يمكن القول بكل ثقة إن مصر عبرت أصعب مراحل تاريخها، وإن الدولة نجحت في الحفاظ على حدودها وكيانها وتماسكها الاجتماعي، وإن البلد نجا من مصير آلت إليه دول أخرى مر فوق سمائها ذلك الربيع، فحول الحياة فيها إلى جحيم.
مازالت هناك معضلات يعانيها المصريون، لكنهم قادرون على التعايش معها حتى يتم تجاوزها. دعك من الخطاب السياسي والإعلامي لـ «الإخوان المسلمين» و «ثورجية» مواقع التواصل الاجتماعي ومن خلفهم الدول والجهات والقنوات الفضائية الداعمة لهم، فشكوى المصريين من مشاكل ومعضلات حياتية لا تعني أبداً قبولاً بعودة «الإخوان» إلى الحكم مجدداً، أو حتى إلى العمل السياسي.
أما تفسير الحملات المستمرة والمتنوعة والمتلاحقة التي تستهدف الحكم في مصر فهي تدخل ضمن محاولات تلك الجهات الإبقاء على الأمل لدى البسطاء من «الإخوان» الذين يتلقون التعليمات عبر الهاتف ومواقع التواصل الاجتماعي ليحتشدوا في الحواري والأزقة ويرفعون لافتات تهاجم الرئيس عبدالفتاح السيسي، أو يرفعون علامات «رابعة» في مواجهة الكاميرات ثم ينصرفون سريعاً قبل أن يهاجمهم الناس أو تطاردهم الشرطة. فمهم جداً لدى وسائل إعلام «الإخوان» أن يستمر زخم الوهم بوجود معارضة شعبية للسيسي، وضروري جداً لدى «الثورجية» أن يظلوا على تصورهم بأن شعبية الرجل تتآكل، وأن في إمكانهم إعادة سيناريو الفوضى إلى الشارع مجدداً.
مشكلة السيسي مع أولئك وهؤلاء أنه لا يهتم كثيراً بتصيدهم كلمة له أطلقها في مؤتمر أو عبارة نطق بها أثناء افتتاحه مشروعاً أو دعوة طرحها وأراد بها تحفيز الناس على العمل أو الادخار. يبدو الرجل وكأنه يسير كالقطار في خط مستقيم باتجاه المحطة التالية ولا يقف عند حملات التصيد أو السخرية من كلامه. ويبدو أنه يدرك أن المتصيدين لو لم يجدوا له كلمة أو إيماءة أو تصرفاً سيبحثون عن صيد آخر. وواقعة السجادة الحمراء أثناء افتتاحه مشروع الأسمرات مجرد نموذج. وحتى غيابه لفترة عن الظهور العلني يدفع بـ «الإخوان» وحلفائهم إلى استدعاء مشاكل وأزمات قديمة ومستمرة منذ عقود إلى واجهة الأحداث، والترويج لها وكأنها صنعت بواسطة السيسي نفسه، أو أن إدارته للبلاد كانت سبباً فيها، ووقائع حوادث الهجرة غير المشروعة وارتفاع الأسعار ومعضلة الدولار مجرد نماذج.
صحيح أن الإعلام الغربي ينقل عن مواقع «الإخوان» وقنواتهم أخباراً وتقارير، ويصور الحياة وكأنها جحيم داخل مصر. وحقيقي أن تنظيمات حقوقية تتبنى مطالب الجماعة دائماً وتروج لأحاديث وادعاءات «الثورجية». وبالفعل، فإن دولاً تتخذ مواقف وقرارات قد تصب في مصلحة «الإخوان» و «الثورجية» على المدى القصير، لكن كل من أتى إلى مصر وجال في شوارعها وتردد على مدنها وتنقل بين محافظاتها أدرك فوراً الفارق بين ما آلت إليه البلاد وبين ما كانت عليه. ويبدو أن تأثير الحملات المغرضة والحرب الضروس التي يواجهها المصريون الآن مجرد ثمن تدفعه مصر بعدما نجت من شظايا الربيع العربي وتحملت آلامه وعبرت مستنقعاته.
سيستمر هذا المناخ لفترة على رغم أن كل يوم يمر يمثل هزيمة لمروّجي الإحباط وانتكاسة لأعداء الدولة ممن يريدون هدمها، لكنها الرغبة في الثأر التي تتبناها جماعة حكمت مصر وفشلت ونخب «ثورجية» انتظرت مكافآت ولم تحصل عليها. والمؤكد أن معضلات مصر الاقتصادية وأزمة نخبتها السياسية وأوجاعها الأمنية التي ولدت من رحم أنظمة مرت عليها ولم تسع إلى حلها تحتاج سنوات للتعامل معها والقضاء عليها. لكن الأهم أن مشاريع عملاقة كزرع الصحراء وشبكات الطرق والمدن الجديدة والأنفاق تحت قناة السويس وتعمير سيناء والساحل الشمالي والعاصمة الإدارية الجديدة ستخفف من وقع الأزمات وتحسن ظروف حياة الناس، وفي الوقت نفسه تمثل ضربات موجعة لـ «الإخوان» وحلفائهم وستؤدي إلى إعادة تصدير الإحباط لمروجيه.
طبيعي أن يقع الحكم في أخطاء أو تكون اختياراته للوزراء والمسؤولين محل انتقاد وأن يعاني نقصاً في الموارد وأن يواجه أزمات متتالية، فطالما البلد ينهض من عثرة ذلك الربيع العربي فإن أخطاء ستقع، وما دامت الأنظمة السابقة جرّفت الكفاءات فإن الاختيارات ستظل محل انتقادات، ولأن الدولة فقدت أهم مواردها بفعل المؤامرات فطبيعي أن تحدث أزمات، لكنها كلها مجرد أمراض قابلة لعلاج مريض نجا من الموت ويعيش مرحلة النقاهة.