الأربعاء 1 يوليه 2026 — القاهرة

البنوك تتحدى عوائق جذب السيولة الأجنبية

البنوك تتحدى عوائق جذب السيولة الأجنبية
تخوض البنوك المحلية تحديًا كبيرًا فى جذب سيولة أجنبية تعزِّز من قدرتها على تغطية طلبات العملاء المتزايدة على العملة الخضراء، على خلفية أزمة نقص العملة الأجنبية الطاحنة التى تعانى منها البلاد منذ اندلاع ثورة يناير، وبلغت ذروتها فى الشهور الماضية مع اتساع الفارق بين السعرين الرسمى والموازى بنسبة تعدّت %43.

ويتمسك البنك المركزى بسعر صرف الجنيه أمام الدولار عند مستوى 8.88 جنيه بالبنوك المحلية منذ مارس الماضى الذى شهد خفض قيمة العملة المحلية بنسبة %14، فيما يتم تداول الدولار بالسوق الموازية للعملة بين مستويى 12.60 و12.70 جنيه.

وتعددت محاولات البنوك المصرية لاستقطاب أكبر قدر من العملات الأجنبية، بدأتها باستخدام سلاح رفع الفائدة؛ لحث الأفراد على إيداع مدخراتهم بالمصارف بدلًا من اكتنازها بالبيوت، لتقفز بمستويات العائد على الأوعية الادخارية الدولارية بمعدلات تراوحت بين 30 و163 نقطة أساس على الشهادات الدولارية «100 نقطة تعادل %1»، مع طرح حزمة متكاملة من المنتجات التى تلائم احتياجات المصريين بالداخل والخارج بالعملتين الأمريكية والأوروبية.

وأطلقت البنوك الحكومية نهاية فبراير الماضى شهادة بلادى للمصريين بالخارج، بعائد وصل إلى %5.5 على الدولار، و%3.5 على اليورو، ثم أعقبها طرح شهادات مماثلة للمصريين بالداخل بعائد وصل إلى %4.25 للشهادات الدولارية الثلاثية، و%5.75 للشهادات الدولارية أجل 7 سنوات.

وتُظهر الأرقام المُعلَنة من البنك المركزى بطء تطور إجمالى الودائع بالعملة الأجنبية، إذ لا يتعدى معدل النمو الشهرى %1.

يُشار إلى أن قيام البنك المركزى بخفض قيمة الجنيه بنسبة % 14 فى مارس الماضى، انعكس على ارتفاع قيمة الودائع الأجنبية عند تحويلها للجنيه بنسبة %14.4، أى أن الزيادة الصافية مع استبعاد أثر قيمة خفض العملة لا تتعدى %0.4، وهو ما يؤكده تطور حجم الودائع بشهرى أبريل ومايو الماضيين اللذين سجلا ارتفاعًا فيه بمعدلات %0.25 و%0.29 على التوالى لتبلغ 420.9 مليار جنيه.

قال أحمد رمضان، مدير إدارة المعاملات الدولية ببنك مصر إيران، إن رفع الفائدة لم يسهم فى زيادة قيمة الودائع بالعملة الأجنبية بالقطاع المصرفى ككل؛ وذلك لاقتصار المنافسة بين البنوك على نفس الكعكة، الأمر الذى انعكس على انتقال نفس الودائع من بنك لآخر دون تحقيق زيادة صافية كبيرة فى المدخرات الأجنبية بالقطاع.

وأرجع صعوبة جذب موارد جديدة من خارج القطاع المصرفى، لأكثر من سبب، فى مقدمتها ضعف الاستثمارات الأجنبية المباشرة التى تراجعت نتيجة ارتفاع المخاطر بالسوق المحلية وعدم الاستقرار الأمنى والسياسى.

وقد جذبت مصر استثمارات أجنبية بقيمة 5.8 مليار دولار خلال الشهور التسعة الأولى من العام المالى 2016/2015، مع استهداف تحقيق استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة 10 مليارات دولار؛ للمساعدة فى سد الفجوة الموارد الدولارية التى تعانى منها البلاد.

وأضاف رمضان أن التذبذبات العالية بأسعار الفائدة، سواء بالعملة المحلية أو الأجنبية، لعبت دورًا فى تقليل شهية بعض العملاء لربط ودائع بالعملة الأجنبية لفترة متوسطة الأجل، قائلًا إن الفائدة مثلًا على الشهادات كانت تدور العام الماضى حول %3، وارتفعت إلى أكثر من %5 حاليًا، ويصعب التكهن باتجاهاتها الفترة المقبلة.

