الأربعاء 1 يوليه 2026 — القاهرة

النمور الآسيوية دروس في التنمية

النمور الآسيوية دروس في التنمية

تقول مجلة «فوربس»: «إذا استطعت أن تجعل شعبك يصل إلى مرحلة النجاح فى إنجاز الأعمال المكلف بها، فستأتى النتيجة أفضل بكثير من تلك التى كان يتوقعها هذا الشعب».


هكذا تبدو تجربة التنمية الاقتصادية لدولة الهند التى احتفلت بعيد استقلالها السادس والثمانين فى 15 أغسطس الماضى، وهو الاحتفال الذى شهد غضباً من نواب البرلمان الهندى الذين أعلنوا اعتراضهم الشديد جراء سياسات رئيس الوزراء الهندى ناردرا مودى، التى أدت إلى وصول معدلات النمو الاقتصادى إلى 9% فقط!

ولا شك أن ذلك يدفعنا للبحث عن سر وصول هذا الشعب إلى هذه المرحلة من التطلع إلى تبوؤ مكانته ليرى أن 9% ليست كافية، على الرغم من تحقيق الهند أعلى وأسرع معدل للنمو الاقتصادى لعام 2016، مقارنة بتباطؤ نسبى لمثيله الصينى والروسى والبرازيلى، وتفوق أيضاً على معدل النمو فى الولايات المتحدة الأمريكية.

بالعودة إلى تاريخ الدولة الهندية فى فترة ليست ببعيدة فى الستينيات، سنجدها بدأت مشوار التنمية فى التوقيت نفسه الذى بدأت فيه اقتصادات الدول العربية غير النفطية مثل مصر وتونس والأردن نفس الحقبة، بل وشاركت الهند مصر فى إقامة وإنشاء حركة عدم الانحياز مع روسيا والأردن عام 1961، وكانت فكرة هذه الحركة ناتجة عن جهود مشتركة بين الرئيسين المصرى جمال عبدالناصر، والزعيم الهندى جواهر لال نهرو، وعلى الرغم من أسبقية مصر لكل دول القواطر الاقتصادية الآسيوية فى تلك الحقبة، فإنها انطلقت بسرعة الصاروخ، وفى المقابل تراجعت مصر ومعسكرها من الدول العربية غير النفطية للأسباب الآتية:

أوضحت مجلة «إيشيو» أو «الموضوع»، المتخصصة فى العلوم والتكنولوجيا فى بحث قارن بين اقتصادات شرق آسيا الصاعدة ومثيلاتها العربية والشرق أوسطية، مستعيناً بتقرير أصدره البنك الدولى بعنوان «معجزة دول شرق آسيا»، حدد فيه الأسباب فى التفاوت والفجوة بين النوعين من اقتصادات البلدان الآسيوية، وعلى رأسها الهند والصين وتايوان وكوريا، مقارنة بالعربية.

توصلت المجلة إلى أن السر يكمن فى نقل التكنولوجيا الحديثة والمعاصرة من الدول الغربية إلى الأوطان، ثانياً: حسن استغلال الطاقة البشرية أولا:

كما أن التطوير يبدأ بحسن استغلال الموارد البشرية والقوة الجسمانية للعمالة الوجودة بالفعل فى كل قطاع، ثم تطوير أدائها تدريجيا عن طريق التدريب والاستعانة بالميكنة البسيطة التى تتطور مع متطالبات العصر، وهو ما يأتى بالتدريب أيضا والاستعانة بالخبراء المحليين والوطنيين الذين قضوا قسطا من التعليم فى الخارج.
 
القروض الخارجية      
حذرت الدراسة من استسهال الدول العربية اللجوء إلى القروض الخارجية بسرعة قبل استنفاد المحاولات المحلية، وهو ما يكبد اقتصادات الدول العربية وغيرها أعباء الديون الخارجية، التى تلتهم جزءا كبيرا جدا من ميزانياتها ودخولها القومية.

