الأربعاء 1 يوليه 2026 — القاهرة

من الدالاى لاما إلى آية حجازى.. الإعلام الأمريكى.. وفن صناعة النشطاء!

من الدالاى لاما إلى آية حجازى.. الإعلام الأمريكى.. وفن صناعة النشطاء!
اعتادت وسائل الإعلام الغربية، وخاصة الأمريكية، على «التخديم» على سياسات دوائر صنع القرار السياسى والمخابراتى فى الدول التى تنتمى إليها، وعلى رأس هذه الخدمات التى تتقنها الأوساط الإعلامية الأمريكية، فن صناعة الأبطال الوهميين فى الدول التى تتعارض مصالحها مع مصالح واشنطن.

 

بداية من الدالاى لاما ناشط التبت الذى تم التضخيم كثيرا من صورته فى محاولة للضغط على الصين، ونهاية بقضية الناشطة المصرية آية حجازى التى سعت وسائل الإعلام الأمريكية فى الفترة الأخيرة إلى تحويلها إلى «دمية» جديدة مناظرة لتجربة خالد سعيد أو سيد بلال أو صلاح سلطان.
وفى الأسابيع الأخيرة، ظهر واضحا التركيز الشديد من جانب الإعلام الأمريكى على قضية آية حجازى على الرغم من أنها تلقى محاكمة طبيعية أمام القضاء المصري، سواء عبر تصويرها على أنها «دليل» على استمرار سياسات السلطات فى مصر لقمع معارضيها وقادة المجتمع المدني، دون الإشارة إلى الاتهامات الموجهة إليها تفصيلا، أو أنها دليل على وجود أصوات معارضة قوية ضد نظام الحكم الحالى فى مصر قادرة على تحريك الشارع والجماهير فى أى وقت، أو حتى التعامل مع قضيتها على أنها فرصة لإثبات عدم نزاهة واستقلالية القضاء المصري، من وجهة نظرهم، على الرغم من حقيقة أنه قضاء عادل ونزيه ومستقل، بدليل أنه القضاء الذى يحاكم رئيسين، والذى أصدر أحكاما عديدة بالبراءة فى قضايا كثيرة متهم فيها خصوم رئيسيون للدولة المصرية.
بالتأكيد، من الممكن أن تحصل آية حجازى على البراءة من الاتهامات الموجهة إليها، ومن الوارد أن تدان أيضا، وفى كل الأحوال، هى قضية داخلية منظورة أمام القضاء ولا يحق لأى جهة أخرى التدخل فيها، كما لا تفعل مصر الشيء نفسه فى القضايا المنظورة أمام المحاكم الأمريكية، ولا أمام محاكم أى دولة، بل لا تجرؤ واشنطن نفسها على القيام بالمثل مع دول أخري، بدليل أن السلطات التركية، الحليفة لواشنطن، اعتقلت ما يقرب من 100 ألف شخص بدعوى مشاركتهم فى محاولة انقلاب يوليو الفاشلة، ولم تنطق وسائل الإعلام الأمريكية بكلمة، رغم أن المعتقلين فى تركيا ليسوا متهمين بشيء إلا بمحاولة الانقلاب، وهو اتهام مشكوك فى صحته أصلا، وليسوا متهمين بنفس القدر من الاتهامات الخطيرة التى تواجهها آية حجازي.
أسهبت وكالة أسوشييتدبرس للأنباء فى تناول المزاعم المثارة حول تعسف السلطات فى مصر مع مسألة احتجاز آية حجازي، وتزامن ذلك مع لقاء عقده بعض المسئولين الأمريكيين مع أفراد أسرتها فى واشنطن، بما يعكس مدى تنسيق الوكالة الأمريكية مع الدوائر الرسمية فى الولايات المتحدة لإثارة القضية بصورة مفاجئة.
