الأربعاء 1 يوليه 2026 — القاهرة

"الذئاب المنفردة" تؤجل موت داعش

"الذئاب المنفردة" تؤجل موت داعش
مني تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف باسم داعش) بهزائم على الأرض طوال عام 2016.
 

ويقدر مسئولون أمريكيون أن التنظيم خسر نصف الأراضي التي كان يسيطر عليها في العراق ونحو 20 % من أراضيه في سوريا، بما في ذلك طرق الإمداد الرئيسية من تركيا التي كانت حيوية لتدفق المقاتلين الأجانب.

لكن "بريدجيت مورينج" ترى في مقال نشرته "فورين أفيرز" أن التهديد الذي تشكله داعش لا يتراجع، رغم تناقص ما تسيطر عليه من أراض، وأثبت قدرة لا نهائية على التكيف عبر الاستفادة من تدابير مبتكرة ردا على الضغوط الخارجية.

ومع تقلص الأراضي واستهداف الغارات الجوية بقيادة الولايات المتحدة لقيادات التنظيم، سوف تعتمد داعش بشكل متزايد على "المخططين الافتراضيين" الذين يعملون في الخفاء على الإنترنت ويتولون تنسيق الهجمات في الخارج.

فمنذ مطلع عام 2015 تقريبا، تخطط داعش لعمليات رفيعة المستوى ضد الغرب، حيث تحتل أوروبا موقعا مهما في هذه المخططات. ومع مرور الوقت، يتضح أن استراتيجية عملياتها الخارجية في أوروبا ليست عشوائية، حيث يتم تصمم أساليبها وتنظيمها بعناية تحت إشراف جناحها للأمن الخارجي. 
 
واستطاع المحللون شيئا فشيئا استكشاف سلسلة القيادة الهرمية في هذا الجناح رغم أنها مبهمة إلى حد ما، ووفقا لأقوال المنشق أبو خالد، كان أبو محمد العدناني ـ المتحدث الراحل باسم التنظيم ـ يشغل منصب رئيس الامن الخارجي.

ويتولى أبو سليمان الفرنسي ـ وهو فرنسي الجنسية، ولا يكاد يعرف عنه اكثر من اسمه الحركي ـ إدارة العمليات الخارجية، ويلي "الفرنسي" مجموعة أساسية من القادة الميدانيين، مسئولة عن العمليات التي تغطي أوروبا وجنوب شرق آسيا.

وتسند المسئولية إلى هؤلاء القادة وفقا للقدرات اللغوية والجنسيات ـ على غرار الطريقة التي تجمع بها داعش الأعضاء الأخرين ـ وهو ما يتيح لهم معرفة واسعة بالمنطقة عند تنظيم المؤامرات، ويعتبر هؤلاء القادة مسئولون عن إدارة بعض من أكثر عمليات داعش دموية، بما في ذلك هجمات نوفمبر 2015 في باريس.

وهناك كوادر أقل شهرة داخل الأمن الخارجي تشمل مخططين افتراضيين، يتحملون مسئولية إلمهام وتوجيه العديد من المؤامرات التي توصف ـ خطأ ـ بأنها هجمات" الذئب المنفرد ". فقد افترض العديد من المراقبين أن العمليات التي يقوم بها مهاجم او اثنين، تستلهم دعوة داعش لتوجيه ضربات مستقلة في أنحاء العالم، التي كان عدناني أول من أطلقها سبتمبر 2014.

ويعتبر مثل هذا الافتراض مشكلة كبيرة، فهو يقلل من شأن استراتيجية داعش الخارجية، وينفي وجود البنية المعقدة التي يتم من خلالها تنظيم عملياتها (فلا يوجد أي مؤشر، على أن أحمد خان راحامي، الذي ارتكب الهجوم الأخير في نيويورك، له علاقة بداعش، وليس من الواضح بعد ما إذا كان متصلا بخلية أكبر).

ويتولى مخططو داعش الافتراضيون ـ المقيمون في سوريا والعراق عادة ـ جذب المؤيدين في الخارج الذين أعربوا عن رغبتهم في تنفيذ الهجمات، ولكنهم يفتقرون إلى المعرفة التقنية أو العملياتية للقيام بذلك، وتقديم المشورة لهم.

ويتمتع حشد مؤيدي التنظيم الذين يعيشون بالفعل في الغرب بمزايا واضحة؛ فهو يتيح الفرصة لإرشاد المؤيدين من خلال التطبيقات المشفرة، مثل تلجرام و الواتساب، بينما يتفادى مخاطر تدريب وارسال عناصر من سوريا.

وأصبحت هذه الاستراتيجية عنصرا حاسما في الأنشطة العالمية للجماعة. ويزعم أحد نشطاء داعش أن التنظيم بدأ حتى في إقناع الأجانب بعدم الانضمام إلى صفوفه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتشجيعهم ـ بدلا من ذلك ـ "بالبقاء في بلدانهم، و الانتظار للقيام بشيء هناك".

