التراشق الإعلامي الشرس في السباق الانتخابي الأمريكي يزداد حدة. والاستقطاب السياسي الذي تشهده البلاد بلغ قمة المواجهة والاشتباك. "ترامب"مازال كعادته يلجأ لطريقته "المحببة لدى أنصاره"في مهاجمة المهاجرين والسود وكل من (في نظرهم) يزيدون من أزمات أمريكا المتفاقمة. أمريكا "التي يجب استعادة صدارتها ومكانتها في العالم كله".
والأمر الأخطر في الأيام الأخيرة هو الحديث عن صحة "هيلاري كلينتون"ومدى قدراتها الجسدية والنفسية في إدارة شئون البلاد كرئيسة لأمريكا. واذا كان بعض المراقبين وصفوا ما قاله وردده "ترامب"وأنصاره في هذا الأمر بأنه "هراء"و"ضربة تحت الحزام في حلبة الملاكمة السياسية"الا أن المرشح الجمهوري يرى دائما أن "كل شىء مباح"ومقتنع تماما أن "الرصاصة التي لا تصيب تدوش"في كل الأحوال.
"هيلاري كلينتون"المرشحة الديمقراطية في المقابل تحاول أن تستفيد من أخطاء "ترامب"المتكررة وتصريحاته الطائشة. وأن تستغل كل هذا لضمان استمرار تفوقها في استطلاعات الرأي على امتداد الولايات. الفارق مازال قائما الا أن الهاجس الذي يحيط بمؤيدي "هيلاري"أن حملة "ترامب"في هجومها الشرس والمتواصل ل"تسويد"سيرة "هيلاري"و"شيطنتها"( كما يوصف) قد تنجح في "تقليص الفارق"وتحقيق تآكل أكثر وأكثر في مصداقية "هيلاري"يؤدي في نهاية المطاف الى "إسقاطها"أو "افشال وصولها"للبيت الأبيض. هذا هو رهان حملة "ترامب".
وبما أن فترة الإجازات الصيفية انتهت وبدأ معها العد التنازلي للانتخابات الرئاسية الأمريكية المقرر اجراءها يوم الثلاثاء 8 نوفمبر المقبل فان الأنظار متجهة هذه الأيام أولا الى الأسبوع المقبل ـ ما بعد إجازة عيد العمال ـ واستطلاعات الرأى المختلفة التي ستجرى وتعكس حالة "المزاج العام"للناخب الأمريكي. هذه الحالة التي تشكلت وتبلورت الى حد كبير من جراء ما قيل وتردد من جانب الحملتين في الأسابيع الماضية. ومن ثم سيبدأ كل معسكر في "ضم صفوفه"و"سن أسلحته"و"تقييم أدائه"من أجل التخطيط والاستعداد للأسابيع المتبقية من السباق الانتخابي. أما المحطة التالية في المرحلة المقبلة ـ والجديرة بالاهتمام والمتابعة فهي المناظرة التليفزيونية الأولي التي ستجرى يوم 26 سبتمبر المقبل. الكل ينتظر هذه المواجهة بفارغ الصبر .. وربما بقلق بالغ. وذكرت تقارير صحفية في الأيام الأخيرة كيف أن "ترامب"تحديدا يستعد لهذه المواجهة التي سوف يتابعها عشرات الملايين سواء في أمريكا أو في دول العالم. وأنه عقد ويعقد لقاءات بهذا الغرض مع شخصيات عامة مقربة منه مثل عمدة "نيويورك " السابق رودي جولياني والكاتبة اليمينية الشهيرة لورا انجراهام والمدير السابق لشبكة "فوكس"روجر أيلز وأيضا مع ابنته "ايفانكا"وزوجها. وأن "ترامب"كعادته لا يريد أن يكون تقليديا في اتباع ما تم العمل به من قبل في المناظرات السابقة في السنوات الماضية.. وأنه سوف "يحمل مفاجآت"وبالتأكيد سوف "يخلق مصادمات"تكشف "حسب تعبير أنصار ترامب""هشاشة"هيلاري وكثرة أخطائها وأكاذيبها .. بحيث تظهر دائما خلال المناظرة في موقف الدفاع و»تبرير المواقف"بدلا من أن تكون في موقف الهجوم على "ترامب"وبيان خطورة انتخابه رئيسا لأمريكا.
والأمر اللافت للانتباه أخيرا أن أنصار "ترامب"لا يتراجعون عن تأييدهم لمرشحهم مهما كانت مواقفه وتصريحاته والتي شهدت في الفترة الأخيرة ـ في نظر بعض المراقبين ـ بعض المراجعات و"عمليات التجميل"عملا بنصيحة مستشاريه. وظهر هذا واضحا في مسألة المهاجرين ووجودهم والتعامل معهم في أمريكا. وفي هذا الصدد ذكر أن "ترامب"سيلقي خطابا عاما ينصب على هذا الملف الشائك والمهم في الحياة الأمريكية. "ترامب"كالمعتاد لا يثق في وسائل الاعلام والصحف الكبرى ويواصل هجومه الحاد والشرس والوقح عليهم جميعا .. وتحديدا "سي ان ان"و"نيويورك تايمز"و"واشنطن بوست». والصحيفة الأخيرة المرموقة أصدرت منذ أيام كتابا بعنوان "مكاشفة ترامب"تناولت فيه حسب وصفها "رحلة أمريكية من الطموح وحب الذات والمال والسلطة». وهذا الكتاب حصيلة جهد لفريق عمل من "واشنطن بوست"تكون من أكثر من 20 صحفيا ومعهم اثنان من "مدققي المعلومات"واثنيان من كبار المحررين تابعوا كل التفاصيل المتعلقة بـ"ترامب"خلال الأشهر الثلاثة الماضية من أجل تقديم صورة كاملة وشاملة للمرشح الجمهوري. "ترامب"الذي كسر كل القواعد السياسية المتبعة من قبل وكسب تأييد الملايين من الغاضبين الأمريكيين وخصوصا الرجال البيض وحول الحزب الجمهوري الى حزب تابع له .. وقاد حملة انتخابية "ديماجوجية""شعبوية"ـ مليئة بالعنصرية ومعاداة المسلمين والمهاجرين والسود ومع هذا تقدم واكتسح الصفوف و"هيمن"على الجدال السياسي الدائر في أمريكا .. وبالتأكيد أثار علامات الاستفهام والتعجب لدى الشعب الأمريكي والشعوب الأخرى ليس فقط حول "ترامب"وتقدمه بل أيضا حول أمريكا وديمقراطيتها واختيارها لرئيسها المقبل.