ولفت إلى أن العميل يتجه لربط وديعة أجنبية بفائدة مرتفعة، حينما تكون التوقعات تميل إلى تراجع أسعار الفائدة مستقبلًا، فضلًا عن الفجوة الكبيرة بين سعرى الدولار الرسمى والموازى، والتى وصلت فى بعض الأحيان لأكثر من 3 جنيهات دفعة واحدة، الأمر الذى حجّم من الإيداعات الجديدة بالقطاع.

ويعتقد أن تخوف العملاء من وضع قيود على استخدامات مدخراتهم الأجنبية خلقَ نوعًا من التحفظ على الإيداعات الأجنبية بعض الشىء، رغم أن البنوك قامت بتوفير حزمة متكاملة من الأوعية الادخارية، بما يتلاءم مع احتياجات مختلف الشرائح من العملاء.
يُشار إلى أن "المركزى" يضع حدًّا أقصى لتحويلات الأفراد بالعملة الأجنبية خارج مصر يبلغ 100 ألف دولار سنويًّا.

وذكر رمضان أن البنوك كثّفت جهودها الفترة الماضية لتدبير النقد اللازم لتمويل المشروعات والعمليات الاستيرادية، مع إشارته إلى اتجاه أغلب البنوك لكشف مراكزها بالعملة الأجنبية، الأمر الذى دفَعها لرفع الفائدة لجذب مزيد من الودائع، بما يرفع قدرتها على تمويل التجارة.

كان "المركزى" قد عَدل فى ديسمبر الماضى النظام الأساسى للمشاركين فى عطاء بيع الدولار، ووضع ضوابط للبنوك المرشَّحة للاستفادة، ارتكزت على مدى فعاليتها فى توفير النقد الأجنبى للعملاء، من خلال 3 محددات، الأول خاص بحجم التسهيلات الائتمانية بالعملة الأجنبية الممنوحة للعملاء، والثانى اتساع نطاق تغطية البنك للنقد الأجنبى، ليشمل أكبر عدد من العملاء، خاصة صغار العملاء، ويخص الثالث مدى مرونة البنك فى تلبية الاحتياجات، عبر كشف مراكز العملة فى الحدود المصرَّح بها.

وأشار مدير إدارة المعاملات الدولية ببنك مصر إيران، إلى أن تخفيف قيود التعامل بالعملة الأجنبية وإطلاق الحرية للتحويلات مع عودة الاستثمارات الأجنبية المباشرة، سيسفر عن تحسن نسبى بمعدلات السيولة بالعملة الأجنبية داخل البنوك.

وأكد أن اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولى ستكون له انعكاسات إيجابية على سوق العملة الأجنبية وزيادة الموارد تدريجيًّا، متوقعًا تحسنًا نسبيًّا فى معدلات السيولة بالنقد الأجنبى.

وقد توصلت مصر لاتفاق مبدئى مع صندوق النقد الدولى للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار على مدار 3 سنوات.

من جهته قال تامر يوسف، رئيس قطاع الخزانة بأحد البنوك الأجنبية، إن موارد العملة الأجنبية شهدت تراجعًا تدريجيًّا منذ 2011، وبلغت ذروتها خلال العام المالى 2015/ 2016، وبالتحديد منذ وقوع الطائرة الروسية بشرم الشيخ فى أكتوبر الماضى.
وقد تحطمت الطائرة الروسية فوق سيناء فى أكتوبر الماضى، ما أدى لمقتل جميع مَن كانوا على متنها، وعددهم 224 شخصًا. 

وأكد يوسف أن تراجع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة والسياحة حدّ من نمو الودائع بالعملات الأجنبية، موضحًا أن جزءًا من هذه الموارد كان يتم استخدامه، والجزء الآخر يتم إيداعه بالبنوك لحين استغلاله مرة أخرى، وهو ما لا يحدث خلال الفترة الراهنة.
وقد شهدت الإيرادات السياحية تراجعًا بمعدل %62.2 خلال الفترة من يناير– مارس الماضى عن الفترة المقابلة من عام 2015.

وتابع أن البنوك على الجانب الآخر لديها احتياجات ومتطلبات لتمويل الاعتمادات والقروض الضخمة التى يجرى ترتيبها لتمويل المشروعات العملاقة التى يتم تنفيذها، ولا سيما بقطاعات الطاقة والبتروكيماويات والبنية الأساسية والاتصالات.

وأكد أن هناك ضغوطًا واجهت البنوك لتلبية احتياجات العملاء، الأمر الذى دفع معظم البنوك لرفع الفائدة لاستقطاب أكبر قدر ممكن من العملات الأجنبية، لكن نظرًا لندرة الموارد على أرض الواقع انتقلت الودائع من بنك لآخر.