وردد النصيحة الجهادي الفرنسي، رشيد قاسم ـ أحد أكثر المخططين الافتراضيين خطورة، ويبلغ من العمر 29 عاما ـ الذي يتولى توجيه أتباع التنظيم في أوروبا من مقره داخل الأ{اضي التي تسيطر عليها داعش. ففي شريط فيديو دعائي، دعا قاسم أنصار داعش إلى "تمزيق تذاكر السفر إلى تركيا" – محطة المجندين للتنظيم في طريقهم إلى سوريا والعراق ـ قائلا "الجنة تحت أقدامكم".

ومن المرجح أن قاسم، من أصل جزائري، ويعتقد أنه بدأ التطرف في وقت ما عام 2011. وقال إنه كان يعمل قبل ذلك في مركز اجتماعي في روان بوسط فرنسا، وكان شغوفا بموسيقى الراب. 
 
وبعد رحلة قام بها إلى الجزائر بدأ أحد معارفه يلاحظ تغيره، ويقول "في البداية كنا نعلم أنه كان اجتماعيا، مرحا ... ولم تكن عائلته متدينة جدا ... شهدت بدايات تطرفه." وبحلول صيف 2015 ، هاجروا إلى ما أعلنته داعش دولة الخلافة، وكان أول ظهور علني له من العراق عبر شريط فيديو في يوليو 2016 يوليو، أنتجه الجناح الإعلام للتنظيم في"ولاية" نينوى. 
 
وظهر قاسم في الفيديو مرتديا العتاد العسكري، يضع وشاحا أسود حول رأسه بينما يحمل سكينا فوق رأس أسير مكبل؛ و يمتدح الهجوم الذي وقع بشاحنة في نيس ضد الفرنسيين، ويتوعد باستمرار العمليات. وفي نهاية الفيديو، قطع رأس الأسير الذي زعم أنه مرتد.
ويتمتع قاسم بحضور قوي على الإنترنت، بما في ذلك صفحة الفيسبوك وقناة تلجرام، حيث يوجه بانتظام رسائل إلى أنصار داعش، يحثهم على تنفيذ هجمات ضد الغرب. ويشجعهم على تطبيق "قانون الثأر" عبر مهاجمة فرنسا انتقاما من عدوانها على الخلافة.

وينشر على صفحاته عبر وسائل الاعلام الاجتماعي صور الأطفال السوريين والعراقيين الذين قتلوا في الغارات الجوية، مصحوبة برسائل مثل " نقتلهم كما يقتلوننا." واستخدمت حتى تطبيق سناب شات لإيصال رسائل إلى أتباعه، للقيام بعمليات داخل فرنسا بدلا من الهجرة إلى الخلافة.
ومن الخطأ اعتبار قاسم مجرد رجل دعاية. بل أنهيدير مباشرة المتطلعين إلى تنفيذ مؤامرات، ويساعدهم على ترجمة النوايا إلى أفعال. وقد تمت عدة اتصالات بين قاسم، وعادل كرميش وعبد المالك نبيل بيتيتجين، الإرهابيين الذين قتلا كاهنا في كنيسة سانت إتيان دو روفراي في يوليو 2016. 

ووجد المحققون المحادثات على تلجرام بين قاسم والرجلين، بما يشير إلى أن قاسم ألهمهم العملية وأدارها من بعيد. وربما كان قاسم من قام بالتعارف بين الشخصين الذين كانا يعيشان على بعد 400 ميلا بحريا، على بعضهما البعض ويعتقد أنهما التقيا بشكل شخصي قبل أيام فقط من الهجوم.

بل أن قاسم تولى إدارة صفحة كرميش على تلجرام بعد ان قتل على يد الشرطة. وبعد أسبوع من الهجوم، ظهر تسجيل صوتي على صفحة كرميش، بواسطة قاسم على الأرجح، يهنئ فيه المتحدث "الإخوة" على الهجوم. ومنذ ذلك الوقت، ظهرت تسجيلات أخرى، بما في ذلك تسجيل يوم 18 أغسطس.

وذكر فيه المتحدث الهجوم على الكنيسة وتعهد بأن هناك خطط لعمليات جديدة. ويبدو أن التسجيلات الصوتية وسيلة قاسم المفضلة في الاتصال، حيث ينشر العديد منها يوميا على صفحته على تطبيق تلجرام. كما يعيد أيضا على صفحته نشر تسجيلات صوتية تبثها على صفحة كرميش، مجموعة تسمى "الحق والدليل"، وهو ما يشير إلى وجود صلة بين الحسابين.

