارد" على أن "للغرب مصلحة مؤكدة فى تطوير إسلام ليبرالى يشارك بإيجابية فى الممارسة السياسية فى الدول الإسلامية". 

كانت هذه هى البداية التأسيسية للتحالف الأمريكى مع رجب طيب أردوغان وحزبه "العدالة والتنمية" باعتباره النموذج الأمثل للحليف الجديد الإسلامى الليبرالى عن جدارة تأكدت من خلال الممارسة العملية منذ وصوله إلى الحكم فى تركيا عام 2002، حيث استطاع أن ينهض بالبلاد إقتصادياً وأن يتعايش مع الدستور التركى المرتكز على العلمانية والديمقراطية، وأن يحافظ على مبدأ التعددية السياسي. 

ومن خلال التحالف مع النموذج التركى للإسلام المدنى ـ الليبرالى اتسع التحالف ليضم تيار الإخوان المسلمين، عبر اتصالات وحوارات غير مباشرة عبر الوسطاء فى المراحل الأولى ثم تحولت إلى اتصالات وحوارات مباشرة فى مراحل لاحقة وابتداء من عام 2005، على نحو ما كشفه الأدميرال "مايكل مولنى" الرئيس الأسبق لهيئة الأركان الأمريكية فى حوار تليفزيونى مع قناة الجزيرة (لقاء اليوم 10/4/2011) من خلفيات التأسيس لهذا التحالف، حيث حَّمل قادة النظم الحاكمة فى الدول الحليفة بالمنطقة مسئولية التحول فى الموقف الأمريكى نحو تركيا حزب العدالة والتنمية وجماعة الإخوان المسلمين موضحاً أن الولايات المتحدة كانت قد انخرطت لعقود مضت فى مشروع الشرق الأوسط الكبير مع بعض قادة المنطقة بحثاً عن سبل تدعيم الاستقرار فى منطقة لم تعرف الاستقرار، وأن الولايات المتحدة كانت تلفت اهتمام قادة البلدان إلى ضرورة البحث عن سبل التطور وإدامة الاستقرار لكن دون جدوى. 

أما وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة (مرشحة الرئاسة الأمريكية حالياً عن الحزب الديمقراطى) هيلارى كلينتون فقد كشفت بصراحة خلفيات ما جرى تنظيمه من لقاءات وحوارات أمريكية مع قادة الإخوان قبل مجىء إدارة أوباما عام 2009 وبعد مجيئها، ما كان سرياً من هذه اللقاءات وما كان علنياً مؤكدة أنها ستواصل هذه السياسة التى بدأت منذ عام 2005 تقريباً، بعد نجاح الإخوان فى تحقيق فوز انتخابى غير مسبوق فى الانتخابات البرلمانية المصرية عام 2005. 

مجمل هذه اللقاءات والحوارات والإدراكات الأمريكية كانت مادة خصبة لاستخلاص النتائج التى جرى تدوينها فى تقرير استراتيجى شديد الأهمية صاغه "مركز الأمن الأمريكى الجديد"، وقد حمل هذا التقرير عنوان: "التكيف الاستراتيجى فى سبيل استراتيجية جديدة فى الشرق الأوسط" تحدث باستفاضة عن المحاور الأساسية لإدارة الولايات المتحدة لسياستها فى الشرق الأوسط ضمن تداعيات الحراك الثورى العربى وعلى الأقصى العلاقة مع جماعات الإسلام السياسى حيث ورد ما نصه: 

"مع مشاركة الشعوب العربية على نطاق واسع كما أكدتها تجربة الثورات العربية، يجب أن تكيف الولايات المتحدة سياستها لتبنى إستراتيجية مختلفة إزاء الإسلام السياسى، فالإسلام السياسى لا يتنافى مع الديمقراطية، ولا هو بالضرورة خصما "للولايات المتحدة"، أما بالنسبة لإطار الحركة فقد نص التقرير على استخلاص شديد الأهمية هو: "يجب أن يكون هدف الولايات المتحدة هو التأثير على سلوك الجماعات الإسلامية بدلاً من الرفض المطلق للإسلام السياسى، وعند فتح الحوار مع أحزاب الإسلام السياسى سيكون على الولايات المتحدة أن تحكم على اتصال الأحزاب فى مقابل أقوالها خاصة ما يتعلق بالإصلاحات السياسية والاقتصادية وما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل". 

هذان الشرطان هما أساس العلاقة مع الإسلام المدنى ـ الليبرالى، ومع حزب العدالة والتنمية التركى وجماعة الإخوان المسلمين.. الإصلاحات السياسية والاقتصادية من المنظور الأمريكى طبعاً ثم العلاقة مع إسرائيل وبالتحديد ضمان وجود وأمن إسرائيل. 

هكذا تأسس التحالف وتنامت الشراكة بين واشنطن وكل من أردوغان والإخوان لذلك كان الفزع هو رد الفعل الأمريكى والتركى إزاء ثورة 30 يونيو 2013 فى مصر، والآن يواجه هذا التحالف اختباره الثانى مع أردوغان، والمؤكد أن واشنطن لن تفرط فيه إلا إذا غيرت واشنطن هذه الإستراتيجية التحالفية مع أردوغان والإخوان مع مجىء إدارة أمريكية جديدة.
مصدر الخبر
الأهرام

أخبار متعلقة