وتوصى الدراسة الدول العربية ومن بينها مصر ودول شمال أفريقيا بنبذ أوهام الماضى فى اختراق الغرب للأوطان ومحاولات السيطرة عليه وتجديد احتلاله القديم فى أشكال جديدة، بل على العكس التطلع الدائم إلى الانفتاح على الغرب والاستفادة فى تطبيقه أحدث طرق الصناعة والإدارة والعلوم والهندسة وغيرها من المجالات.

وتضيف الدراسة أن الدول التى وضعت إصلاحات اقتصادية وتنموية مثل الهند واليابان والصين، نجحت فى استغلال مواردها البسيطة على أكمل وجه، وأنتجت منها معدلات أعلى من الدول المعاكسة اقتصاداتها لهذه الحالة ولديها وفرة فى الموارد الطبيعية والأصولية الفيزيائية مثل المصانع والمبانى والطرق وشبكات السكك الحديدية والملاحة، مثل مصر التى كان لديها قواعد متطورة فى كل هذه التسهيلات مقارنة باقتصادات شرق آسيا منذ فترة الستينيات، التى بدأ فيه الفريقان مراحل انطلاقهما.
 
تطوير التعليم
وقالت الدراسة إن معظم الدول العربية وخاصة فى مصر وشمال أفريقيا تقاعست عن وضع وتطوير البرامج التعليمية لتتواكب مع المتطلبات العصرية، وتشجيع التعليم فى مجالات الحساب والعلوم أكثر من التخصصات التى أفرزت اعداداً مهولة من الخريجين غير المطلوبين فى مثل هذه التخصصات، للأخذ بأيدى بلدانهم مثل مصر لإحداث طفرة فى التقدم فى شتى مناحى الحياة، ولكن هناك خطوات تداركية لهذه الفجوة، فقامت الحكومة المصرية بتذليل العقبات وإنشاء العديد من الجامعات الخاصة الدولية التى تركز فى تخصصاتها على العلوم والحساب والهندسة، مثل الجامعة الروسية واليابانية وجامعة زويل وغيرها.

كما أهملت الدول العربية قطاع التعليم الفنى على عكس مثيلاتها الآسيوية الهند والصين وكوريا وتايوان وسنغافورة، التى خصصت للتعليم الفنى أكثر من 9 جامعات فى كل منها، حيث إنها توصلت بعد الدراسة إلى أنه من ضمن أسرار انطلاق العديد من المجتمعات الاقتصادية والصناعية القديمة فى أوروبا هو التعليم الفنى المطلوب فى المصانع وزيادة الكفاءة الإنتاجية.

ودعت الدراسة إلى ضرورة إصلاح عيوب الأنظمة المالية والمصرفية فى البلدان العربية، والحفاظ على ثبات سعر الصرف حتى لا يؤثر بالسلب على الصادرات إلى أسواق الدول المتقدمة والصناعية، ووضع سياسة اقتصادية شاملة وثابتة تكافح التضخم وارتفاع الأسعار فى السوق المحلى، الحفاظ على جدول أسعار لصرف العملات الأجنبية والتمسك به، مع تقديم حوافز للتصدير والمصدرين وتذليل العقبات الإدارية وعلى رأسها البيروقراطية. 

وكشفت أن الدول الآسيوية الصاعدة أولت اهتماماً واسعاً بالبحث العلمى وبراءات الاختراع التى تصل إلى الآلاف سنوياً مقارنة بدولة مثل مصر التى لا تتعدى 100 اختراع وذلك مؤخراً فقط، فقد أدركت هذه الدول أن ترجمة البحوث العلمية إلى واقع عملى فى الصناعة والإنتاج وتسهيل الحياة وتذليل العقبات، هو السبيل يكاد يكون الأساسى لتحقيق هذه الانطلاقة الاقتصادية المشهودة لها الآن، كما أن البحث العلمى الوطنى لا يكلف الدولة تكاليف الاستعانة وشراء الأفكار والبحوث من الخارج الذى يحتفظ لنفسه بحق الملكية الفكرية، وهى مرحلة وصلت إليها الهند والصين واليابان وكوريا وتايوان الآن.

مصدر الخبر
الوفد

أخبار متعلقة