ويعتبر قاسم، على الأرجح، المسئول عن إدارة مؤامرات أخرى في جميع أنحاء فرنسا، خاصة تلك التي تصاحبها رسائل الفيديو بعد مقتل المهاجمين. فقد نشر عدد من التوجيهات لمؤيدي داعش تحدد اسماء ومواقع الأهداف التي يوصي بها، و النصائح التكتيكية والاستراتيجية لضمان نجاح العملية.

ويتضمن أحد هذه المنشورات قائمة بها عشرات الأفراد رفيعي المستوى من السياسيين والصحفيين ورجال الأمن، ومغني الراب. وربما كان عبد الله العروسي، الذي طعن وقتل في يونيو 2016 قائدا للشرطة ورفيقته، باسم داعش، على صلة أيضا مع قاسم.

وقام عبد الله بتصوير الهجوم في الفيسبوك لايف، ولديه وفقا للشرطة الفرنسية، قائمة من الأهداف تضم "مغني الراب، الصحفيين وضباط الشرطة، والشخصيات العامة."
ويواصل قاسم تقديم المشورة للإرهابيين المحتملين. وفي الآونة الأخيرة، اعتقلت السلطات الفرنسية مجموعة من النساء كن يخططن لتفجير سيارة ملغومة قرب كاتدرائية نوتردام في باريس بأوامر يبدو أنها من قاسم.

وتم العثور على بصمة الأقل لإحداهن في سيارة متوقفة بالقرب من الكاتدرائية، تحتوي على ست قنابل غاز. وكان قاسم قد أوصى أتباعه في أحد تعليماته على الانترنت، "بملء سيارة بقوارير الغاز ... ثم القيام بركنها في مكان مزدحم".

وخلال المداهمة التي تم فيها اعتقال النسوة، عثرت الشرطة على تعهد خطي بالولاء لأبو بكر البغدادي أمير داعش. ويعتقد المحققون الفرنسيون أن النساء كن على اتصال عبر تطبيق تلجرام ويجري توجيههن من سوريا.

وتعتقد السلطات الفرنسية أيضا أن الصبية الثلاث البالغين من العمر 15 عاما، وألقي القبض عليهم مؤخرا للاشتباه في التخطيط لهجمات في فرنسا، ربما كانوا أيضا على علاقة بقاسم، على الرغم من أنه ليس الواضح إذا كانوا يعرفون بعضهم البعض.

ففي أوائل أغسطس، نشر قاسم تسجيلا صوتيا على تلجرام طلب من المهاجمين المستقبليين إرسال رسالة فيديو له قبل العملية. ووفقا للصحفي البلجيكي جي فان فليردن، اول من نشر موضوع التسجيل، طلب قاسم أن يحتوي الفيديو "يمين الولاء ورسالة دعوة" تشجع الآخرين على تنفيذ هجمات. ووعد أنه بمجرد أن يحصل على الفيديو سوف تتم ترجمته وبثه "إلى العالم بأسره."

وفي نفس تسجيل، يذكر أن رجلا يدعى أبو سليم البلجيكي، أرسل للتو له مثل هذا الفيديو، مما يدل على أن مقاتلا بلجيكيا من أنصار داعش ربما يستعد لإجراء عملية إرهابية. ويرى فان فليردن إن قاسم يشير إلى عز الدين خطابي عضو داعش المولود في بروكسل، الذي غادر بلاده إلى سوريا في 2014 ولا يعرف عنه حاليا أي شيء. وقد تم اعتقال أربعة أشخاص بخصوص التسجيل صوتي، شخصين في فرنسا واثنين في بلجيكا.

ويكاد يكون من المؤكد أن دور قاسم يتكرر في جميع فروع داعش، حيث يتولى عشرات من المخططين الافتراضيين تنظيم عمليات في جميع أنحاء العالم. ومن ثم لا ينبغي وصف الهجمات التي تتم على نطاق صغير بهجمات "الذئب المنفرد"، وهو المصطلح الذي يتجاهل إمكانية التوجيه عن بعد من قادة داعش في العراق وسوريا وأماكن أخرى.
ورغم الخسائر في الأراضي، التي تتسبب في إضعاف المنظمة ككل، ترى مورينج أنه لدى داعش سبلا جديدة للتكيف، واستخدام المخططين الافتراضيين، استراتيجية يمكن اتباعها على المدى الطويل.

ويمكن للمخططين الافتراضيين العمل من أي مكان، يلزمهم فقط جهاز كمبيوتر واتصال بالإنترنت. وبينما يستمر التحالف لهزيمة داعش على الأرض، تنصح مورينج بالتركيز على عناصرها في الفضاء الإنترنتي، والاستعداد لهجمات ستتكرر في الغرب لفترة طويلة بعد سقوط الخلافة. 
مصدر الخبر
مصر العربية

أخبار متعلقة