الخميس 2 يوليه 2026 — القاهرة

مرحلة الجنيه العائم...

مرحلة الجنيه العائم...
ـ 1 ـ
مصر ستدخل، بين لحظة وأخرى، مرحلة جديدة في تاريخ العلاقة بين الناس والدولة.
هذه هي مرحلة الجنيه العائم.
الدولة تنسحب علنا من التحكم في «عملتها المحلية»، وهي سياسة متبعة من فترة طويلة (ارتبطت وقت ظهورها بنيوليبرالية جمال مبارك/حكم الابن من وراء ستار).. لكن الإعلان الواضح الآن، في ظل حكم «ماريشال» لا ينسى الناس خلفيته العسكرية، وخاصة مع توغل الجيش في كل الأنشطة الاقتصادية، فإن مصر أمام مرحلة يصعب توصيفها اقتصاديا، تجمع «النيوليبرالية» بأشكال مثل رأسمالية الدولة في طور تدير فيه المؤسسة العسكرية نشاطها بمنطق «الشركة» وبسلطات احتكار «القطاع العام» معا.
هذا الوضع ليس حلا لمشكلة «الإدارة» كما يروج الجنرالات تبريرا للتوغل العسكري في الاقتصاد، لكنه نوع من التحكم في أدوات السلطة من قبل اكبر مؤسسة من مؤسسات «البيروقراطية الحاكمة» في مصر.
اذاً سيظهر الجنيه العائم، لتتعقد الاوضاع الاقتصادية: تنسحب الدولة، ولا تنسحب... تترك عملتها للعرض والطلب (مع تحكم خفيف من البنك المركزي) ... وتمسك كل مفاتيح الاقتصاد...
الدولار طار بينما يطفو الجنيه، ومعه مزيد من إنهاك «الطبقات الغارقة..» بينما الطبقات الوسطى عالقة، في اتجاه السقوط بعدما كانت «النواة المركزية» التي تنتشلها الدولة من «الشعب» لتعبر بها الى الحداثة.
مصر بهذا السير الحثيث من الصعب الى الأصعب، ومن الازمة الي السقوط، مثال ممتاز لمصير الدول التي بنت عقيدتها على «حكم الأقلية المخلصة» لإنقاذ «الشعب المتخلف»..
هذه العقيدة أفضت الى مآسٍ كاملة في بلدان مثل سوريا والعراق وليبيا، حيث تآكلت «الدولة» بفعل فساد «أنبياء» إنقاذ الشعب من تخلفه... تلك العقيدة التي بررت الاستبداد (هذه شعوب لا تحب الديموقراطية) والفساد (هناك نوع من اللصوص يبدأون تاريخهم اللصوصي بمهمة وطنية..)...
وليست مصادفة أن الجنيه العائم يظهر متزامنا مع تصالح نظام السيسي مع اللصوص ذوي الخلفية الوطنية... من طبعة حسني مبارك.
بل ان حسين سالم، نجم هذه السلالة، ظهر على شاشة التلفزيون، مستدرا عواطف المشاهدين، بعدما أعلن، بحكايات ميلودرامية، انه قد ظلم..؟
والسذج وحدهم سيسألون ذلك الكاهن المباركي، بعينه نصف المغلقة، عن تعريف الظلم، والفقر؟
.. بل وتعريف الوطنية، فقد كان حسين سالم «وسيط» بيع الغاز الى اسرائيل... لكنه لم يخف مرات عدة ان هذه كانت احدى «مهماته الوطنية».
ـ 2 ـ
حسين سالم أول هارب بعد خروج الناس في 25 يناير 2011.
وهو الرجل الغامض الذي يكشف كثيرا من تفاصيل الدولة التي وصلت بسكانها الى مرحلة الجنية العائم (ويسمونها بالمصري: الضنك.. أو الفقر الدكر).
ظهر الملياردير الهارب، راوياً عن الظلم والفقر، في لحظة يشعر الفقراء في مصر انهم في أحلك أيامهم (سيعلن قبل نهاية السنة عن رفع أسعار المحروقات..).
هناك مرارة طبيعية من «يناير..» فقد كانت المسمار القوي في إنهاء النفخة الجبارة التي تعامل بها على انه «امبراطور» شرم الشيخ، حين تماهت داخل نفسه الادوار المواقع ليستدعي كل ما لدى التاريخ البشري من عنجهية أنصاف الآلهة...
ولم يسأله أحد وهو يروي «مظلومية اللص الوطني..»: ما هي الأدوار الوطنية التي تحوّل شخص الى ملياردير عابر للجنسيات؟
حسين سالم هو أحد الذين اجتاحهم فيض الدول التي ابتلعتها أجهزتها ابتلاعا حقيقيا يشمل الثروات والمعاني والرابطة التي تجمع الناس الذين يعيشون على هذه الارض.
الثروة التي أغرقت «ظل الرجل الكبير» كما وصف حسين سالم أيام مبارك، كانت بسبب هذا الابتلاع، الذي جعل نصيبه من الثروات والهبات ديناصوريا، كما موقعه في بناء «النظام المافياوي»، وكما مشاعره الوطنية الجارفة التي جعلته يتصور أن هذه المافيا نفسها هي «الوطن»، وهو نوع من التماهي نهاياته حزينة..
لكنها لن تكون هذه المرة نهاية «اللص الوطني..» وحده.
ـ 3 ـ
لن نمر من الكارثة إلا مع اختفاء «اللص الوطني..»، ذلك الذي توكل اليه مهمات «كهنوتية» تتضخم بها أرصدته المالية، ويتحول حسب شطارته الى «شريك» كلما كان «كمبرادور» ناجحاً في التوفيق بين خدمة الجالس على المقعد وتوظيف هذه الخدمة في تكوين الثروة الشخصية.
هذا الموديل مثل أغنياء الحرب، يبنون مواقعهم المالية من خراب الدولة... وفي حالتنا العربية فإن ثرواتهم تتضخم كلما التهم الحاكم الدولة، ومعها القدرة على عبور ممر الحداثة أو الخروج من عقيدة «الحاكم الاله» والشعب الرعية.
وهنا فإن مرحلة الجنيه العائم في مصر ليست بعيدة عن كل دولة تتحكم فيها أقليات داخل مؤسسات الجيش أو الحزب أو الطائفة، وترى نفسها مميزة كنخبة... مهمتها «تنظيف» /ارتقاء الشعب...
هذه المهمة تبرر حصولها على السلطة والثروة... وذلك بعد أن يكون السلاح معها من البداية.
مصدر الخبر
جريدة السفير

أخبار متعلقة