على مدار خمس سنوات ونيّف، كان تعبير «سوريا المفيدة» ومشتقاته ذا مردود تعبوي يُستخدم على ضفتي الصراع السوري. أريد بداية، من خلال إشاعة الوصف المذكور، التركيز على فكرة أن النظام في دمشق يلفظ أنفاسه، وهو لذلك يستجمع ما لديه من قوة للدفاع عما تيسر له من معاقل «مضمونة الولاء» أو «قابلة للتطويع». والمقصود في هذا الإطار كان دمشق العاصمة والمساحات التي تصلها بمدينتي حمص وحماة والساحل السوري في أحسن الأحوال. أما في أسوئها، فالحل يكون باتخاذ الساحل السوري ملاذاً لـ «دولة علوية» مُتخيلة. لم يَدُر في خلد المقتنعين بالسيناريو المذكور أن عدد النازحين الذين لجؤوا إلى «الشريط الساحلي» عدّل من طبيعته الديموغرافية، بحيث لم يعُد يصح القول إن الشريط هذا يمثل بيئة ذات لون طائفي غالب. فات هؤلاء أيضاً أنّ أجهزة الدولة السورية ظلت تعمل على امتداد معظم جغرافيا البلاد. فقد حافظ الجيش السوري مثلاً على مواقع في مدينة دير الزور في أقصى شرق سوريا وصدّ، بالتعاون مع تشكيلات عشائرية، هجماتٍ لفصائل مقاتلة متنوعة. كذلك كان الأمر في الحسكة والقامشلي في الشمال الشرقي المقطوع تماماً عن «سوريا الصغرى»، وإن كان بقاء الجيش في المدينتين محصلة لتوافقات اهتزت لاحقاً مع «قوات حماية الشعب» الكردية. حتى مدينة الرقة التي طوّبها تنظيم «داعش» عاصمة لدولة «الخلافة» ظلت متصلة بالدولة السورية، حيث الموظفون الرسميون أو أعداد معتبرة منهم، ظلوا يتقاضون رواتبهم ولم يُسرَّحوا من ملاك الدولة. لا الحسكة ولا دير الزور أو القامشلي أو الرقة تقع جغرافياً في حيز «سوريا المفيدة»، وليس القرار في أي منها بيد «أقلية طائفية» مستحكمة. ولعل التبحّر في أسباب استمرار الحياة في أذرع المؤسسات السورية يستوجب بحثاً في وجود ما يشبه «دولة عميقة» تتجاوز «النظام» أو «السلطة» في دلالاتها، ولو أن السنوات الماضية أثبتت أن الفصل بين الاثنين، بالقوة العارية، غير ممكن من دون هدم هيكل الدولة (مع التسليم بالحاجة إلى هذا الفصل).
الحديث عن «سوريا المفيدة» ظل مثار أخذ وردّ حتى وردت العبارة صراحة على لسان الرئيس السوري في خطاب له في أيلول 2015، إثر سلسلة نكسات عسكرية على الجبهات كافة (سقوط إدلب بيد «جيش الفتح» وتدمر بيد «داعش» واتساع رقعة الهجمات في الجنوب). فسّر كثير من أنصار المعارضة هذا الكلام وفقاً لما ورد أعلاه، فيما رأى فيه خصومهم إعادة ترتيب للأولويات، علماً أن الحقيقة في منزلة بين المنزلتين، إذ إن ركون النظام إلى خيار «سوريا المفيدة» مثّل أسوأ المتاح في حال استمرار التقهقر، لكنه لم يكن قراراً نهائياً بانتظار توفر ظروف أفضل.
الظروف هذه أتاحها التدخل الروسي أواخر الشهر نفسه. فقد فرض التدخل تنسيقاً لوجستياً مع الأميركيين وحلفائهم لتجنب احتكاكات في سماء تعجّ بالطائرات، لكنه فشل في إنتاج توافق على صيغة الحل، حتى بلغ التوتر بين موسكو وواشنطن مبلغه الراهن.
اليوم، بات ممكناً القول إن واشنطن هي أول الراغبين في بقاء الجيش السوري في البقعة «المفيدة»، طالما أن تنظيم صفوف المقاتلين وتصريف نتائج المفاوضات غير ممكنين في ظل ضعف نفوذها بين هؤلاء. الإدارة الأميركية تقاتل دبلوماسياً (وعسكرياً كما دلت غارة دير الزور على مواقع الجيش) حتى يبقى الاستنزاف عنوان المرحلة. «سوريا المفيدة» مفيدة لها، بانتظار استكمال إعادة تأهيل ما تيسر من فصائل مقاتلة، وإن كان الأمر يبدو متعذراً في المدى المنظور، بل تحديداً لأنه كذلك.
سوريا «المفيدة»؟ لمن؟
مصدر الخبر
جريدة السفير