وفى تقرير بثته الوكالة يوم 14 سبتمبر الماضى بعنوان «أعضاء الكونجرس يحثون مصر على الإفراج عن سيدة من فيرجينيا من أحد السجون»، جاء فيه أن آية حجازى التى نشأت فى الولايات المتحدة ثم توجهت بعد الانتهاء من دراستها الجامعية إلى مصر موطنها الأصلى لتؤسس منظمة لمساعدة الأطفال، أصبحت مستهدفة من قبل السلطات المصرية «المستبدة»، بحسب تعبير الوكالة، حيث جرى حبسها استنادا إلى اتهامات ملفقة، بحسب وصف الوكالة أيضا، خلال العامين الماضيين.
وتابعت الوكالة التى تقوم هنا كما هو واضح بدور المحقق والقاضى فى آن واحد، مع إخفاء حقيقة الاتهامات الموجهة إلى المذكورة، أن أسرة آية حجازى واثنين من أعضاء الكونجرس عن ولاية فيرجينيا الشمالية وجهوا الدعوة إلى السلطات الأمريكية، وليست المصرية، لإطلاق سراحها، وذلك خلال مؤتمر صحفى عقدوه فى مبنى الكونجرس تحدثوا فيه بالتفصيل عن القضية. وأشارت الوكالة الأمريكية إلى أن الناشطة المصرية تواجه اتهامات بإساءة معاملة الأطفال والانخراط فى الاتجار بالأفراد والاختطاف والاستغلال الجنسى لهم والتعذيب، ونوهت الوكالة إلى أنه تم تأجيل قضيتها عدة مرات حتى الآن لأسباب رأتها منظمات حقوقية متضامنة معها على أنها «ذرائع ساذجة»، مثل عدم التمكن من تشغيل جهاز كمبيوتر خلال إحدى الجلسات.
ونقلت الوكالة الأمريكية عن منظمات حقوقية اتهامها الصريح والمباشر للحكومة فى مصر بتلفيق الاتهامات ضد آية حجازي، وقولها إن ذلك يأتى فى ظل الإجراءات المتشددة التى تفرضها الحكومة المصرية ضد المجتمع المدنى بصفة عامة، متناسية أن عشرات من منظمات المجتمع المدنى تعمل بحرية تامة فى مصر فيما يفيد المصريين بحق، وتحظى أعمال هذه المنظمات باهتمام ورعاية الدولة، بل بإشادة الرئيس بها فى خطاباته بصورة مستمرة، بل دعوته المصريين لدعم هذه المنظمات.
وتجنبت كل التقارير الصادرة فى الإعلام الغربى عن آية حجازى الحديث عن تفاصيل الاتهامات الموجهة إلى الناشطة آية حجازي، بما فى ذلك استغلال الأطفال فى ارتكاب الأعمال العدائية ضد الدولة، واستغلالهم فى المشاركة بالمظاهرات ومهاجمة قوات الجيش والشرطة وإثارة الفوضى والعنف فى مصر، وهى اتهامات لا يمكن لأحد أن يدين أو يبرئ المتهمة منها إلا المحكمة التى تبحث قضيتها.
كما لم تهتم هذه التقارير برد الخارجية المصرية على المطالب الأمريكية بالإفراج عنها الذى تضمن المطالبة بالإفراج أيضا عن المصريين المعتقلين فى السجون الأمريكية.
والطريف فى الأمر أنه على الرغم من أن الإعلام الأمريكى يبرر إثارة موضوع آية حجازى بأنها تحمل الجنسية الأمريكية، فإن بعضا من وسائل الإعلام الأمريكية لم تكن قادرة على نطق أو كتابة اسم الناشطة بالطريقة السليمة، لدرجة أن أحد هذه التقارير لجأ إلى كتابة طريقة النطق بالحروف الإنجليزية، تسهيلا على القارئ مع تأكيد أن الناشطة «أمريكية»!
وبالتأكيد، لن تتوقف محاولات صناعة «النشطاء» وضحايا القمع المصرى المزعوم عند آية حجازي، فسيجد الإعلام الأمريكى ضالته فى شخصية أخري، وهو نفس ما يجرى اتباعه مع الصين وروسيا ودول أخري.

مصدر الخبر
الأهرام

أخبار متعلقة