ولفت إلى أن البنوك بدأت تبحث عن منافذ أخرى لتدبير العملة، بدءًا من الاقتراض من مؤسسات وبنوك خارجية، وفتح خطوط ائتمان مع البنوك المراسلة، وحتى الحصول على قروض مساندة من المجموعة الأم بالخارج.

وقد حصل بنكا مصر والأهلى على قرضٍ من بنك التنمية الصينى مؤخرًا بقيمة 800 مليون دولار، بواقع 100 مليون دولار للأول، و700 مليون دولار للثانى، كما حصل بنك عوده على قرض مساند من مجموعته الأم بقيمة 60 مليون دولار.

وذكر يوسف أن وضع السيولة الأجنبية بالبنوك المحلية غير مُقلق، ولا سيما أن معدلات التوظيف بالعملة الأجنبية تدور حول %66، مما يشير إلى توافر سيولة جيدة بالقطاع، مع إشارته لأهمية تنمية تلك الودائع؛ لتغطية طلبات احتياجات السوق المحلية المتزايدة.
يُشار إلى أن معدلات التوظيف الأجنبية تراوحت بين 63 و%66.5 خلال الفترة الماضية، إذ يبلغ إجمالى الودائع الدولارية 420.9 مليار جنيه، والقروض بقيمة 267.9 مليار جنيه بنهاية مايو الماضى.

وأوضح أن الإشكالية فى تراجع معدلات الادخار بالسوق المحلية التى تدور حول %12، فى حين أن السوق بحاجة لمعدلات تفوق %30، الأمر الذى يؤكد اتساع فجوة التمويل الدولارية، والحاجة لضخ استثمارات مباشرة أو الحصول على قروض خارجية لسدِّ تلك الفجوة.
ونوّه بأن الإشكالية تكمن فى حصيلة التنازل عن العملة الأجنبية التى تستخدمها البنوك فى تمويل العمليات الاستيرادية، مشيرًا إلى أن اتساع الفجوة السعرية بين الدولارين الرسمى والموازى وراء عزوف حائزى الدولار عن البنوك واتجاههم للسوق الموازية.

من جهته قال محمد بدرة، الخبير المصرفى، إن اتجاه كثير من الأفراد لاكتناز الدولار بالبيوت كمخزن للقيمة خلال الفترة الماضية، انعكس على بطء نمو الودائع بالعملة الأجنبية، مضيفًا أن حائزى الدولار تجاهلوا ارتفاع الفائدة على الجنيه أو الدولار مؤخرًا، وقاموا بإيداع مدخراتهم الأجنبية بالبيوت أو حتى بالخزائن الحديدية بالبنوك وفى كلتا الحالتين لا تؤثر بأى شكل على ودائع المصارف.

ويعتقد بدرة أن القفزات الوهمية وغير المبرَّرة بالسوق الموازية للعملة خلقت نوعًا من الارتباك لدى الأفراد ودفعتهم لتفضيل التربح السريع من فروق سعر الدولار عن إيداع ما فى حوزتهم فى حسابات أو شهادات بالمصارف.

وأكد أن الاعتماد على تعاملات وأسعار السوق الموازية محفوف بالمخاطر، ولا سيما فى ظل وجود أكثر من سعر يختلف حسب قيمة المبلغ إذا كان صغيرًا أو كبيرًا.

وفيما يتعلق برفع معدلات الفائدة على الدولار مستقبلًا، قال بدرة إن البنوك ستصل إلى حد معين وتتوقف؛ لأن الطلب أكثر هذه الفترة على الموارد الدولارية اللازمة لفتح الاعتمادات المستندية لتمويل عمليات التجارة.

وذكر أن بعض البنوك، ولا سيما الحكومية، عملت على تنويع مصادرها الدولارية عبر الاقتراض من بنوك خارجية، لكن فى المقابل أغلب البنوك الأخرى لم تستطع خوض التجربة، مؤكدًا ضرورة ضمان تدفق موارد أجنبية مستقبلية تعزز قدرته على سداد القرض.

واستشهد بأن البنوك الحكومية هى الأجدر بالحصول على هذه القروض؛ لامتلاكها أكبر حجم ودائع أجنبية، فضلًا عن توافر مصادر من العملة الصعبة عبر فروعها الخارجية، كما لفت إلى أن عامل التكلفة يلعب دورًا فى تحديد مدى استعداد البنك لتحمُّلها فى ضوء التصنيف الائتمانى المنخفض لمصر.

وتوقَّع بدرة أن تتحسن موارد البنوك من العملة الصعبة، سواء على صعيد الودائع أو التنازل عن الدولار، وذلك بعد موافقة الصندوق رسميًّا على القرض ووصول أول تدفقات نقدية تؤمِّن خطوة خفض الجنيه وتعزز من جذب موارد أجنبية مباشرة.
مصدر الخبر
جريدة المال

أخبار متعلقة