منذ أكثر من عامين، منح الفنان محمود الجندي وقته وجهده وخبراته، بعد عودته إلى مدينة “أبو المطامير” مسقط رأسه بمحافظة البحيرة؛ ليحقق حلم إعادة الروح لمسارح مصر من الأقاليم.
شارك الجندي مجموعة من الوجوه الشابة التي تبحث عن فرصة لإثبات قدراتها الفنية بعيدا عن العاصمة، وربما بعيدا عن عواصم المحافظات ذاتها، ولملم حبات عقده الفني من قرى ومدارس مركز أبو المطامير، ليطل علينا من مسرح أوبرا دمنهور بواحد من أجمل العروض المسرحية وأكثرها جراة خلال السنوات الأخيرة.
وجاء العرض المسرحي “اعملوا معروف” الذي أعده وأخرجه الفنان محمود الجندي مع فريق قصر ثقافة أبو المطامير ليكشف لنا عن واقع شديد الارتباك والقسوة، وعن انسداد الأفق وغياب الأمل بفضل ممارسات سلطوية قاسية؛ حيث يزاح الستار عن أحد أسواق الخضر والفاكهة بمدينة صغيرة، يحاول الباعة من خلاله توفير قوت يومهم، وسط حالة كساد واضحة تتجلى فى شخصية “الموظف” الذى يلعب دوره الشاب “أحمد أبو كاشيك”، الذى يتضطر إلى التسول لتوفير نفقات الحياة لأفراد أسرته، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة.
“شاويش المرافق” الذى لعب دوره الفنان المتميز “أحمد أبو عوف” استطاع أن يكسي الوجوه حزنا؛ حينما هبط عليهم ليقاسمهم رزقهم قائلا “كل منشة ليا فيها كبشه، وكل رغيف ليه فيه لقمة، واللى مش عاجبه يروح فى داهية من السوق”، في استدعاء واضح لشخصية أمين الشرطة القاسي في رائعة يوسف شاهين “هى فوضى”.
ووسط هذه الأجواء، يزور السوق حاكم المدينة، معلنا أن الرئيس، الذى لقبه النص بـ”الشخص” سوف يمر من المدينة، لذا يجب إخلاء السوق تماما من كل رواده وتعليق الزينات واللافتات ابتهاجا بالزيارة المرتقبة، وبالفعل يتولى الشاويش ورجاله من أفراد الشرطة إخلاء السوق بمنتهى القسوة.
وخلال الاحتفالات بالشخص الذى يؤدي دوره الفنان “محمود الجندي”، تدخل بائعة الطماطم خلسة، ويعجز أفراد الأمن عن التصدى لها خوفا من إحداث توتر، وتكتشف البائعة التي لعبت دورها “يوستينا سعيد” أن الرئيس أو الشخص هو الذى يجلس أمامها، فتوجهت إليه للترحيب به وغنت له، وفجاة يقف الشخص ويترك المكان دون أي كلمة، فيحتار معاونوه في سبب المغادرة المفاجئة، ويقرروا محاكمة بائعة الطماطم التي عكرت صفو الاحتفال.
وبالفعل، تحال إلى محكمة عاجلة يستعين فيها الشاويش بعدد من شهود الإثبات لتأكيد التهمة، وتقرر المحكمة توجيه تهم إليها، مثل التحريض على قلب نظام الحكم، ودعم الإرهاب، وتعكير الأمن العام، والتخابر لصالح جهات أجنبية وتقضى المحكمة بمصادرة عربة الطماطم وبيعها في المزاد العلني لتصرخ البائعة: “العربية دي روحي من غيرها أموت دى عمرها من عمري”، ويتم بيعها في المزاد لصالح جزار المدينة، وتجلس البائعة حزينة عاجزة.